top of page
18/4/2020

أزمة كورونا.. فرصة للتقارب أم للتباعد بين أمريكا وإيران؟


تسبب انتشارُ فيروس كورونا في جميعِ أنحاء العالم، في تغييرِ حقائق جيوسياسية كانت موجودةً قبل انتشاره، فقد أثارَ قلقَ العديد من الحكومات، وأوقف صراعات، حل محلها تعاونٌ على المستوى الدولي امتد إلى المجالات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية. وبعد أن كانت التوتراتُ المتصاعدة بين إيران وأمريكا هي المسيطرة على المشهدِ السياسي العالمي، فقد هدأت نسبيًّا؛ ما جعل المراقبين يتساءلون هل ستكونُ هذه الأزمةُ دافعًا إلى التهدئة وحل الصراع برمته، أم حافزًا على زيادة الأعمال العدائية.
ومنذ فرض الرئيسُ الأمريكي «دونالد ترامب»، في 2018. العقوباتِ على إيران عقب انسحابه من «الاتفاق النووي» الإيراني، اشتدت الأعمالُ العدائية بين الجانبين، والتي منها؛ الاعتداءات الإيرانية على ناقلات النفط في مياه الخليج وفي مضيق هرمز، وعلى منشآت النفط السعودية، وإسقاط طائرة أمريكية من دون طيار، ما تسبب في زيادةِ الوجود البحري الأوروبي والأمريكي في المنطقة، ثم قيام واشنطن بتصفية قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني في يناير 2020. وما تبعه من ردود أفعالٍ إيرانية -بغض النظر عن فاعليتها- ثم رد واشنطن عليها؛ ما جعل المراقبين يتوقعون أن أي هجماتٍ أخرى قد تؤدي إلى صراعٍ أوسع.
يقول «جاك واتلينج»، من «المعهد الملكي للخدمات المتحدة للدراسات الدفاعية والأمنية»: «عقب مقتل سليماني كان السؤال المطروح هو متى وأين وكيف سترد إيران؟، وكان هناك إجماعٌ على أن الأماكن المرشحة للبدء هي سوريا والعراق؛ في حين لم يكن هناك إجماعٌ على التوقيت، وإن كان مفهوما أنه سيكون بعد الانتخابات البرلمانية الإيرانية». وكما كان متوقعا، جاء الرد الإيراني بعد أسابيع من الانتخابات البرلمانية في شكل ضرباتٍ قام بها وكلاؤها ضد القواعدِ الأمريكية في العراق، على غرار الاشتباكات الأخيرة بينهما. ففي 11 مارس أصابت الصواريخ التي أطلقتها كتائبُ حزب الله، التي تعمل بالوكالة لصالح إيران معسكر التاجي، ما أسفر عن مقتل أمريكيين وطبيب بريطاني. وعقب ذلك وقعت 4 هجمات أخرى أقل خطورة على نفس المعسكر ومعسكر بسماية. وردا على ذلك استهدفت الولايات المتحدة عددًا من الأهداف المرتبطة بكتائب حزب الله في 13 مارس، ما أسفر عن مقتل عددٍ من الأفراد وإلحاق أضرار. ومنذ ذلك الوقت لا توجد مواجهاتٌ بين الجانبين، على الرغم من حقيقة أن الرئيس «ترامب»، أشار إلى أن وفاة أفراد أمريكيين ستكون «خطا أحمر».
 وبشكل عام، أرجع المحللون رد الفعل الأمريكي الصامت والهجمات الإيرانية محدودة النطاق إلى انتشار فيروس كورونا في كلا البلدين. يشير «أفشون أوستوفار»، من «مركز السياسة الخارجية للأبحاث»، إلى أن «إيران مهتمة بمواجهة تفشي فيروس كورونا حاليًا، الذي قتل وأصاب الآلاف، وانتشر بين نخب ومسؤولي النظام. بينما انتشر أيضا بشكل كبير في الولايات المتحدة، ما تسبب في ذعرٍ اجتماعي واقتصادي واسع النطاق. وفي ظل هذه الظروف لا توجد أطرافٌ في وضعٍ يمكنها من خوض حرب أو حتى شن هجمات بينما تعاني بلدانها من الوباء».
وعليه، توقع بعض المراقبين أن يكون هناك مجالٌ أمام الجانبين لبدء تقارب حذر؛ إذ يوجد ضغط في الولايات المتحدة من قبل الديمقراطيين والجمهوريين الأكثر اعتدالا على إدارة «ترامب» لتخفيف العقوبات على إيران. في حين دعا المعتدلون في إيران إلى تحديد أولويات الموارد لتبتعد عن دعم وكلائها في الشرق الأوسط وتتجه نحو الاستثمار في الرعاية الصحية بالدولة. ولعل أحد الدلائل المحتملة على حدوث انفراجة هي موافقة واشنطن على مبادرة سويسرا من أجل إنشاء قناة مالية لتبادل السلع الإنسانية مع إيران على الرغم من نظام العقوبات.
