top of page
8/7/2020

ردود الفعل الغربية على الاستفتاء الدستوري الروسي

في الوقت الذي يتصدى فيه العالم لجائحة كورونا وتداعياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، اغتنم بعض القادة الفرصة لترسيخ قبضتهم السياسية الشخصية؛ بداية من الصين، بإدخال قوانين أمنية جديدة في هونج كونج؛ تهدف إلى قمع الاحتجاجات على الحكومات اليمينية، وإدخال دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، مثل بولندا والمجر, إصلاحات سياسية غير ديمقراطية؛ بهدف عرقلة الأنظمة القضائية في بلادهم، وأخيرا «الحيلة السياسية»، التي قام بها الرئيس «فلاديمير بوتين»، بإدخال تغييرات على الدستور، بهدف إبقاء نفسه مسيطرا على الحكم حتى عام 2036. وهي المحاولة الأكثر صراحة حتى الآن لإفساد أي مظهر من مظاهر الديمقراطية في روسيا.

 

وتم الإعلان عن هذه التعديلات الدستورية منذ فترة طويلة، لكن التصويت نفسه حدث على مدى سبعة أيام، في الفترة بين 25 يونيو و1 يوليو 2020, في شكل استفتاء. ومع ذلك، لاحظ المحللون أن التصويت كان لا معنى له في الأساس، حيث إن التغييرات المقترحة قد تم تنفيذها بالفعل من قبل المؤسسات الروسية وكان الاستفتاء عليها يشبه إجراء «استفتاء استشاري غير مُلزم»، ولم تكن النتيجة موضع شك على الإطلاق.

 

وتكمن النقطة المحورية للتصويت في منح «بوتين» الموافقة على تغييرات شاملة في نظام الرئاسة الروسية؛ حيث تتيح له التمسك بالسلطة السياسية العليا في البلاد للسنوات الستة عشر المقبلة على الأقل من خلال السماح له بالبقاء لفترتين إضافيتين في المنصب مدة كل منهما 6 سنوات بعد انتهاء ولايته الحالية عام 2024؛ بما يعني أنه سيقود البلاد لما يقرب من أربعين عاما. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل التعديلات الدستورية الأخرى المقترحة، حيث سيتم تغيير حوالي 60% من محتوى الدستور. وتحدد القوانين الجديدة الآن من يمكنه الترشح لمنصب الرئيس الروسي، وإعطاء القانون الروسي الأولوية على القانون الدولي، وحظر زواج المثليين، وتحديد اللغة الروسية باعتبارها «لغة المجموعة العرقية المكونة للدولة».

 

وأصدرت لجنة الاستفتاء في البلاد بيانًا قبل فرز الأصوات يؤكد أن التصويت تم بأغلبية ساحقة (بنسبة 77.92%)، وبنسبة مشاركة بلغت نحو 65% على مستوى البلاد. وتُظهر النتائج الرسمية النهائية دعما هائلا لبوتين في الكثير من المناطق في مقابل تأييد فاتر في مناطق أخرى. وفي منطقة شبه جزيرة القرم -التي تم ضمها من أوكرانيا عام 2014- تجاوز التأييد له 90% من الناخبين، كما حدث في إقليم الشيشان جنوب روسيا. وفي جميع الـ84 منطقة في روسيا البالغ عددها 85, أيدت التغييرات، وكانت المنطقة المعارضة الوحيدة هي «نينيتس» القطبية الشمالية النائية.

 

وعلى الرغم من أن الإعلان عن نتيجة التصويت قبل أن يتم إحصاء جميع الأصوات، قد يبدو في البداية أمرًا هزليا، إلا أنه يمثل حالة من عدم جدوى العملية الديمقراطية في روسيا، بالنظر إلى طبيعة النظام السياسي وغياب أي أحزاب معارضة بارزة. وحتى مع الإبلاغ عن العديد من المخالفات التي تمت أثناء عملية التصويت على نطاق واسع -كما هو شائع في الانتخابات الروسية- يجب أن تكون شرعية النتيجة كلها موضع شك. لكن بالنسبة إلى بوتين فإن مثل هذه الشكوك والأمور ليست ذات جدوى، فالتصويت على الإصلاحات الدستورية بالنسبة إليه يسمح بتمرير ما يريده من سياسات وما يرتكبه من أفعال وانتهاكات؛ وبالتالي زيادة تعزيز قبضته السياسية. وقبل الاستفتاء، اعتبر أن هذا التعديل، «ضروري حتى لا تضيع البلاد في البحث عن خلفاء محتملين».

 

وتبدو مثل هذه النتائج غير منطقية؛ بالنظر إلى تراجع شعبية الرئيس الروسي في السنوات الأخيرة. وانخفضت نسبة التأييد له من 79% في مايو 2018 إلى 59% في يونيو2020. وهي أدنى مستوى على الإطلاق، بالإضافة إلى الانتقادات التي طالته مؤخرا على خلفية إدارة أزمة (كوفيد-19)، وتعديل متعلق بسن التقاعد. وتعاني البلاد حاليًا من حوالي 6000 إصابة يومية بالفيروس، ومن عدد وفيات أكثر من 9500 حالة، كما أنها ثاني أسرع معدل للعدوى نموا في العالم، فضلا عن سوء الأوضاع الاقتصادية جراء انخفاض أسعار النفط، مع فشل حزمة التحفيز الطارئة بقيمة 400 مليار دولار في دفع الوضع قدما. ومع أن الانتخابات نفسها قد أجريت على مدى سبعة أيام في خطوة يفترض أنها تهدف إلى ضمان التباعد الاجتماعي؛ إلا أن مراقبي الانتخابات المستقلين، مثل حركة الدفاع عن الناخبين «جولوس»، قد أبلغوا عن أكثر من 2000 واقعة انتهاك انتخابي.

