top of page
25/10/2019

قراءة في زيارة الرئيس الروسي بوتين للسعودية والإمارات

اختتم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين زيارته التي بدأها يوم 14 أكتوبر لمنطقة الخليج، وزار خلالها كلا من السعودية والإمارات، والتي تعد الأولى منذ 12 عاما -حيث كانت آخر زيارة منذ عام 2007- وجاءت وسط تطورات مهمة على صعيد قضايا الشرق الأوسط المختلفة، وسلطت الضوء على تأثير روسي متصاعد في المنطقة، وتغييرا في العلاقات الاستراتيجية بين دول الخليج على حساب أمريكا، وتنويعا في تحالفات الرياض الاستراتيجية في ظل التطورات الأخيرة، التي تشهد ارتباكا في المشهد الأمريكي.
وخلال الزيارة وقعت روسيا والسعودية «ميثاق التعاون بين الدول المنتجة للبترول»، وتبادلتا30 اتفاقية ومذكرة تفاهم، تقدر قيمتها بحوالي 2 مليار دولار، لتعزيز التعاون في مجالات الطاقة والفضاء والصحة والثقافة وغيرها. وذكر الوفد الروسي أن (صندوق الاستثمارات العامة السعودي) خصص 10 مليارات دولار لمشاريع الاستثمار المباشر المشتركة في روسيا. ونجح الإماراتيون بشكل مماثل في تأمين مشاريع تجارية واستثمارات مُتبادلة مع روسيا بما يزيد على مليار دولار خلال السنوات القادمة في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والبيئية. وتعزز تلك الصفقات من الاستثمارات الحالية الموقعة بين (صندوق الاستثمار الروسي المباشر)، وشركة (مبادلة للاستثمار) الإماراتية والتي تبلغ قيمتها نحو 2.3 مليار دولار. وعليه قال ولى عهد أبو ظبي سمو الشيخ محمد بن زايد: «نتمنى أن تكون هذه الزيارة لها تأثير كبير على تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين». وربما كان الأمر الأكثر أهمية، هو الاهتمام غير المسبوق باقتصاديات خلاف ملف الطاقة، حيث ضم الوفد المرافق لبوتين عددًا كبيرًا من رجال الأعمال والمستثمرين الروس.
ونظرًا إلى ما يسود منطقة الشرق الأوسط من عدم استقرار مؤخرًا، من سوريا إلى الخليج العربي؛ احتلت المخاوف السياسية أولوية أعلى خلال تلك الزيارة، مقارنة بعام 2007. وكان الكثير من التركيز منصبا على كيفية قيام الطرفين بالعمل معًا لتحقيق الاستقرار في المنطقة. وقال العاهل السعودي الملك «سلمان بن عبدالعزيز» إن: «الرياض تقدر الدور النشط الذي تلعبه روسيا في المنطقة والعالم، لإرساء الأمن والاستقرار والسلام، ومكافحة التطرف والإرهاب وتعزيز النمو الاقتصادي». ورد «بوتين» بالمثل قائلاً: إن موسكو ترى أن «التنسيق الروسي السعودي عامل لا غنى عنه لضمان الأمن في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا»، وواصل «أنا مقتنع بأنه من دون بلادكم، لا يمكن تحقيق تسوية عادلة وطويلة الأجل لأي مشكلة في هذه المنطقة».
وطبقا لـ«أليكسي خليبنيكوف»، من «المجلس الروسى للشؤون الدولية»، فإن هذه الاجتماعات «تأتي في ظل الاضطرابات التي تحدث في الشرق الأوسط، حيث يعانى شمال سوريا من عدم الاستقرار بعد قرار ترامب سحب قواته، وقيام تركيا بغزو هذه المناطق». وكما ذكر موقع «ميدل إيست آي»، فإن «الموقف المتقلب في المنطقة، مثل الهجمات الأخيرة على منشآت النفط السعودية، والتوتر المتزايد بين الرياض وطهران، وغزو تركيا لسوريا، جعل زيارة بوتين تبدو مهمة ومطلوبة ومناسبة جدا للوضع الراهن، حيث تفسح المجال لروسيا والخليج للعمل معا لتحقيق مصالح مشتركة». 
وتعتبر الزيارة بمثابة قمة التطورات بين الجانبين مع حصول موسكو على تأثير بسيط في الخليج على مر التاريخ الحديث. وحاليا تسعى موسكو لتوسيع تواجدها في المنطقة من خلال التركيز على المصالح المشتركة مع دولها. وبالنسبة للسعودية والإمارات، تم التركيز على هذه المصالح في المقام الأول من خلال الفوائد الاقتصادية، بالإضافة إلى تقاسم الأهداف السياسية المماثلة. ومما لاشك فيه أن النفط هو القوة الرئيسية في تدعيم وتقوية هذه العلاقات. وقال «بوتين»: «سنعمل بشكل مطلق مع السعودية وشركائنا الآخرين في العالم العربي لتقليص أي محاولة لزعزعة سوق النفط».
