top of page
7/4/2020

المشهد السياسي الإسرائيلي.. جانتس - ونتنياهو وجهان لعملة واحدة 


بعد 3 انتخابات في 11 شهرا، يبدو أن «بنيامين نتنياهو»، سيُعاد انتخابُه رئيسًا لوزراء إسرائيل لولاية خامسة. وتوقع الكثيرون بعد فوزِ حزب الليكود بـ36 مقعدًا في الانتخابات، التي أُجريت في أوائل مارس، أن ينتصر «نتنياهو» ما لم يتمكن خصمه الأساسي، «بيني جانتس» من حزب أزرق أبيض - الذي حصل على33 مقعدا - من تشكيل ائتلاف. وبعد مفاوضات فاشلة، وتغيير سريع في الظروف وسط بداية جائحة فيروس كورونا، أصبح من الواضح أن الأخير لن يكون قادرا على تشكيل حكومة بنفسه. وبدلا من ذلك، أعلن - وسط صدمة العديد من حلفائه السابقين - أنه سينضم إلى «نتنياهو» باعتباره الشريك الأصغر في ائتلاف «الحكومة الوطنية».
وكان «جانتس» قد انتُخب رئيسا للبرلمان الإسرائيلي قبل المفاوضات بينه وبين الليكود. وقال في أول خطاب له في محاولة لتبرير قراره: «سأفعل الشيء الصحيح في هذا الوقت الطارئ في ظل فيروس كورونا وتأثيره، وللمحافظة على الديمقراطية والوحدة الوطنية». وعلى الرغم من أن الاتفاق الرسمي لم يتم التوقيع عليه بعد ولا تزال المفاوضات جارية، يبدو أن الاتفاق سيشهد تناوب الاثنين على منصب رئيس الوزراء، مع عمل «نتنياهو» مدة 18 شهرا، ثم «جانتس» مدة 18 شهرا.
وبالنسبة إلى كثير من المراقبين، يعد قرار «جانتس» بالانحياز إلى جانب «نتنياهو» لدفعه للحصول على أكثر من الـ«61» مقعدا اللازمة لتشكيل الحكومة بمثابة صدمة؛ إذ قام بحملة قوية على أساس معارضة «نتنياهو» في جميع الظروف، واصفا إياه بأنه «غير ديمقراطي وفاسد ومرتشٍ، كما بذل جهودا كبيرة لتجنب الانضمام إلى التحالف الذي يقوده الليكود من خلال تقديمه مبادرات للتحالف مع القومي المتشدد «أفيغدور ليبرمان»، وحزبه «إسرائيل بيتنا»، وكذلك إلى القائمة المشتركة، وهي مجموعة من الأحزاب العربية. ولكن في النهاية، أصبح من الواضح أن التوفيق بين هذه الأحزاب المتعارضة وخلافاتها سيكون مستحيلا، ما سيؤدي حتما إلى انتخابات أخرى إذا لم ينحز إلى «نتنياهو». يقول «كيفين هوجارد»، من «معهد بروكنجز»: إن «جانتس يعتقد أن البديل الحقيقي لحكومة الوحدة هو انتخابات وطنية أخرى، مع خشيته أن يحقق بها نتائج سيئة، وأن محاولته الاعتماد على القائمة المشتركة لم تكن تحظى بشعبية كبيرة في يمين الوسط الإسرائيلي، إذ يحتاج إلى أصوات للتغلب على نتنياهو، وفي النهاية، كان الانحياز إلى رئيس الوزراء هو الخيار الأكثر استساغة لدى الناخبين».
وفي واقع الأمر، لا يمكن إنكار أيضا الضغوط الناتجة عن أزمة فيروس كورونا على «جانتس» بشكل خاص لتشكيل حكومة وحدة وطنية. ففي الوقت الذي تتعامل فيه إسرائيل مع جائحة «كوفيد-19»، من المحتمل أن يلتف الناس حول القائد الحالي (نتنياهو)، كما هو الحال عموما في مثل هذه المواقف من الأزمات، خاصة أن الانتخابات الرابعة تعد خطوة محفوفة بالمخاطر للغاية وفقا لما أظهرته الاستطلاعات الداخلية. وكما يقول «أورين ليبرمان»، مراسل «سي إن إن»: فإنه «في النهاية، يبدو أن الفيروس قد فعل ما لم يستطع السياسيون في الدولة فعله، حيث جمعهم معًا في وقت حرج للمُضي بالبلاد إلى الأمام، كما أنه من المقرر أن يستمر نتنياهو الزعيم الأطول خدمة في تاريخ إسرائيل، بدعم من منافسه الرئيسي».
