top of page
14/1/2020

إيران ونتائج كارثة إسقاط الطائرة الأوكرانية

لقد حازت الصواريخ الباليستية التي أطلقتها إيران على القواعد العسكرية العراقية التي تعد مقرًّا لمدنيين وعسكريين أمريكيين- يوم الأربعاء 8 يناير- اهتمام العالم، نظرًا إلى وجود احتمالية اندلاع حرب إقليمية كبرى جراء هذه الضربات، لكن في ظل ذلك كان هناك تطور آخر تم تجاهله في البداية، حيث أفادت الأنباء أن طائرة الخطوط الجوية الدولية الأوكرانية، الرحلة رقم 752، وهي من طراز بوينج 737-800، تحطمت في الساعة السادسة صباحا بعد أن أقلعت من مطار آية الله الخميني الدولي، حيث كانت تحمل 176 راكبا وطاقم الطائرة المكون من مختلف الجنسيات والتي كانت متجهة إلى مدينة كييف الأوكرانية، ليتم إلقاء اللوم في البداية على عطل فني داخلي، وليس له علاقة بالهجمات العسكرية الإيرانية التي تم تنفيذها في نفس الوقت انتقاما لمقتل سليماني، لكن بعد ذلك أشارت العديد من الدول بداية من الولايات المتحدة، فضلا عن المنظمات وشركات التحقيق الدولية، إلى أنه في ضوء الأدلة التي تم جمعها أن الذي أسقط الطائرة هو صاروخ إيراني أرض جو.
احتد النقاش بين كافة هذه الدول حول ما إذا كان هذا عملاً عدوانيًا منسقًا من قبل إيران أم أنه يرجع لعطل فني في الطائرة الأوكرانية؛ لكن اتضح بعد ذلك أن إيران هي المسؤولة عن إسقاط الطائرة، وذلك من خلال اعتراف إيران نفسها بذلك واعتذارها عما حدث بعد ثلاثة أيام من الإنكار، حيث نشرت وكالة الأنباء الإيرانيّة الرسميّة بيانا عن القوات المسلحة الإيرانية، أوضحت فيه أن: «الطائرة بدت هدفا معاديا، وأصيبت بطريقة غير مقصودة، في وضع أزمة ويتسم بالحساسية، حيث انعطفت الطائرة بطريقة خاطئة في دائرة هدف معاد بعد أن اقتربت من مركز عسكري حساس تابع للحرس الثوري، بينما كان الجيش في تلك اللحظات في أعلى مستويات التأهب». وغرد الرئيس الإيراني «حسن روحاني» قائلا: «إن بلاده تشعر بأسف شديد لإسقاط طائرة مدنية أوكرانية، وأن ذلك يعتبر مأساة كبرى وخطأ لا يغتفر»، موضحًا أن: «التحقيقات مستمرة لتحديد المسؤولين، وإحالتهم إلى القضاء».
وجاءت ردود الدول المتضررة معتدلة، حيث طالب الرئيس الأوكراني «فولوديمير زيلينسكي» السلطات الإيرانية بإحالة المذنبين إلى القضاء ودفع تعويضات وإعادة جثامين الضحايا، فيما طالب «جاستن ترودو» -رئيس الوزراء الكندي- بتعاون السلطات الإيرانية في تطبيق العدالة على المخطئين بشفافية كاملة، كما طالبت وزيرة الجيوش الفرنسية «فلورانس بارلي» بالاستفادة من الدرس ووقف التصعيد وإعادة فتح الملف النووي؛ وبذلك نادى بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني.
لقد أسفر هذا الحادث عن خسائر في أرواح المدنيين، وبالتالي فإن هناك احتمالية لوجود نتائج وتداعيات سياسية خطيرة من الممكن أن تجعل حادث الإسقاط أمرا يتسم بالأهمية والخطورة مثل الضربات الصاروخية التي استهدفت قوات أمريكية بالعراق، وذلك في حالة عدم استجابة إيران لهذه الدول من خلال المحاسبة الناجزة والعادلة للمتسببين في الخطأ.