 

من جانب آخر، قوبلت التعديلات على الدستور الروسي بردود فعل مستنكرة، حيث جاءت بمثابة «إدانة فورية». ونال الاستفتاء اهتماما خاصا لمجرد كونه عرضًا علنيًا للسلطة من قبل الرئيس الروسي بعد أن تم تنفيذ ما طلبه من تغييرات بالفعل إلى حد كبير. وقبيل التصويت أوضح «نايجل ديفيس»، من «المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية»، أن «التصويت ليس استفتاء نزيها، لأنه ليس مطلوبا لتمرير التعديلات، التي تمت الموافقة عليها بالفعل من قبل المؤسسات المُسيسة في شهر مارس.. ومع ذلك فإن الناخبين مدعوون للموافقة عليها!». وبعد إعلان النتيجة وصف «سيرجي رادشينكو»، مدير كلية القانون والسياسة في جامعة «كارديف»، البريطانية، الاستفتاء بأنه «رمزي».. وبما أن النظام الانتخابي الروسي معروف بتزييفات واسعة النطاق، فإن النتيجة مقدرة مهما كان ما يراه الرأي العام». وأرجع أهميته إلى أنه «يوفر قشرة من الشرعية لتغيير دستوري من شأنه إعادة تهيئة ولاية بوتين الرئاسية». وعلقت صحيفة «ذي إيكونوميست» على مشروعية التصويت بقولها: «لم يكن الاستفتاء نزيها، ولم يتوافر له سند أو أساس قانوني، ولم يستوف الحد الأدنى، ولم تجر مراقبته بشكل مستقل ولم يتبع أي قواعد واضحة، وقد مرره البرلمان بالفعل، كما وافقت عليه المحكمة الدستورية، ووقعه الرئيس ليصبح قانونا».

 

ووفقا للعديد من المحللين فإن «بوتين»، الذي احتفظ بالسلطة في البلاد لأكثر من عشرين عاما باستخدام الرجال الموالين له للتبديل بين دور الرئيس ورئيس الوزراء، يعد قائد روسيا الحقيقي في جميع الأوقات، وما حدث ما هو إلا «حيلة سياسية». يقول «نيكولاي بيتروف»، من «المعهد الملكي للشؤون الدولية»، (تشاتام هاوس)، إن «حجم الإصلاحات كان مفاجئا تماما، مع العديد من المقترحات التي حوّلت النظام السياسي بطريقة تجعل موقف بوتين قويا بما يكفي حتى لا تعارضه أي مؤسسات أخرى». ويشير «ألكسندر بونوف»، من «مركز كارنيجي»، إلى أن «الإصلاحات كانت بالنسبة إليه مجرد حيلة لتأمين شكل من أشكال الشرعية لحكمه في المستقبل، حيث عبر خطا أحمر كان مترددا في تجاوزه من قبل.. ما وراء هذا الخط يُثبت شرعيته ويحتاج إلى تصويت شعبي، حتى بالمعايير الروسية».

 

ومن وجهة نظر المراقبين يمثل الاستفتاء عرضًا للضعف، بدلاً من استعراض القوة. يقول «تيموثي فراي»، أستاذ السياسة الخارجية في جامعة «كولومبيا»: إنه «موقف مثير للسخرية أن التعديلات الدستورية هي «انتزاع للسلطة يتم بطريقة ما من موقف ضعف وليس من منطق قوة». ويضيف «أندري كورتونوف»، من «مجلس الشؤون الدولية»، أنه بالنسبة إلى بوتين «لم تعد السياسة الخارجية البديل الموثوق به للتعامل مع كافة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الملتهبة في الداخل». ويقول «آدم تايلور»، في صحيفة «واشنطن بوست»، تحت عنوان «فوز بوتين يشير إلى حالة من الركود والضعف وليس القوة»: «هل هناك من يحل محله؟ إذا كان الجواب لا أحد، فهذا ليس علامة على القوة؛ إنها علامة على وقوع بلد في حالة من الركود السياسي»، مستشهدًا على عدم وجود أية معارضة فعالة أو زعيم روسي محتمل، ولعل هذا ما يجعل محاولة بوتين أكثر قوة على التمسك بالسلطة بشكل أسهل بكثير.

 

وفي هذا السياق، يضيف «توني باربر»، في صحيفة «فاينانشيال تايمز»، أن التصويت: «كان طقسًا يهدف إلى جعل المواطنين متواطئين في المشاركة في حريات سياسية منقوصة وسيادة يرثى لها للقانون. ولعل كل تلك الأمور سمات مميزة للعقدين الذي ظل فيهما بوتين متشبثًا بالسلطة». وخلص «أورا جون رويتر»، من جامعة «ويسكونسن ميلووكي»، الأمريكية، إلى أن الاستفتاء ليس أكثر من «طريقة ليقول للجميع، انظروا، مازلت مسؤولاً، وأحظى بالتفويض الشعبي، وعلى الجميع أن يرضى بذلك في محاولة لإثبات قوته».