وتسعى السعودية والإمارات للحصول على أسعار مرتفعة وسوق مستقرة للنفط في ضوء أن اقتصادهما يعتمد بشكل كبير على عائداته. وبهذا المعنى، كان الوقت مواتيا بعد انهيار سعر النفط العالمي في 2014, وانخفاض سعر البرميل من 100 دولار إلى أقل من 30 دولارا في يناير 2016, يقول «رؤوف محمدوف»، من «معهد الشرق الأوسط»، إن «الروابط القوية بين الرياض وموسكو دفعت الى تبادل الزيارات، خاصة منذ ثلاث سنوات عندما انضمت الأخيرة الى السعودية في سعيها لخفض أسعار النفط داخل منظمة أوبك، وبعد التنسيق بينهما، انضمت 14 دولة من المنظمة و11 من خارجها، محققة هدفها في زيادة سعر النفط إلى 60 دولارا، واستقرار السوق». 
وبجانب النفط دفعت الروابط الاقتصادية الأخرى الطرفين الى زيادة التعاون في السنوات الأخيرة. وينطبق ذلك الأمر على الإمارات، حيث تعمل دبي وأبو ظبي كمراكز تجارية واستثمارية للشركات الروسية. كما دفع الاقتصاد الضعيف روسيا للبحث عن بدائل عن طريق توسيع وتنويع الاستثمارات الأجنبية. وتوضح «آنا بورشفسكايا»، من «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط»، أن «اهتمام بوتين ببناء علاقات مع دول الخليج عن طريق الاستثمارات يعود إلى حاجته إلى تأمين استثمار يمكنه من إنقاذ اقتصاد روسيا، ويشمل ذلك اهتمام الدول الخليجية بالأسلحة الروسية وتشجيع اتفاقيات الثروة السيادية مما يدعم الاقتصاد الروسي».
أما فيما يتعلق بالمصالح السياسية المشتركة فهي أقل أهمية في تنمية العلاقات بين الخليج وروسيا، وكثيرا ما يختلف الجانبان حول بعض القضايا. وقد أثار دعم روسيا لإيران في العقد الماضي شكوكا لدى الرياض بشأن نوايا موسكو. علاوة على ذلك دعم الجانبان الأطراف المتعارضة في الحرب الأهلية السورية. ومع ذلك قِبلا ضمنيًا ترتيبًا يعمل على حل خلافاتهما والتغاضي عن مواقفهما المتناقضة. فعلى سبيل المثال أكدوا إلى حد كبير رغبتهم المشتركة المتبادلة في القضاء على الإرهاب في كل من الشرق الأوسط وما وراءه.
ورجح بعض المراقبين في ضوء التطورات الأخيرة في سوريا أن يكون «بوتين» قد سعى لإقامة تسوية ما بعد الحرب الأهلية. وقال «فيودور لوكيانوف»، من «مجلس السياسة الخارجية والدفاع»، بموسكو: «من المهم بالنسبة لروسيا أن تشارك دولة عربية في التسوية السياسية في سوريا، بالنظر إلى أنه حتى الآن فقط ثلاث دول غير عربية، هي تركيا وروسيا وإيران, تستضيف المحادثات. وسيؤدي القيام بذلك إلى تحقيق هدفين روسيين: الأول: تعزيز شرعية نظام الأسد بين الدول العربية، والثاني: منع كل من أنقرة وطهران من تحقيق الكثير من النفوذ في سوريا ما بعد الحرب».