ورأى عدد من الصحفيين في تقرير لوكالة «بلومبرج» أنه: «سواء أكان حادث الطائرة تم بعمد أم محض الصدفة، فإن استهداف الطائرة الأوكرانية أقرب في الشبه إلى حالتين أخريين لطائرتين مدنيتين تم إسقاطهما من قبل صواريخ أرض جو؛ أولاهما كانت عندما قذفت طائرة حربية أمريكية (يو اس اس فينسينس) طائرة ركاب تابعة للخطوط الجوية الإيرانية في الخليج في الثالث من يوليو عام 1988، ما أسفر عن مقتل 290 راكبًا كانوا على متنها، أما ثانيتهما -وهي الأحدث- فهي إسقاط بعض الانفصاليين الموالين لروسيا في منطقة شرق أوكرانيا طائرة ماليزية بصاروخ أرض جو، ما أسفر عن مقتل جميع الركاب وكان عددهم 298 راكبا».
تشير «كيتلين تالماج» -من جامعة جورج تاون- إلى أن: «القاسم المشترك بين حادثة الطائرة الإيرانية وحادثة الطائرة الماليزية هو وجود أزمة أو حرب مشتعلة بالفعل، مع الحصول على معلومات غامضة تم تفسيرها في ضوء تهديدات الولايات المتحدة وروسيا بسبب حالة التأهب الشديد، فضلا عن أنه في كلتا الحالتين أطلق أطراف الصراع النار أولا، ثم يتعرضون للمساءلة لاحقا». ومن خلال النظر إلى التشابه بين الحادثتين السابقتين وحادثة الطائرة الأوكرانية، تتبين العواقب السياسية المحتملة التي ستتبع الحادث؛ حيث سيؤدي حادث الطائرة الأوكرانية بلا شك إلى تفاقم التوترات الإقليمية القائمة، خاصة مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران حول مقتل اللواء الإيراني، والذي من المرجح أن يُعقّد التعاون الدولي، ما لم تستجيب إيران لمطالب الدول المتضررة.
تأتي أولى عواقب هذا الحادث في الإضرار بمكانة إيران الدولية؛ حيث تقول مجلة «ذي إيكونوميست» -في تقريرها حول هذا الموضوع- إن: «هذا الحادث سيكون بمثابة ضربة للنظام الإيراني، إذ حاولت إيران أن تُظهر نفسها كضحية للعدوان بعد اغتيال الولايات المتحدة اللواء قاسم سليماني في 3 يناير، بينما صورت نفسها في الداخل كقوة إقليمية قوية لديها قوات قادرة على توجيه ضربة صاروخية سريعة ودقيقة للقواعد الأمريكية في العراق».  
ويؤكد «جوستين برونك» -باحث في برنامج العلوم العسكرية بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن- أنه: «إلى جانب عدم الكفاءة القتالية من جانب طاقم (صواريخ أرض-جو) والذي يشير إلى عدم كفاية التدريب والإجراءات التنظيمية في سلاح الدفاع الجوي الإيراني، فإن العبث بالحطام لمنع المحققين من القيام بعملهم يعتبر عملا خبيثا على الإطلاق».
أما ثاني هذه العواقب فيتمثل في احتمالية تقويض علاقات طهران مع الدول التي كان مواطنوها من بين قتلى الحادث، فعلى الرغم من أن غالبية القتلى كانوا مواطنين إيرانيين، بمجموع 82 شخصًا، إلا أن أكثر من نصف ركاب الطائرة البالغ عددهم 167 ينتمون إلى دول غربية، منهم 63 كنديًا و11 أوكرانيًا و10 سويديين و3 ألمان و3 بريطانيين، وبالتالي ومثلما قالت «الفاينانشيال تايمز»: «سوف تتضرر صورة النظام بشدة جراء إصابة طائرة ركاب من دون عمد بصاروخ».