 

ومن جانبها، انتقدت المعارضة الروسية هذا الإجراء، ووصفته بـ«المهزلة الانتخابية»، الرامية إلى فتح المجال لتولي بوتين الرئاسة مدى الحياة، وسلطوا الضوء على نقاط الضعف التي تعتري السياسة الروسية. وأوضح «ليف جودكوف»، مدير مركز «ليفادا»، بأن نسبة التصويت تظهر «أن هناك مقاومة اجتماعية ضعيفة للغاية إزاء منح بوتين سلطة مطلقة وأن المعنى العام واضح بما فيه الكفاية.. أن هذا التصويت به تعديلات تخول للرئيس فرص مد فترة رئاسته مدى حياة دون أي اعتراض».

 

وبالنسبة إلى كثير من تحليلات الخبراء في معاهد البحوث ومراكز الفكر، فإن الكثير من الحكومات الديمقراطية الليبرالية كانت صامتة بشأن هذا الاستيلاء الفاضح على السلطة. ولم تعرب الولايات المتحدة، التي ركزت في حربها الكلامية مع روسيا على أن الأخيرة دفعت سرًّا أموالاً لمقاتلين مقرّبين من طالبان لدفعهم إلى قتل عسكريين أمريكيين، عن أي إدانة من جانبها للاستفتاء الأخير، وكذلك فعلت المملكة المتحدة، والاتحاد الأوروبي.

 

وعند تحليل إقدام الرئيس الروسي على هذا الإصلاح الدستوري بما يخدم مصالحه، يجب أن تكون هناك مقارنة واضحة بين موسكو وبكين في هذا الصدد. وبالنسبة إلى بوتين تعكس هذه الخطوة ما قام به رئيس الوزراء الصيني «شي جين بينغ»، الذي أزال حدود الفترات الزمنية الرئاسية وجعلها مطلقة لنفسه في مارس 2018. وفي تصويت أكثر غرابة من التصويت الروسي صوت اثنان فقط من أصل 3000 عضو ضد هذا التغيير. وتجدر الإشارة إلى أنه بشكل غير مفاجئ شكلت روسيا والصين علاقة دافئة مع بعضهما البعض مع كون كلا النظامين يسعيان إلى تمزيق الغرب. يقول «أندرو هاموند»، من «كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية»: «ما أقامه شي جين بينغ مع الرئيس الروسي من علاقة دولية قوية بكل معنى الكلمة؛ لا تؤدي فقط إلى زيادة الدفء في تلك العلاقات فحسب، ولكن أيضًا تخلق حالة من الفتور والبرودة في علاقاتهما مع الولايات المتحدة في الوقت ذاته». بالنسبة إلى الكثيرين فإن قيام اثنتين من أكبر ثلاث قوى في العالم بتنفيذ تغييرات سياسية تعمل على تعزيز قوتهما الاستبدادية والديكتاتورية على بلدانهم وشعوبهم يجب أن يمثل مصدر قلق كبير لمؤيدي وداعمي الديمقراطية.

 

على العموم، أظهرت نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية أنه لا منازع للرئيس الروسي على عرش الكرملين، ولقب قيصر روسيا الجديد، فبعد عشرين عامًا في السلطة قضاها في السعي لبعث الحياة مجددًا في جسد الدب الروسي المنهك بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، حقق نصرًا جديدًا بتمرير هذه التعديلات في عملية تندد بها المعارضة وتعتبرها مجرد مناورة تتيح له تعزيز سيطرته على البلاد مدى الحياة.

 

مؤشرات إيجابية في محاولات اكتشاف علاج لفيروس كورونا

 

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٠ - 02:00

بعد وصول جائحة فيروس كورونا إلى مستويات حرجة أثارت قلق العديد من الدول، التي لجأت إلى منع التجمعات، وإغلاق الحدود، وإعلان حالة الطوارئ؛ سعت البلدان المتقدمة لتطوير الأدوية وإيجاد لقاح مضاد للفيروس، وأحرزت مؤسسات البحث والمختبرات تقدما سريعا في هذا الشأن، وهو ما يثبت أن الجهود الطبية تسير في الاتجاه الصحيح، وتعطي مؤشرات إيجابية. وعلى الرغم من ذلك، فإن رحلة الوصول إلى علاجات أكثر فاعلية لا تزال في مراحلها المبكرة، ولم يتم اعتماد أي أدوية وقائية للاستخدام، ومازالت التجارب جارية على العلاجات المحتملة.

 

وفي أواخر يونيو 2020 وصل تفشي الفيروس إلى مرحلة مُقلقة، حيث ارتفع عدد ضحاياه إلى أكثر من 10 ملايين إصابة مؤكدة و500.000 حالة وفاة، وبلغ معدل النمو العالمي للعدوى مليون حالة إضافية كل أسبوع. وفي 28 يونيو وحده تم تسجيل 165.534 حالة جديدة بالفيروس. وتسجل الولايات المتحدة حاليا مستويات قياسية عالية من الإصابات، وبالمثل، البرازيل والهند، كما عاود الفيروس الظهور في الصين؛ وهو ما جعلها تفرض حظرا صارما على ما يقرب من 400.000 في مقاطعة «خبي». وفي المملكة المتحدة أدى اندلاع حالات الإصابة في مدينة ليستر إلى وضع المدينة في حالة إغلاق وسط الكثير من الارتباك وعدم اليقين، وهو ما انتقدته «كلوديا ويب» عضوة البرلمان بقولها: إن «التواصل من جانب الحكومة غير واضح فقد أصبح الأمر صعبا، فما هي الإجراءات التي من المفترض أن يتبعها المجتمع».

