top of page
11/4/2020

كورونا.. ومستقبل الاقتصاد العالمي


يُعد تفشي فيروس كورونا «كوفيد19» في أغلبِ دول العالم حدثًا عالميًّا ذا تأثيرٍ عنيف، إذ أعاد إلى الأذهانِ انتشارَ الإنفلونزا الإسبانية بين عامي 1918. 1920. وعلى الرغم من أنه كان غير متوقع أن يؤدي إلى حدوث حالاتِ وفاة لاقتراب تركيبته من السلالة الخاصة بالإنفلونزا؛ فإن العلماء توقعوا أن يكون له تأثيرٌ في تغيير المشهد الصحي العالمي، فضلا عن تأثيراته المهمة على الاقتصاد العالمي، والتي قد تفضي إلى زعزعةِ ركائز النظام الدولي الراهن، ليفسح المجال واسعًا لإرساء نظام دولي جديد. 
وبشكل عام، أحدثَ انتشارُ الفيروس انخفاضًا كبيرا في المعدل المتوقع للنمو العالمي في عام2020. ويُعرف «صندوق النقد الدولي»، الركودَ بأنه «معدل نمو عالمي سنوي أقل من 2.5%». وفي حين نما الاقتصاد العالمي بنسبة 2.9% العام الماضي، يتوقع المحللون أنه بحلول نهاية هذا العام سيكون النمو قد هبط إلى ما بين 1% و2%، اعتمادا على طول الوقت الذي سيستغرقه العالم للتعافي من آثار الفيروس. ومع الانتشار العالمي له منذ منتصف فبراير حتى الآن، شهدت البلدان التي تأثرت بشدة به، بما في ذلك أمريكا والصين، وهما أكبر اقتصادين في العالم، بالإضافة إلى إيطاليا وبريطانيا وفرنسا وإسبانيا واليابان وغيرها؛ انخفاضا كبيرا في النمو، إذ توقف نشاط عدد من الصناعات الرئيسية.
وفي هذا الإطار، يشير «محمد العريان»، من جامعة «كامبريدج» في مجلة «فورين أفيرز»، إلى أن «المرحلة الأولى من الإجراءات الصحية، رغم كونها حاسمة لإنقاذ الأرواح، لكنها كارثية على الاقتصاد، خاصة أن إجراءات مثل البعد الاجتماعي والانفصال والعزلة لا تتوافق بطبيعتها مع العوامل التي تدفع النمو الاقتصادي والتوظيف والاستقرار المالي، فقد بنيت الاقتصادات والحكومات الحديثة من أجل الترابط والتكامل، بينما ستغلق هذه الإجراءاتُ قطاعًا اقتصاديا تلو الآخر. وفي النهاية، لن تكون نتيجتها مجرد إزالة العولمة وإلغاء التنظيمات الإقليمية، ولكن أيضا عمليات الإغلاق الاقتصادي الهائلة على المستويين الوطني والمحلي».
وفي أكبر اقتصاد بالعالم، بدأت عملية التباطؤ السريع فعليًّا. وفي حين حاول الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، إيقافَ الركود من خلال تقديم حزمة تحفيز غير مسبوقة بقيمة 1.5 تريليون دولار، واتخذ «المصرف المركزي» تدابير مثل خفض معدل الفائدة إلى0%؛ واصلت سوق الأسهم انخفاضها بنسبة تصل إلى 20% منذ منتصف شهر فبراير. وهو ما يعكس حالة الشلل التي أصابت العديد من الصناعات الرئيسية إذ عاد الناس إلى منازلهم إلى أجل غير مسمى، كما جرى تعليق السفر داخليًّا ودوليًّا، وتضررت صناعات مثل قطاع الطيران والضيافة والسفر المحلي. في حين كافحت صناعات أخرى من أجل البقاء، مثل التصنيع، حيث يُفوض العمال في دول مثل الدنمارك والنرويج للعمل من المنزل ويتباطأ الإنتاج وصولا إلى مرحلة التوقف.
وعليه، يبدو جليًّا حقيقة سيطرة الركود على عام 2020. ومن ثم بدأ المحللون في بحث آثار هذا الوضع على مستقبل الاقتصاد العالمي. يقول «بيل جورج»، في مجلة «فورتشن»: «إن السؤال الآن هو إلى متى سيستمر هذا الوضع. فمن الناحية الاقتصادية، هل سيأتي الركود في شكل حرف «V»، «والذي يشير إلى تراجع حاد خلال الأشهر القليلة القادمة، يليه نمو سريع في أوائل عام 2021»، أو على شكل حرف «U»، «وهو شكل متضخم من هذا النمط، مع انخفاض معدل النمو بشكل كبير في العالم قبل أن يتعافى، وهو أمر غير متوقع»، أم على شكل حرف «L»، «والذي يشير إلى احتمالات انزلاق الاقتصاد العالمي في ركود أكثر شدة، وتتراجع فيه معدلات النمو بحدة وتستمر على ذلك لفترة طويلة مع نمو متوسط فقط، وهي النتيجة الأكثر ترجيحًا بالنظر إلى وضع الفيروس وتطورات انتشاره». 