وفي نهاية المطاف، قد يكون قرار «جانتس» له ما يبرره؛ كون أنه من مصلحته الشخصية أن يقف إلى جانب «نتنياهو». وكتبت «ليلي غاليلي»، لموقع «ميدل إيست آي»، إن «معظم الإسرائيليين يؤيدون حكومة الوحدة مع ما يعتريهم من إرهاق عقب ثلاث جولات من الانتخابات في عام واحد، خاصة في ظل خوفهم من فيروس كورونا. وبالنسبة إلى «جانتس»، قد يخرج من الحلبة بعد ما حصل على شعبية سياسية شخصية لكونه مُرشح المرحلة؛ لإنهاء الاضطراب الانتخابي في الأشهر الـ11 الأخيرة».
ومع ذلك، فإنه حتى إذا نال مكاسب شخصية من هذا السيناريو؛ فقد يأتي ذلك على حساب تدمير الحزب الذي أسسه قبل أكثر من 12 شهرًا، وهو «أزرق أبيض»، مع عدم وجود تصور عن كيفية تمكن الحزب من النجاة من الوضع الذي آل إليه. وترى «إيما جراهام» من محطة «سي إن بي سي»، أن «التحرك نحو التحالف مع نتنياهو كان بمثابة خيانة في رأي حزبه، ما أدى في النهاية إلى تفكك ودي عقب انسحاب أربعة أحزاب وفصائل من التحالف». وكان أحد المبادئ المؤسسة للحزب هو معارضة نتنياهو في الانتخابات لتخليص البلاد من زعيم وصفوه مرارًا بأنه «غير شرعي وخطير وفاسد ماديًا وأخلاقيا». والآن، بعد أن وضع نفسه وحزبه في خدمة نتنياهو، فإنه يقوض شرعية «أزرق أبيض»، وكذلك يقلل من وجوده في الكنيست إلى النصف. وأكد «برنارد أفيشاي»، في مجلة «نيويوركر»، أن «كلا من يائير لبيد، وموشى يعلون، القياديين بالحزب، اعتبرا هذه الخطوة غادرة، خاصة أنهما عملا مع نتنياهو ويمقتان خداعه وفساده، ويرفضان الخدمة تحت قيادته، ومن ثمّ، أعلنا انسحابهما من الحزب مع كيان من ستة عشر عضوا، ويعتقدان أن الحزب أضحى الآن غير ذي جدوى».
وبصرف النظر عن الاحتضار الفعلي لحزب «أزرق أبيض»، فإن قرار الانضمام إلى «نتنياهو» في ائتلاف وطني سيقوض أيضًا أحد الأهداف الأصلية لدخول الحزب معترك السياسة؛ وهي منع رئيس الوزراء من تحصين نفسه من المقاضاة أثناء مكوثه في منصبه. يقول «يوسف منير»، من «المركز العربي»، بواشنطن، «أراد نتنياهو أن يكون رئيسًا للوزراء خلال العامين الأولين حتى يتمتع بالحصانة مما يواجهه من تهم قانونية، وأراد جانتس أن يكون كذلك خلال هذه الفترة أيضا حتى لا يتمكن نتنياهو من هذا الهدف. وجعل هذا الاختلاف من اتفاقية حكومة الوحدة أمرا مستحيلا، حتى انتهى الأمر برضوخ جانتس».
ومع عودة «نتنياهو» كرئيس للوزراء، أصبح الآن بإمكانه استخدام أغلبيته في الكنيست للضغط من أجل عدم الخضوع لأي إجراءات قانونية تتعلق بالاتهامات الموجهة إليه. ووفقًا لما أشارت إليه صحيفة «واشنطن بوست»، فإن «المكاسب التي سيجنيها من هذه النتيجة واضحة للعيان، والتي لن توفر له فقط درجة من استعادة سمعته، لكنها تسمح له بمواصلة خوض معاركه القانونية بصورة أكثر جرأة والإفلات من العقاب على خلفية التهم الموجهة إليه بتلقي الرشوة وإساءة استخدام منصبه والتي لا تزال معلقة حتى تاريخه. ومع تمتعه بأغلبية المقاعد البرلمانية في الكنيست، سيكون قادرًا على تمديد فترته التي استمرت أحد عشر عامًا».
يضاف إلى أهمية القرار، تأثيره الجوهري على الملف الفلسطيني. وتوقع بعض المحللين، أن «جانتس» الذي باتت شوكته قوية في الائتلاف الوطني قد يغير ديناميكيات اللعبة السياسية بين كل من إسرائيل وفلسطين بصورة إيجابية نوعًا ما. وربما يحبط رئيس الأركان الإسرائيلي السابق، رغبة نتنياهو في ضم الضفة الغربية والقدس الشرقية. وفي هذا السياق، يؤكد «ديفيد ماكوفسكي»، من «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، أنه «إذا كان نتنياهو يريد حقًا تجنب ضم غور الأردن بسبب الكثير من التعقيدات والمعضلات الرئيسية التي قد يسببها هذا الأمر مع الأردن والجهات الفاعلة الأخرى، فإن وجود جانتس ضمن ائتلافه يمنحه المبرر لإقناع أنصاره اليمينيين بأنه لا يمكنه تنفيذ وعده الذي لطالما تشدق به طيلة حملته الانتخابية الأخيرة».