 

وفي المقابل، تمكن عدد آخر من البلدان من قمع الفيروس، لعل أنجحها (كوريا الجنوبية، ونيوزيلندا، وسنغافورة، وفيتنام). ففي الأخيرة، على الرغم من أنها تتشارك في حدود مع الصين، فإنها لم تسجل وفاة واحدة مرتبطة بالفيروس بعد أن دفعت بإجراءات صارمة للإغلاق ومراقبة الحدود بعد وقت قصير من بدء انتشاره في الصين.

 

وفي الوقت الحالي يجري السباق لتطوير علاجات بسرعة كبيرة من قبل الشركات والوكالات الحكومية في جميع أنحاء العالم. ومازالت التجارب السريرية على الأدوية المحتملة جارية في الغالب بشرق آسيا وأوروبا الغربية وأمريكا الشمالية. وفي الوقت الذي تكافح فيه منظمة الصحة العالمية للتعامل مع الطلب المتزايد على الأدوية، تعتمد كثير من البلدان على الشركات المصنعة والمختبرات في القطاع الخاص لتطوير عقاقير جديدة. في بريطانيا، قادت فرق البحث الطبي في «جامعة أكسفورد»، إلى فاعلية عقار «ديكساميثازون» في علاج مرضى كورونا، وذلك على الرغم من أنه من «الأدوية الستيرويدية» المضادة للالتهاب، والتي من الممكن أن تجعل الفيروس أسوأ للمرضى ويطيل فترة العدوى. وفي بداية الجائحة، لم تشجع معظم الإرشادات الدولية العلاج باستخدام «الأدوية الستيرويدية»، بسبب نتائجها المتباينة في علاجات فيروسات السارس، وكورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس).

 

ومع ذلك، ثُبت من التجارب قدرة العقار على خفض خطر الموت للمرضى على أجهزة التنفس الصناعي بنسبة الثلث. وبالنسبة إلى أولئك الذين يستخدمون الأكسجين للتنفس، لوحظ أنه يقلل من خطر الموت بنسبة الخُمس. وبالتالي، قدر الخبراء أن الدواء كان من الممكن أن ينقذ ما يصل إلى 5.000 حياة لو كان متاحا في بداية الجائحة. يقول «بيتر هوربي» أحد أعضاء الفريق: «هذا هو الدواء الوحيد حتى الآن الذي ثبت أنه يحد من الوفيات بشكل ملحوظ.. إنه إنجاز كبير». ورحبت «منظمة الصحة العالمية» بالعقار، وقال مديرها العام «تيدروس غيبريسوس»، إن «هذه أنباء رائعة.. أهنئ حكومة المملكة المتحدة، وجامعة أكسفورد الذين ساهموا في هذا الإنجاز العلمي المنقذ للحياة». فيما وصف رئيس الوزراء البريطاني، «بوريس جونسون»، هذا النبأ بأنه «إنجاز علمي بريطاني رائع»، وأوضح أن هيئة الخدمات الصحية الوطنية لديها حاليًا مخزون يقدر بـ200.000 علاج متاح للمرضى.

 

ومع ذلك، حذر الخبراء من وصف العقار، بأنه «دواء معجزة» للفيروس في ضوء أن الأمر ذاته حدث مع عقار «هيدروكسي كلوروكوين». ومع ذلك، ففي أعقاب أنباء التجربة الناجحة للدواء الجديد مباشرة زادت المستشفيات الأمريكية من طلبها عليه بنسبة 610%. وقال «دان كيستنر»، من شركة خدمات الرعاية الصحية «فيزيانت»: إنه «في يوم واحد، ارتفع الطلب من أقل من 100.000 إلى مليون «قارورة» أو قرص». من ناحية أخرى، أعلنت «جامعة كامبريدج»، أنها ستطلق اختبارًا تجريبيا للعقار المعروف باسم «TACTIC-E»، الذي وصفته بـ«الواعد»، والذي يسعى إلى اكتشاف ما إذا كان مزيج من الأدوية يمكن أن يؤدي إلى تحسين نتائج علاج الفيروس. ومن بين الأدوية التي يتم النظر فيها، «اي بي دي 1815»، وهو دواء غير مرخص يعمل على الجراثيم المعوية في الجسم وأدوية مرض السكري مثل «داباغليفلوزين»، و«أمبريسينتان».

 

وفي الإطار ذاته، يتم العمل على تطوير لقاح بشكل مشترك بالتعاون مع معهد «جينر»، التابع لجامعة «أوكسفورد». وفي هذا الصدد أعلن «أندرو بولارد»، أستاذ عدوى المناعة بالجامعة أن اللقاح «سيكون متاحًا في وقت مبكر من سبتمبر 2020، وذلك قبل وقت طويل من الجدول الزمني الرسمي لتطوير حكومة المملكة المتحدة لقاحها، والذي يقدر وقت انتظاره  حوالي 18 شهرًا». وانطلاقًا من دعم الفريق البحثي المعني بتطوير اللقاح، قال وزير الصحة البريطاني للصحفيين في نهاية مايو 2020: «سوف ندعمهم لأقصى درجة ونوفر لهم كل الموارد التي يحتاجون إليها لمنحهم أفضل فرص للنجاح والتوفيق».