ومع ذلك، فإن الوضع الراهن في كل من واشنطن وطهران، يفقد الأصوات المعتدلة تأثيرهما في المساهمة في تهدئة الأجواء. ولا يخفى أن هناك رغبةً من جانب مسؤولين كبار في إدارة «ترامب»، لإبقاء طهران تحت مقصلة العقوبات على الرغم من الكُلفة الإنسانية التي قد تنتج عن ذلك، خاصة مع سعي البلاد إلى محاربة الفيروس. يقول «مارك فيتزباتريك»، من «المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية» بلندن: إنه «بدلا من مساعدة إيران، يبدو أن بعض المتشددين الأمريكيين بمن فيهم الرئيس نفسه يعتقدون أن الفيروس يمكن أن يسرع من تأثير العقوبات الأمريكية في دفعها نحو تغيير النظام». ومع أن الإدارة الأمريكية مترددة في تصعيد الأعمال العسكرية مع إيران في الوقت الحاضر، إلا أنه من غير المرجح أن تتراجع أيضًا.
وينطبق الأمر ذاته على المتشددين الإيرانيين الذين يسيطرون حاليا على ميزان القوى في طهران. ويرى «أليكس فاتانكا»، من «معهد الشرق الأوسط»، أن «أزمة كورونا هي أحدث تجربة أو اختبار حقيقي بأن الفصائل السياسية في إيران تواصل النضال حول تشكيل أو تمحور نوع العلاقة التي يجب أن تربطها البلاد ببقية العالم، فأصوات اليمين المتطرف مشغولة بتصوير أي تفاعل مع المؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، أو منظمة الصحة العالمية على أنها خنوع أمام المصالح الغربية وتنازل عن المثل الإسلامية المتشددة للنظام»، ومع مرور الوقت، سيكون هناك مساحة أمام احتمالية حدوث انفراجة عبر البحث عن أي شكل من أشكال المصالحة مع «الشيطان الأكبر». وكتب «كسرى عربي»، في مجلة «فورين بوليسي»، أنه «مع محاولة تحقيق مكاسب من الأزمة، استغل جيشُ النظام الإيراني -الحرس الثوري- الوباءَ كفرصة لصقل صورته المشوهة بالفعل من خلال تقديم نفسه وأيديولوجيته على أنها منقذٌ للأمة، وأنه المصدر الرئيسي لمقاومة الاستسلام لمطالب واشنطن حتى خلال أزمة الفيروس».
وعلى الرغم من أن استمرارية هذا التصور قد تؤثر على العلاقات الأمريكية الإيرانية؛ فقد رأى بعض المحللين أنه لا يزال هناك مجالٌ للوباء لأن يتسبب في تصعيد حاد بين الطرفين؛ وسيكون ذلك نتيجة تعاطي إيران الراهن مع الأزمة في المقام الأول. ولطالما كان يحاول النظام الإيراني إبعاد المسؤولية عن نفسه فيما يتعلق بمسألة تردي الأوضاع الصحية على خلفية أزمة فيروس كورونا ليلقيها على خصومه سواء كانوا داخليين أو خارجيين من أجل حماية سمعته وشعبيته المحطمة في الوقت الراهن. 
وبحسب ما نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، «لطالما واجهت المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها طهران مظاهرات حاشدة خلال السنوات الأخيرة، وقع على أثرها مئات القتلى.. ولطالما كان النظام يلقي اللوم على الولايات المتحدة بحجة أنها وحدها التي أسهمت في هذا الوضع المزري». وبات واضحًا، أن النظام الإيراني بما في ذلك، المرشد الأعلى، ومسؤولون آخرون، ألقوا باللوم على واشنطن لاختراع هذا الفيروس، وتشجيع انتشاره، كوسيلة لإلحاق بالغ الضرر بإيران وخصومها الآخرين.
وفي هذا الصدد، أكد «حسين سلامي»، قائد الحرس الثوري الإيراني، على سبيل المثال، أن فيروس كورونا قد يكون «غزوًا بيولوجيًا أمريكيًا»، وهو ما دفع بعض المناصرين والمدافعين عن النظام إلى الدعوة إلى شن ردود انتقامية. وبالمثل، ادعى المرشد الأعلى، «آية الله علي خامنئي»، بأن عروض المساعدة الأمريكية لطهران في ظل أزمتها الراهنة «تحمل بين طياتها الكثير من النوايا السيئة، وأنه من المحتمل أن يكون دواؤهم وسيلة لنشر الفيروس أكثر». وعليه، خلص بعض المحللين إلى أنه إذا استمرت إيران في نشر مثل هذه الخطابات العدائية والمزاعم المضللة ضد الولايات المتحدة، فقد يشير ذلك إلى رغبة النظام في استخدام واشنطن كبش فداء لسوء مكافحته للفيروس. يشير «وليد ركاب» من «معهد بيكر للسياسة العامة» إلى أن «إيران تغطي على إخفاقاتها عبر الادعاء بتعرضها لهجوم بيولوجي من قبل عدو أو أعداء مجهولين، وربما مع تصاعد الضغوط الداخلية، قد تتخذ إجراءات انتقامية ضد أولئك الذين تعتقد أنهم وراء هذا الهجوم». وعلى الرغم من أن هذه الردود الانتقامية أمر غير متوقع، نظرًا إلى الرفض الإيراني القاطع لشن أي هجوم مباشر على الولايات المتحدة حتى قبل ظهور أزمة هذا الفيروس، إلا أنها لا تزال نتيجة محتملة مع تصاعد التوترات بين الطرفين. 