ويدحض آخرون إمكانية حدوث ركود على شكل حرف «L». ويشير «فيليب سليزاك» وآخرون في مجلة «هارفرد بزنس ريفيو»، إلى أنه «بالنظر إلى التاريخ، لوضع مسار التأثير المحتمل لفيروس كورونا؛ نجد أن الركود على شكل حرف «V»، كان النموذج الأكثر مصاحبة للأوبئة السابقة، مثل سارس وإنفلونزا عام1963 H3N2 (هونج كونج) وإنفلونزا H2N2 (الآسيوية) وإنفلونزا عام 1918 الإسبانية؛ كما أن هناك اختلافات كبيرة بين هذه الأوبئة وتفشي فيروس كورونا حاليا. فبعضها، مثل السارس، لم ينتشر على نطاق واسع مثل السلالة الحالية. والأهم من ذلك، أن عددا قليلا من هذه الأوبئة قوبل باستجابة قوية من الحكومات عبر العالم. على الرغم من أن جميعها تقريبا كانت أكثر فتكا من كورونا، إلا أنه لم تتم مواجهتها بعمليات الإغلاق الشامل للصناعات والشركات والحياة الاجتماعية بشكل عام، ما حد من تأثيرها الاقتصادي على الرغم من ارتفاع معدل الوفيات. وكتب «تيم والاس»، في صحيفة «التليجراف»، إن الركود على شكل حرف «V» نتيجة لفيروس كورونا يعتمد على افتراضين رئيسيين يبدو أنه لا أساس لهما حتى الآن؛ وهما أولا: أن يتم التغلب على الفيروس في غضون أشهر مع مرور فترة ذروة الفيروس وتقليل قيود السفر بحلول منتصف الصيف، وثانيا، أن الضرر الاقتصادي يكون محدودا، حتى لا تنهار الأعمال التجارية، ولا يفقد العمال وظائفهم وتستمر البنوك وشركات التأمين في الإقراض». 
ومع إثبات أن الفيروس أكثر فتكا وقوة ما كان متوقعا في البداية، فإن التوقعات السابقة والأكثر تفاؤلا للاقتصاديين ومحللي الأعمال تبدو الآن غير صالحة، مع احتمال حدوث ركود أكثر ضررا على شكل حرف «L». ويستنتج «لاري إليوت»، محرر الاقتصاد في صحيفة «الجارديان»، أنه «إذا كان التاريخ يمثل أي دليل، فإن الاقتصاد العالمي سوف يتعافى في نهاية المطاف من جائحة كوفيد-19. ولكن توقع أن يكون الركود على شكل حرف «V» في النصف الأول من عام 2020 ويليه انتعاش في النصف الثاني من العام يبدو عبثيا بعد الأحداث الصاخبة التي وقعت في الفترة الأخيرة». 
في الواقع، كما لاحظ الكثيرون، قد لا يثبت الركود الناجم عن الوباء أنه مدمر على المدى الطويل مثل الانهيار الذي حدث في العام المالي 2007-2008. وفي هذه الحالة، فإن المشكلة ليست من داخل النظام المالي نفسه بل من خارجه، وهو ما يستدعي فرض القليل من التعديلات الهيكلية الأساسية. وبمجرد انقشاع الفيروس، يمكن أن تعود عجلة الاقتصاد إلى سابق عهدها في جميع أنحاء العالم بشكل كبير، مع الحفاظ على العديد من نفس الخصائص. يقول «العريان»: «من المرجح أن يحدث التعافي سريعا، لكنه قد لا يكون فوريا، وستستغرق عودة مستويات التوظيف العادية والمخزون من السلع والمواد وسلاسل التوريد بعض الوقت بعد أسابيع أو حتى شهور من الخمول، حيث ستنفد وتنسق السياسات الحكومية المتفق عليها لعودة الاقتصاد العالمي إلى التعافي مرة أخرى».