 

وفي إطار البحث عن علاج فعال، أعطى دواء «ريمديسيفير» وعدا مبكرا؛ حيث تم تطويره لأول مرة لمكافحة جائحة «الإيبولا» في غرب إفريقيا. وصنفت منظمة الصحة العالمية هذا الدواء كعلاج «واعد»، بناء على البيانات المجمعة من الاختبارات البشرية والحيوانية. وحتى الآن، أثبت الدواء نجاحه في التجارب ضد متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد (سارس) ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، والتي تُشبه «كوفيد 19»، وتؤثر على أعضاء الجهاز التنفسي. واستجابة للطلب المتزايد، تبرعت الشركة المُصنعة للعقار بـ1.5 مليون جرعة من الدواء التجريبي للاستخدام على المرضى الذين يعانون من أعراض شديدة. وانعكس هذا القرار على الأسواق المالية، حيث شهدت الشركة ارتفاعا بقيمة 17 مليار دولار في قيمتها السوقية. وفي دراسة أجراها «المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية» أثبت العقار فعاليته ضد الفيروس، حيث قلل من وقت تعافي المرضى من 15 إلى 11 يومًا، وتمت التوصية به كعلاج للمرضى في أستراليا.

 

ومع ذلك، يبقى السعر وتوافر الدواء أمرا مهما لاستخدامه على نطاق واسع. وقد وفرت الشركة المصنعة لـ«ريمديسيفير» هذا الدواء بسعر 2.340 دولار لدورة العلاج النموذجية والتي تستغرق خمسة أيام. وتتلقى الدول النامية أسعارًا منخفضة جدًا. وبمجرد زيادة مخزون العلاج، سيكون سعر العلاج 520 دولارًا عن كل قارورة لشركات التأمين الخاصة الأمريكية ومستهلكين آخرين. وفي السابق، تم إعفاء الدواء من التجارب الطبية بسبب نقص إمداداته، وحتى عند توافره فمن غير المحتمل أن يكون متاحًا على نطاق واسع أو رخيصًا مثل ديكساميثازون.

 

وفي هذه الأثناء، كانت هناك نتائج مُتباينة للأدوية المحتملة الأخرى، فلم يُسفر اختبار الدواء «لوبينافير» مع «ريتونافير» في الصين عن نتائج إيجابية للمرضى الذين يعانون من أعراض شديدة لـ«كوفيد 19». ومع ذلك وجدت دراسة أخرى أن «فافيبيرافير» (المعروف أيضًا باسم أفيجان)، الذي طورته شركة «فوجي فيلم» اليابانية ساعد على التخلص من الفيروس في مدة أقل من التي استغرقها علاج «فيروس نقص المناعة البشرية»، كما ساعد على تحسين أعراض الصدر للمرضى.

 

من جانبها، وافقت الصين على استخدام لقاح لقواتها المسلحة أُطلق عليه اسم «Ad5-nCoV» تم تطويره من قبل معهد بكين للتكنولوجيا الحيوية التابع لأكاديمية العلوم الطبية العسكرية. ووفقًا لصحيفة «التليجراف»، يعد هذا اللقاح «واحدًا من ثمانية لقاحات مرشحة للتطبيق والاستخدام يتم تطويرها في مدينة «شيان»، وتمت الموافقة عليها حتى الآن لإخضاعها للتجارب البشرية». ويلقى  قرار منح أفضلية للأفراد العسكريين على المدنيين انتقادات كثيرة، من بينها ما قاله «مارتن بريكنيل»، من كلية «كينجز كوليدج»، لندن: بأن «أي قرار تتخذه دولة ما لمنح لقاحاتها لقواتها المسلحة بشكل تفضيلي على حساب المواطنين العاديين الأكثر عرضة للوباء وأكثر ضعفًا ستكون إشارة منها الى تحديد أن أولوياتها تنحاز للأمن العسكري على حساب الأمن الصحي بشكل عام لكل مواطنيها».

 

من ناحية أخرى، تبنت الصين أسلوب «الطب التقليدي» المعروف باسم «تي سي إم»، كوسيلة لعلاج الفيروس لعدد كبير من مواطنيها، والذي يعتمد على مزيج من المكونات الطبيعية لمكافحة المرض. وقدمت لجنة الصحة الوطنية الصينية إرشادات لكيفية الخضوع لهذا النوع من العلاج؛ ومن بين هذه العلاجات مركب يدعى «لانيهوا تشينغ»، والذي يتكون من مزيج من 13 عشبًا، و«جينهوا تشينغ تشيان»، والذي يتكون من 12 مكونًا مثل العرقسوس وزهر العسل. ومع أن العلاج الطبي البديل مدعوم داخل الصين، إلا أن خبراء حماية الصحة العامة في الدول الأخرى متشككون من تأثيره الصحي. وفي هذا الصدد، قال الأكاديمي الألماني، «إدزارد إرنست»: «نحن نتعامل مع عدوى خطيرة تتطلب علاجات فعالة. وبالنسبة إلى العلاجات التقليدية الصينية، لا يوجد دليل واضح على أن استخدامها في محله، وبالتالي فإن استعمالها ليس فقط غير مبرر، ولكنه خطير في الوقت ذاته».

 

على أي حال، حققت الاستجابات والمحاولات الطبية الأخرى وأبحاث العلاجات والتجارب حتى الآن نجاحًا في نطاقها وفعاليتها، حيث لجأت العديد من البلدان إلى التكنولوجيا لمكافحة انتشار الفيروس. ففي سنغافورة، تم إصدار أجهزة تتبع لجهات الاتصال «الحالات المصابة» بتقنية البلوتوث كبديل للتطبيق الآخر الذي كانت قد أطلقته الحكومة والذي عارضه الكثيرون خوفًا على الخصوصية، وتم منح هذه الأجهزة في البداية لكبار السن والأكثر ضعفًا.