واستكمالا للتشابه بين إسقاط الطائرة الأوكرانية مع سقوط الرحلة الماليزية فوق أوكرانيا في 2014، فإن البلدان المسؤولة عن إسقاط الطائرات المدنية تواجه بعمليات انتقامية من البلدان التي فقدت عددًا كبيرًا من المواطنين على متنها. ففي عام 2014، واجهت روسيا المسؤولة عن الصاروخ، رد فعل عنيف من دول مثل أستراليا وهولندا، ومن المرجح أن تواجه إيران عواقب مماثلة؛ وفي ذلك يرى «ديفيد موسكروب» -زميل في جامعة أوتاوا الكندية- في صحيفة واشنطن بوست أن: «أي بلد يفقد مواطنين قد يميل على نحو مفهوم، إلى الانتقام الفوري والمثير، وذلك مع رؤية صور أولئك الذين فُقدوا، أو النظر إلى صور الحطام، بحيث تصبح الرغبة في شن هجوم أمرا قويا».
وينطبق ذلك -بشكل خاص- على الدولة الكندية، فقد فقدت عددًا كبيرًا من رعاياها في هذا الحادث، وستسعى بدورها إلى مساءلة إيران، وخاصة أن المشاعر المعادية لإيران مرتفعة بالفعل داخل تلك الدولة، فهي تعتبر أن طهران هي السبب الأساسي لانعدام الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، لذلك لم تشترك كل من أوتاوا وطهران في أي علاقات دبلوماسية منذ عام 2012. وفي هذا الصدد يقول «ديفيد موسكروب» إنه: «يجب على رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو الآن أن يرد على جريمة إيران الدنيئة، ولسوف تبدأ قريبًا دعوات الانتقام منها، وسيتعين على الحكومة الكندية تصعيد الأمر ولا تبدي أدنى ضعف حياله، وذلك إما من خلال فرض العقوبات، أو ربما تسوء العلاقات الإيرانية الكندية بدرجة أكثر مما هي عليه الآن»، وهو أمر متوقع في حالة لم تسارع إيران في عملية التحقيق العادلة للكشف عن المسئوولين عن هذا الحادث، وإحالتهم إلى القضاء.
ومع ذلك، فإن ردود فعل الدول الغربية في أعقاب اعتراف إيران بإسقاط الطائرة الأوكرانية لن يكون له أدنى تأثير في زيادة دعم هذه الدول للولايات المتحدة في اشتباكاتها العسكرية مع إيران في الوقت الراهن، حيث لا تتفق معظم هذه الدول الغربية مع مقتل قاسم سليماني على يد إدارة دونالد ترامب، والتي سرعان ما انتقم الإيرانيون لاغتياله عبر ضرب إحدى القواعد العراقية التي تستضيف قوات أمريكية على أرضها. 
وتتجه رغبة الدول الأوروبية بما في ذلك بريطانيا وألمانيا لإبقاء إيران ملتزمة ببنود خطة العمل الشاملة المشتركة أو الاتفاق النووي الإيراني، وهو ما اتضح في تصريحات كل من «بارلي» و«جونسون» من خلال ضرورة فتح الملف النووي الإيراني لوقف عمليات التصعيد، وبالتالي من غير المرجح أن تقطع علاقاتها بأي حال من الأحوال مع إيران، أو أن تدعم ترامب في حملته العدائية ضدها؛ فقد تنتقد هذه الدول طهران علنًا، وربما تتخذ تدابير ضدها مثل فرض عقوبات خاصة بهم عليها، ولكنهم لن يغيروا من مواقفهم الحالية تجاه طهران فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية والديناميات والمضامين الجيوسياسية.
 على العموم، فإن إسقاط الطائرة الأوكرانية بصاروخ إيراني سوف يجر على إيران تبعات سلبية، وذلك من خلال تضرر المكانة الإيرانية بشكل كبير، خاصة كفاءتها وقدرتها القتالية التي تروج لها باستمرار، فضلا عن تقويض علاقاتها مع الدول التي فقدت مواطنيها على متن الطائرة، لكن لن يصل رد الفعل من الدول الأوروبية -بأي حال من الأحوال- إلى قطع العلاقات مع طهران بشكل تام، أو تأييد الولايات المتحدة في حملتها العدائية ضد إيران، وخاصة مع رغبة هذه الدول في استمرار الاتفاق النووي الإيراني. 

{ انتهى  }
bottom of page