وتمارس واشنطن حاليا سياسةَ «الضغوط القصوى»، ضد إيران، ولم يُظهر الرئيسُ «ترامب» أي نية للتراجع عن ذلك. ومؤخرا فرضت عقوبات على إيران في 26 مارس، شملت 15 فردا و5 كيانات، وقالت «الخزانة الأمريكية»، إنهم دعموا الحرس الثوري وفيلق القدس التابع له، ونقلوا مساعدات تستخدم في القتل إلى جماعات مسلحة تدعمها إيران في العراق، كما أنهم متورطون ببيع النفط الإيراني المحظور بموجب العقوبات الأمريكية.
ومن ناحية أخرى سعت أمريكا إلى منع صندوق النقد الدولي من تقديم قرض بقيمة 5 مليارات دولار إلى إيران للمساعدة في مكافحة الوباء، بحجة أن هذه الأموال لن تذهب إلى معالجة أزمة الصحة العامة في البلاد. وقال بيان للخارجية الأمريكية: إن «الدولة الراعية للإرهاب في العالم تسعى إلى الحصول على قرض لتمويل مغامراتها في الخارج وليس لشراء الأدوية للإيرانيين، فللمسؤولين الفاسدين في النظام تاريخٌ طويل في تحويل الأموال المخصصة للسلع الإنسانية إلى وكلائهم الإرهابيين». وأشار مسؤول في «الخزانة الأمريكية»، إلى أن «البنك المركزي الإيراني يخضع لعقوبات أمريكية، وكان طرفا فاعلا رئيسيا في تمويل الإرهاب في جميع أنحاء المنطقة وليس لدينا أي ثقة في أن هذه الأموال ستستخدم لمكافحة الفيروس التاجي». 
يقول «ديفيد دولار» من «معهد بروكينجز»: إنه «عندما تهتم الولايات المتحدة كثيرا ببرنامج إقراض معين، يمكنها أن توقفه بعرقلته سياسيا، ويمكنها أن تضغط على حلفائها الرئيسيين وهذه الدول بالفعل تتمتع بحق النقض». وقد يخلق قرارُ واشنطن بعرقلة هذه المساعدات مزيدا من الاحتكاك مع الاتحاد الأوروبي الذي أعلن في 23 مارس أنه سيمنح طهران 20 مليون يورو لمكافحة الفيروس وسيدعم نداءها للحصول على مساعدة من صندوق النقد الدولي.
ومن جانبه، انتقد الرئيس الإيراني «حسن روحاني محاولات واشنطن إعاقة الموافقة على القرض قائلا: «إذا لم يساعدوا في ظل هذه الظروف القاسية، فسيحكم العالم على سلوكهم التمييزي تجاهنا». وقال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، «علي شمخاني»، إن ذلك «يعد جريمة ضد الإنسانية». وهو ما رد عليه وزير الخارجية الأمريكية «مايك بومبيو»، بقوله: «عندما يتعلق الأمر بالمساعدات الإنسانية التي يحتاج إليها الناس في هذه الأوقات الصعبة، لا يتم فرض عقوبات عليها في أي مكان وفي أي وقت؛ لكن الأمر يتعلق برغبة قادة النظام في الحصول على المال، وليس لمكافحة الوباء».
على العموم، إن انتشار فيروس «كورونا»، كان له دورٌ مؤثر في إيقاف وتيرة تصعيد الأعمال العدائية. ومع ذلك، ورغم كونه يمثل مصدرَ قلقٍ رئيسي لكلا الطرفين في الوقت الحاضر، فقد نشهد منافسة دراماتيكية بينهما مجددا في المنطقة، فمع تعرض النظام في طهران لضغوط متزايدة بسبب فشله في التخفيف من تداعيات الفيروس محليًا، قد يرى اختلاق التصعيد مع واشنطن طريقة لاكتساب المزيد من الشرعية، فضلا عن إصرار واشنطن على ممارسة سياسة الضغط الأقصى على طهران في الوقت الراهن. 

 

{ انتهى  }
bottom of page