 

إن الجهود المتعلقة بالعثور على أدوية لعلاج الفيروس لم تثبت نجاحها إلى حد معقول حتى الآن، وان البحث عن لقاح فعال له لا يزال في مراحله المبكرة. لقد تم إسقاط «هيدروكسي كلوروكوين»، الذي دافع عنه الرئيس الأمريكي، «دونالد ترامب»، من التجارب التي أجرتها منظمة الصحة العالمية؛ بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة بعد أن كشف تقرير بحثي طبي عن خطر زيادة الوفيات ومشاكل في القلب للمرضى. وأخفق دواء آخر، يُستخدم لعلاج التهاب المفاصل الروماتويدي في مساعدة المرضى الذين يعانون من كوفيد 19.

 

على العموم، رغم أن الوباء لا يزال يمثل تهديدًا وجوديًا للملايين في ظل وجود موجة ثانية له في العديد من البلدان، فإن تقدم فرق البحث الطبي في جميع أنحاء العالم في تطوير الأدوية واللقاحات يوفر بارقة أمل لإنقاذ آلاف الأرواح من هذا الفيروس القاتل. وفي المستقبل المنظور، مع المزيد من التمويل والدعم لهذه الجهود الهادفة إلى إنقاذ حياة الملايين يمكن كسب معركة التصدي للفيروس في وقت أقرب مما هو متوقع.

 

احتمالات حدوث موجة كورونا ثانية في أمريكا

 

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

السبت ٠٤ يوليو ٢٠٢٠ - 02:00

في معظمِ البلدان التي أصابتها جائحةُ فيروس كورونا خلالَ مراحلِها المبكرةِ تجاوزَ خطرُ الفيروس ذروته، وتناقصَ عددُ الإصاباتِ والوفياتِ كما في آسيا وأوروبا الغربية. في مقابل ذلك، لا يزالُ يتمُّ الإبلاغُ عن الآلافِ من الحالاتِ الجديدةِ كلّ يومٍ في الولاياتِ المتحدة؛ الأمر الذي دعَّم بقوةٍ حججَ مسؤولي الصحةِ العامة الذين حذَّروا من خطرِ إعادة فتح الشركاتِ والأنشطةِ خلالَ فترةِ الطوارئ الصحية، وطرحَ تساؤلاتٍ عما إذا كانَ من الضروري إعادة تطبيق إجراءات الإغلاق والتباعد الاجتماعي مرة أخرى من أجلِ حمايةِ الصحةِ العامة.

 

وكانت الولاياتُ المتحدةُ قد سجلت يوم 21 يونيو 27.465 إصابة جديدة بالفيروس، وهي ثاني أعلى نسبة إجمالية للبلاد خلال الجائحة، بارتفاع 21.486 حالة في الأسبوع السابق عليه، والتي تم تسجيلها في ذروةِ الموجةِ الأولى. ومنذ ذلك الحين زادت الأعدادُ بشكلٍ كبير. ففي 24 يونيو تم تسجيل 38.672 إصابة جديدة؛ بما يمثل أكبر زيادة يومية. وحدث هذا الارتفاع بعد أن أعطت الحكومةُ الضوءَ الأخضر للشركاتِ لاستئنافِ التداول. وبحلول 28 يونيو كان هناك ما يقرب من 2596770 حالة إصابة مؤكدة بالفيروس، وأكثر من128.152 حالة وفاة. ومن المتوقع أن تكونَ الأرقامُ أعلى بكثيرٍ من الأعداد المسجلة، خاصة أن هناك وفيات لم يتم تسجيلها على أنها ناجمةٌ عن الوباء.

 

وعلى نطاقٍ واسع، أصبح من المُسلم به أن قرارَ إعادةِ فتح أجزاء من الاقتصاد والمجتمع قد لعبَ دورا رئيسيًّا في حدوثِ ارتفاع ثانٍ في العدوى. وكما أشار «بيتر ويلز»، في صحيفة «فاينانشال تايمز»، فإن «معظم الولايات التي أظهرت زيادات حادة سريعة في أعداد الحالات هي التي أعادت فتح اقتصاداتها»، وهي تحركاتٌ دفعت خبراءَ الصحةِ العامة إلى التحذيرِ من أن العديدَ من قراراتِ إعادةِ الفتح تتمُّ بسرعةٍ كبيرة. وتعد أكثر الولايات تأثرا بهذا الارتفاع الجديد كاليفورنيا، وتكساس، وفلوريدا، وأريزونا، وكارولاينا الشمالية والجنوبية، والتي ارتفعت نسبة الحالات بها إلى 50%. وفي البداية، عانت ولايات إقليم «نيو إنغلاند» من أعلى حالات الإصابة والوفيات؛ لكن في الأسابيع الأخيرة انخفضت بشكلٍ كبير. وفي ولاية نيو جيرسي تراجع العدد بنسبة 87% منذ أبريل. وحاليا، تعاني نيويورك من 1000 حالة دخول إلى المستشفيات مرتبطة بالفيروس، منخفضة من 18.000 في مارس.