ومن ناحية أخرى من المحتمل أن يكون الرئيس الروسي قد سعى الى تشجيع الطرفين السعودي والإيراني على إزالة التوتر بينهما في منطقة الخليج؛ من خلال دعوته لإجراء مفاوضات بينهما. وتوقع المحلل السياسي الروسي «فيودور لوكيانوف» أن يراهن بوتين على علاقات موسكو الجيدة مع الدول العربية من جهة، وعلى تحالفها من جهة أخرى مع إيران، ليحاول «لعب دور صانع السلام» في الخليج. وحسبما أشار «جيمس دورسي»، في موقع «لوب لوج»، الأمريكي، من المحتمل أن تفتح هذه الزيارة الباب أمام اتفاق أوسع برعاية روسية في سياق خلق بعض التفاهم من جانب كل من السعودية وإيران. وفي ظل تعزيز العلاقات الخليجية - الروسية من المتوقع أن يكون لهذه الزيارة بعض النتائج المهمة لكلا الطرفين. فبالنسبة لموسكو، تعمل على تعزيز نفوذها الإقليمي، وهو ما يوسع من نطاق شبكتها الحالية من التحالفات والممتدة في أنحاء الشرق الأوسط، بداية من شمال إفريقيا إلى تركيا وإيران. وتمكنت موسكو من تعزيز كافة تلك التحالفات مع تجنب التدخل على الأقل في النزاعات الإقليمية الداخلية. يقول «ديمتري ترينين» من «مركز كارنيجي»: «نادرًا ما تحدد روسيا للآخرين ما يجب عليهم فعله، إنها تفهم ما يريده كل طرف، وتبحث عن تسوية متبادلة على هذا الأساس؛ ما يؤدي بها إلى أن تكون من بين أقوى القوى الفاعلة التي تمارس نفوذها في المنطقة، ومن المرجح أن تعمل هذه السياسة على تثبيت علاقة قوية مع دول الخليج خلال السنوات القادمة».
وفي ظل سعي الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترامب للخروج من منطقة الشرق الأوسط ونزعته نحو الشعوبية والانعزالية؛ تبدو هذه الزيارة ذات أهمية قصوى بالنسبة لدول الخليج. وذكر «كون كوغلين»، في صحيفة «ديلي تليجراف»، أنه: «حتى الآن، لطالما ركزت دول الخليج على الحفاظ على علاقات وثيقة مع واشنطن، لكن في أعقاب افتقار الأخيرة للحماسة المطلوبة في استجابتها للهجمات الإيرانية على البنية التحتية النفطية السعودية، خلصت الدول الخليجية إلى أنه من ناحية حماية أمنها، يمكن أن تثبت موسكو أنها رهان أفضل في هذا الصدد». 
ووفقا للعديد من المحللين تأتي زيارة بوتين للمنطقة «ضمن جولة تبعث برسائل واضحة حول ما تتطلع إليه روسيا وما يمكن أن تقدمه السعودية والإمارات ضمن سياستهما الجديدة التي بدأت تستوعب شروط المرحلة العالمية الجديدة وتسلحت بما تستوجبه وسط مخاطر التعويل على الجانب الأمريكي وتراجع دوره». وبالنظر إلى الحقبة الرئاسية الراهنة في واشنطن فإنه يبدو أن تعقيدات الشأن الداخلي الأمريكي قد زادت من ارتباك ترامب في أدواره الخارجية، وهو ما انعكس على غياب أي استراتيجية للعمل في منطقة كانت دائمًا مسرحًا لنفوذ الولايات المتحدة ومحل ثقة اللاعبين الإقليميين فيها، وهو ما دفع بعواصم التأثير في المنطقة، وعلى رأسها الرياض وأبوظبي، إلى البحث في البدائل وفحص تجارب جديدة وإعادة تعريف التحالف الخارجي وتطوير العلاقات التي تنمو بشكل متصاعد مع روسيا والهند والصين». وفي هذا الصدد قال وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية عادل الجبير: «لا أعتقد أن وجود علاقات وثيقة مع روسيا له أي تأثير سلبي على علاقتنا مع الولايات المتحدة.. يمكننا إقامة علاقات استراتيجية وقوية مع واشنطن بالتزامن مع تطوير علاقاتنا مع موسكو». 
على العموم، من المحتمل أن تكون للزيارة الأخيرة التي قام بها بوتين إلى الخليج تأثير عميق على الصعيدين المحلي والإقليمي، من جهة أنها تعد بمثابة تحول في العلاقات الخليجية الروسية من خلال تعزيز تعاونهما السياسي والاقتصادي، كما يمكن فهمها على أنها عززت نفوذ روسيا في الخليج، وبالتالي في الشرق الأوسط، ومن غير المرجح أن تكون الأخيرة له للمنطقة.. لكن في النهاية لا يعني هذا «انسحابا أمريكيا» أو «فك ارتباط» من المنطقة، وإنما «تقليل انخراط مباشر»، و«ٍتعديلا استراتيجيا»، بدأ منذ الفترة الثانية من حكم الرئيس جورج بوش الابن، حيث تظل علاقات دول الخليج مع الولايات المتحدة قوية وتمثل أولوية لها، ليس لأنها بحاجة الى أمريكا من طرف واحد، ولكن أيضًا لحاجة أمريكا لها ضمانًا لمصالحها في المنطقة وما حولها».

{ انتهى  }
bottom of page