وعلى الرغم من ذلك، فإنه من المستبعد أن يتخلى «نتنياهو» عن وعوده. وبدلا من ذلك، من المرجح أن يذعن لرغبات قاعدته اليمينية فيما يتعلق بضم المزيد من الأراضي الفلسطينية لإسرائيل. ووفقا للعديد من المحللين، فإنه «من غير الواضح ما إذا كان رئيس الوزراء يريد فعلا تجنب الضم، خاصة في ظل وجود الإدارة الأمريكية الحالية ومواقفها الراهنة والتي يعتبرها بمثابة فرصة مواتية لن تتكرر لتحقيق بعض أكبر أهداف كتلته اليمينية، وهو ما يضع العبء الأكبر على كاهل جانتس للسعي حثيثًا لتجنب وقوع عمليات الضم، والتي ستكون، حال حدوثها، انتحارًا سياسيًا لحزبه».
وأشارت صحيفة «واشنطن بوست»، إلى أنه: «في ظل التشجيع الذي يتلقاه «نتنياهو» من الرئيس الأمريكي، أعلن أنه سيضم جميع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، إلى جانب غور الأردن. وعليه سيصبح خيار حل الدولتين لوضع حد للصراع الإسرائيلي الفلسطيني أمرًا شبه مستحيل، ولن يكون بمقدور جانتس فعل أي شيء إزاء هذا الوضع». وأوضح «تشيك فرايليخ»، نائب رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، أن «جانتس قضى على كل أمل باستبدال السلطة في إسرائيل، وأعلن بذلك تخليه عن حل الصراع مع الفلسطينيين على أساس قرارات التقسيم؛ ما يعني أننا نقترب من نقطة اللاعودة».
ومع ذلك، فإن هناك خلافات تعترض طريق تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، التي يجري التفاوض بشأنها، بسبب تمسك نتنياهو بضم مزيد من أراضى الضفة الغربية، واختيار رئيس للكنيست - والعديد من الحقائب الوزارية المهمة مثل الخارجية والعدل والمالية - من بين أعضاء «الليكود». وعلق «جانتس» على هذه الخلافات بالقول: «قد نوافق على تشكيل حكومة تواجه وباء كورونا وآثاره، ولكننا لن نتنازل في موضوع حماية سلطة القانون، وحماية الديمقراطية في إسرائيل». وهي الأمور التي تعني أن هناك المزيد من العقبات تنتظر تشكيل هذه الحكومة في المستقبل القريب.
على العموم، على الرغم من أن كثيرا من المحللين يرون أن قرار «جانتس»، الانضمام إلى «نتنياهو» وضع نهاية للأمل لإيجاد دولة ليبرالية، وسياسة مختلفة عن السابقة، وأضعف حزبه وجعله يفتقد للفاعلية، وغير قراره ملامح الحياة السياسية الإسرائيلية، وأنه قد يشعل فتيل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ويقوض في نهاية المطاف استقرار المنطقة من خلال إطالة أمد الصراعات السياسية الداخلية والخارجية على حد سواء، إذ سيكون أمام نتنياهو حرية ضم الأراضي الفلسطينية.. إلا أن الواقع يشير إلى أنه فيما يتعلق بالداخل الإسرائيلي قد يكون ذلك حقيقيا؛ لكن ما يتعلق بالوضع الفلسطيني، فإن الجنرال جانتس - الساذج سياسيا والضعيف الشخصية كما يوصف إسرائيليا - كان رئيسا لأركان جيش الاحتلال من 2011 وحتى 2015. ما يعني أنه كان مسؤولا عن حربي2012 و2014 المدمرتين على قطاع غزة، التي راح ضحيتها نحو170 شهيدا في الأولى، ونحو 2000 في الثانية، ويداه ملطختان بدماء الفلسطينيين، ما يعني أنه هو أحد الذين يجب أن يقدموا إلى المحكمة الجنائية كمجرمي حرب ونتنياهو ليدفعوا ثمن جرائمهم التي ارتكبوها ضد الشعب الفلسطيني، وهو ما يعني أن الفلسطينيين لم يفقدوا الكثير، فكلاهما «وجهان لعملة واحدة».

 

{ انتهى  }
bottom of page