 

ومع الارتفاع المطرد في الحالات، فإن المعضلةَ تكمنُ فيما إذا كانت الولاياتُ المتحدةُ ستُعيد إجراءاتِ الإغلاقِ والتباعد الاجتماعي أم لا. وحذرت «منظمة الصحة العالمية»، من أنه «إذا لم توقف واشنطن انتشار الفيروس من خلال التعقب والفحص والحجر الصحي، فقد يكون فرض المزيد من عمليات الإغلاق إجراء ضروريًّا». وصرح «مايكل ريان»، مدير برنامج الطوارئ بها بأنه «من الصعب للغاية التخلص من هذه الجائحة ما لم يتم فرض عمليات الإغلاق الإضافية». وحذر «روبرت ريدفيلد»، مدير «المركز الأمريكي للسيطرة على الأمراض» من أن الفيروس جعل واشنطن «تجثو على ركبتيها». وكان «مارك بوم» من مستشفى «هيوستن الميثودي»، أكثر صراحة في تقييمه إذ قال: «ارتضى الناس بذلك؛ وبصراحة تامة يعود الفيروس بضراوة من جديد». وعليه، عبرت «كايتلين ريفرز»، من مركز «جونز هوبكنز للأمن الصحي»، عن نظرة قاتمة للمستقبل، عبر قولها: «من الصعب تخيل كيف سنصل إلى حال أفضل.. يبدو أننا الآن أسوأ حالا من موجة كورونا الأولى؛ لأنه على الأقل كان هناك لدى قيادتنا نوع من السيطرة.. أشعر الآن أننا فقدنا تلك السيطرة».

 

وكانت ثلاث ولايات هي «نيويورك، ونيوجيرسي، وكونيتيكت»، قد فرضت حجرا صحيا مدة أسبوعين على الأشخاص الذين يصلون من ولايات ذات معدلات إصابة مرتفعة بالفيروس. وتنطبق تلك الإرشادات على أي شخص قادم من ولاية يزيد فيها معدل الإصابة على 10 أشخاص لكل100.000 من السكان، أو متوسط الحالة بمعدل إيجابي 10% أو أعلى خلال متوسط متداول مدة 7 أيام. وفي الوقت الحالي، تُخضع ولايات «ألاباما، وأركنساس، وأريزونا، وفلوريدا ونورث كارولاينا، وساوث كارولينا، وتكساس، ويوتا»، سكانها للحجر الصحي القسري. وبشأن هذا القرار، صرح حاكم «نيويورك»، «أندرو كومو»، بأنه «علينا التأكد من أن الفيروس لن يدخل على متن الطائرة مرة أخرى»، وأضاف حاكم «نيو جيرسي»، «فيل ميرفي»، أن «هذه ليست توصية مهذبة، بل إلزام». وكدليل على الجدية، فرضت هذه الولايات أيضًا غرامات باهظة على أولئك الذين يكسرون القواعد. ففي نيويورك، قد يتعرض الزائرون الذين لا يلتزمون بالحجر الذاتي إلى غرامات تصل إلى 10.000 دولار.

 

فيما جاءت ردود أفعال حكام الولايات الأخرى على الطفرات الجديدة مُتباينة. ففي كاليفورنيا، التي سجلت 7.149 حالة جديدة يوم 24 يونيو وحده، تم الالتزام بارتداء كمامات الوجه. كما أعلن حاكم كارولينا الشمالية، أن «ارتفاع الإصابات قد يؤدي إلى «تأجيل إنهاء قيود التباعد الاجتماعي». وبعد أن تضاعفت حالات الإصابة الجديدة في «تكساس»، تم دعوة المواطنين إلى البقاء في منازلهم والعودة إلى الالتزام بالقيود التي تم التحلل منها قبل عدة أسابيع، وتم فرض قيود على التجمعات لأكثر من 100 شخص.

 

وبالنسبة إلى العديد من حكام الولايات، يظل إعادة تطبيق إجراءات الإغلاق مرة أخرى خيارًا يُصاحبه التردد. وعلى الرغم من أنه أدخل بعض تدابير الصحة العامة، فقد ظل حاكم تكساس مُصمما على أن «العودة إلى الإغلاق مرة أخرى سيكون دائما الخيار الأخير»، وحث حاكم فلوريدا المواطنين على تجنب الاتصال الوثيق مع الآخرين، لكنه رفض الالتزام بفرض مزيد من القيود». فيما كان حاكم «ميسوري» أقل دبلوماسية وكتب على تويتر: «نحن لا نُقهر.. نحن لا نشهد حاليا موجة ثانية.. ليس لدينا نية للإغلاق في هذه المرحلة».

 

وفي نهاية المطاف، من المرجح أن يؤدي عدم إعادة فرض إجراءات الإغلاق والتباعد إلى تسهيل حدوث موجة ثانية قد تكون أشد خطرا. وتنبأت جامعة واشنطن أنه بحلول أكتوبر القادم سيكون هناك حوالي 180.000 حالة وفاة بسبب الفيروس. ومن المحتمل أن ينخفض العدد إلى 146000 في حالة ارتداء 95% من الأمريكيين أقنعة الوجه والكمامات. ووفقا للعديد من المحللين، تعود حالة التردد في العودة إلى تشديد الإجراءات الاحترازية إلى الخوف من التعرض لمزيد من الأضرار الاقتصادية.

 

وتهدد جهود استئناف العمل بالأنشطة الاقتصادية المعتادة بمزيد من انتشار الإصابة بالعدوى ليس فقط في الولايات المتحدة، وإنما في العالم برمته. وتأثرت أسواق المال العالمية جراء أنباء ارتفاع معدلات الإصابة في الولايات المتحدة، إذ انخفض مؤشر «فاينانشيال تايمز» البريطاني بنسبة 1.2%، وانخفضت مؤشرات بورصة «وول ستريت» بنسبة 2.6% في 24 يونيو، كما أجرى الاتحاد الأوروبي محادثات حول ما إذا كان سيتم حظر دخول الأمريكيين عندما يتم إعادة فتح الحدود.