وعلى الرغم من ذلك، فإنه مع دخول الاقتصاد العالمي في حالة كساد طويلة الأمد، يبدو أن العالم سيواجه تراجعا غير مسبوق في الإنتاج من حيث اتساع نطاقه وكثافته. ومن الطبيعي أن يأخذ الأمر منحى تشاؤميا بشأن عودة سريعة للانتعاش بعد انتهاء الأزمة. كما أنه من المحتمل أن تغير الصدمة ملامح الاقتصادي العالمي، ما ينتج عنه وضع جديد يتمثل في تسريع عملية إزالة العولمة وإلغاء الائتلافات والاتحادات، وإعادة تعريف سلاسل الإنتاج والاستهلاك في جميع أنحاء العالم، علاوة على احتمالية تغير المشهد الاقتصادي العالمي برمته.
وعلى خلفية ذلك، نشرت مجلة «فورين أفيرز»، أن التداعيات الجيوسياسية لانتشار كورونا على المدى الطويل، قد تؤدى إلى إعادة تشكيل النظام العالمي، إذ تناور الصين من أجل قيادة العالم في الوقت الذي يتداعى فيه دور الولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، توقع «ستيفن والت»، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة «هارفارد»، أن «يقوّي هذا الوباء نفوذ الدولة ويعزّز الاتجاهات القومية ويسرّع تحوّل السلطة والنفوذ من الغرب إلى الشرق». كما توقع «روبين نيبلت»، من «المعهد الملكي للشؤون الدولية»، أن «يكون كورونا القشة التي تقصم ظهر العولمة الاقتصادية، مرجحا عودة العالم إلى فكرة العولمة المفيدة للطرفين التي تأسست في أوائل القرن الحالي، لأنه من دون وجود حافز لحماية المكاسب المشتركة من سلبيات الاندماج الاقتصادي العالمي، ستتدهور بنية الحوكمة الاقتصادية العالمية. وحينئذ، سيتطلب الأمر من القادة السياسيين جهدًا هائلا للحفاظ على التعاون الدولي وعدم الانزلاق من جديد إلى المنافسات الجيوسياسية». لكن الأمر الذي لن يتغير، هو الطبيعة المتصارعة في السياسة العالمية، إذ إنّ الأوبئة السابقة التي حلّت بالعالم لم تُنهِ النزاع بين القوى العالمية، ولم تبشّر بعصر جديد من التعاون العالمي.
وعلى عكس ذلك، يتوقع «ريتشارد هاس»، رئيس «مركز العلاقات الخارجية» في واشنطن، تحوّل معظم الحكومات حول العالم إلى الداخل وتحركها نحو الاكتفاء الذاتي، وستتزايد المعارضة للهجرة وتتراجع الرغبة في معالجة المشاكل الإقليمية والعالمية والالتزام بها، نظرا إلى الحاجة لتكريس الموارد من أجل البناء الداخلي في كل دولة والتعامل مع العواقب المترتبة على الأزمة الاقتصادية. ويرجّح «هاس» أن تجد بلدان عدّة صعوبة في التعافي من الأزمة وأن تصبح الدول الفاشلة الأكثر انتشارًا في العالم. مع استمرار التدهور في العلاقات الأمريكية الصينية وتزايد ضعف التكامل والاندماج للاتحاد الأوروبي. في حين يشير «كيشور محبوباني»، من «معهد البحوث الآسيوية»، إلى أن جائحة كورونا لن تغير الاتجاهات الاقتصادية العالمية، وإنما ستُسرّع التغيير الذي بدأ بالفعل، وهو الانتقال من العولمة التي تتمحور حول الولايات المتحدة إلى عولمة تتمحور حول الصين. فقد الشعب الأمريكي ثقته بالعولمة والتجارة الدولية التي بات يعتبرها سلبية، سواء كان ذلك بوجود الرئيس دونالد ترامب أم لا».
على العموم، لا شك أن وباء كورونا حدث عالمي مدمر من الصعب تخيل عواقبه البعيدة اليوم. لكن، مثلما غيَّر سقوط جدار برلين وانهيار شركة ليمان براذرز العالم، كذلك سيفعل هذا الوباء الذي يخطف أرواح الآلاف ويهدّد حياة مليارات البشر ويربك الأسواق ويشكّك الناس في الغرب حيال كفاءة حكوماته في التعاطي مع الأزمات؛ فإنه يبدو أن متغيرات كبرى ستلحق بعالم ما بعد كورونا، قد تفضي إلى زعزعة ركائز النظام الدولي الراهن، ليفسح المجال واسعًا لإرساء نظام دولي جديد، وكما يقول الجنرال «جون ألين»، رئيس معهد «بروكينغز»: فإنه «كما كانت الحال دائما، فإن التاريخ سيكتبه المنتصرون في الأزمة».

 

{ انتهى  }
bottom of page