 

وفي نفس السياق، أظهر الكثير من تجار التجزئة أيضًا ترددًا في المضي قدمًا في إعادة فتح متاجرهم. وقامت شركة «أبل» بإغلاق متاجرها في ولايتي تكساس وأريزونا. وانتاب أيضا الكثير من المحللين الاقتصاديين الخوف من الموجة الثانية المحتملة للوباء. وتوقع «تشارلز إيفانز»، في صحيفة «كوريدور بيزنس جورنال»، أن يتم عرقلة النمو الاقتصادي جراء الاستجابة الراهنة للفيروس بسبب عودة العمل بكثير من الأنشطة بصورة أسرع من المتوقع. وفي تلك الحالة، سيتم تخصيص الكثير من الموارد للمحافظة على الصحة العامة في ظل أن العلاجات ستصبح متاحة مع حلول عام 2022. ومع ذلك، رأى أن «العودة إلى الانخراط في الحياة الطبيعية يجب أن يكون بحلول أواخر العام الحالي، وليس قبل هذا التاريخ».

 

من ناحية أخرى، تم التشكيك في الأرقام الرسمية بشأن إصابات موجة كورونا الثانية. وأخبر نائب الرئيس الأمريكي، «مايك بنس»، أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، أن 12 ولاية فقط، و3% فقط من المقاطعات، تشهد زيادة في الإصابة بالوباء. ومع ذلك، تؤكد صحيفة «واشنطن بوست»، أن الرقم الحقيقي هو أن 20 ولاية و5% من المقاطعات لديها أرقام إصابات أعلى مما كانت عليه قبل تلك الموجة.

 

ومع محاولة الحكومة الأمريكية تحقيق «المعادلة الصعبة»، باستئناف الحياة الطبيعية مع محاولات إبقاء الفيروس تحت السيطرة في ظل عدم وجود لقاح له حتى الآن، يجب أن تكون لديها السلطة العليا للتوجيه والتخطيط. ومع ذلك، كانت قيادة دونالد ترامب لهذا الملف غير مجدية. ففي تجمع انتخابي بولاية أوكلاهوما، أخبر الحشود أن اختبارات التأكد من الإصابة بالفيروس تعدُّ بمثابة «سيف ذو حدين»، وأضاف: «عندما نختبر هذا الكم الهائل من المواطنين سنجد بالتالي المزيد من الحالات، وقد أشرت إلى القائمين على هذه الاختبارات بإبطاء وتيرتها!». وعندما حاول مسؤولو الحكومة التخفيف من حدة التصريحات والادعاء بأنها «مزحة»، خرج لينقضها قائلا: «أنا لا أمزح»، وأضاف يوم 23 يونيو، أن «الحالات تتزايد لأننا نختبر أعدادًا أكثر بكثير من أي دولة أخرى، ونتوسع باستمرار؛ ولكن مع الاختبارات لعدد أصغر، سنحصل في النهاية على حالات إصابة أقل!».

 

وطوال الأزمة، أظهر «ترامب» تفضيلا واضحًا للاقتصاد على الصحة العامة، زاعمًا أن هذا الفيروس تسبب في إحداث أضرار اقتصادية للولايات المتحدة، ولا سيما أن 26 مليون أمريكي يطالبون بالحصول على إعانات البطالة في ظل موجة تسريح العمالة من كل الشركات المغلقة أو المنهكة بسبب نقص الطلب على منتجاتها. وفي أواخر أبريل، انهارت أسعار النفط الأمريكية إلى أدنى مستوى لها. ولعل انخفاض الطلب على إمدادات النفط وانخفاض الإنتاج وتراجعه في قطاعات الطيران والتصنيع خاصة صناعة السيارات سيلقي بظلاله على الاقتصاد الأمريكي سنوات عديدة قادمة.

 

وفي أعقاب هذه الأخبار القاتمة، انتشرت العديد من الاحتجاجات عبر الولايات المتحدة الأمريكية، داعية إلى إعادة فتح الاقتصاد لتجنب التعرض لمزيد من الأضرار الاقتصادية. ومع أن هذا النهج قد يكون خطرًا كونه سيؤدي إلى انتشار الفيروس بشكل أكبر، وسيتسبب في إزهاق عشرات الآلاف من الأرواح، وفي الوقت نفسه يتعارض مع التحذيرات التي أطلقها مسؤولو الصحة العامة؛ فإن الإدارة الأمريكية تمضي قدمًا في خططها لإعادة فتح الاقتصاد في ظل إدعاء وزير الخزانة الأمريكي «ستيف منوشين» أنه: «بعد أن تمت إعادة فتح الاقتصاد خلال شهري مايو ويونيو، سينتعش حقًا في كل من أشهر يوليو وأغسطس وسبتمبر القادمة».

 

على العموم، لا يمكن اعتبار الطريقة التي أدار بها «ترامب» أزمة كورونا حتى الآن إلا كارثة حقيقية، فقد تجاهل تحذيرات مسؤولي الصحة العامة، وركز على سفاسف الأمور والحروب الكلامية مع الصين، ومع منظمة الصحة العالمية، وتعامل مع وسائل الإعلام جراء تشكيكها وانتقادها لاستراتيجيته غير العملية على أنها منبوذة، في حين لم يظهر أي قدرة على تولي زمام القيادة في وقت الأزمات. وفي الوقت الذي يتم فيه التصدي لموجة كورونا الثانية، تواجه واشنطن قيادة سياسية غير فعالة مع مطالبة الرئيس علنًا بتقليص التدابير الاحترازية للحفاظ على الصحة العامة!، فضلا عن انعدام الوحدة وعدم توافق الآراء بين حكام الولايات؛ الأمر الذي جعل أمريكا من أعلى الدول في معدلات انتشار الفيروس.

{ انتهى  }
bottom of page