top of page
22/7/2020

تداعيات فيروس كورونا على اقتصادات الخليج

يُعد تفشي فيروس كورونا في أغلب دول العالم حدثا عالميا ذا تأثير عنيف، حيث أحدث تغييرا في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الطبيعية. وعلى الرغم من أن العالم قد أخذ خطوات جادة لتجاوز هذه الأزمة، فإن الآثار الاقتصادية القصيرة والطويلة الأجل بدأت تتضح، وتسبب قلقا كبيرا في الأسواق المالية العالمية، خاصة مع تقدير صندوق النقد الدولي، حجم الخسائر بحوالي 12 تريليون دولار، وهو ما يمثل ضربة كبيرة للاقتصاد العالمي، قد تمتد تداعياتها سنوات عديدة في المستقبل.

 

وباعتبارها واحدة من المناطق الاقتصادية الرائدة في العالم، تضررت منطقة الخليج مباشرة من الجائحة. ويعد الانخفاض الحاد في صادرات النفط أبرز محنة اقتصادية، فضلا عن انخفاض السياحة والاستثمارات الأجنبية، والذي يبعث على القلق أيضا مع ارتفاع معدلات الإصابة بالفيروس في المنطقة. وعلى الرغم من ذلك، نجحت دول مجلس التعاون في تحقيق الاستقرار الاقتصادي ودعم مواطنيها وشركات القطاع الخاص ماليا؛ بهدف تجنب المزيد من الضرر الاقتصادي.

 

وحتى يوم 18 يوليو تم تسجيل 1.346.982 إصابة بالفيروس، وأكثر من 20.000 حالة وفاة في الشرق الأوسط. وكما هو الحال في معظم أنحاء العالم ارتفعت حالات الإصابة في الأسابيع الأخيرة؛ بسبب حدوث موجة ثانية من الفيروس. وتشير صحيفة «جلف نيوز»، إلى أنه مع إجمالي 542.000 حالة، تمثل منطقة الخليج ما يصل إلى 53.7% من مجموع حالات الإصابة في الشرق الأوسط. وتعد المملكة العربية السعودية هي أكثر دول الخليج تضررا، وتعاني حاليا من 245.851 حالة إصابة. وأكدت قطر حتى الآن إصابة 106.308 حالات، وعُمان ما يقرب من 65.504. فيما سجلت الكويت 58.221, والإمارات 56.711, والبحرين 35.473. وعلى الرغم من هذه الأرقام المتعلقة بحالات الإصابة، ظل معدل الوفيات في جميع هذه البلدان منخفضا للغاية.

 

ومع ذلك، يعد معدل الوفيات -لكل مليون حالة- منخفضا للغاية في الخليج. وفي حين أن البلدان التي تعاني من الفيروس، مثل الولايات المتحدة، والبرازيل، وروسيا، كانت بطيئة في فرض تدابير الصحة العامة، فعّلت هذه الدول العديد من التدابير للحد من تأثيرات الوباء. وفي حين سجلت الولايات المتحدة ما لا يقل عن 420 حالة وفاة لكل مليون إصابة، يتراوح هذا العدد في منطقة الخليج بين (93) بالكويت، و(34) في الإمارات، أي حالة فقط لكل مليون إصابة. وفي 9 أبريل 2020 جعلت «البحرين» ارتداء الكمامات من قبل المواطنين والمقيمين في الأماكن العامة إلزاميا. وفي يونيو أغلقت «أبو ظبي» حدودها الداخلية لتنفيذ برنامج اختبار مكثف، كان نتيجته أن أصبحت الإمارات واحدة من أعلى معدلات إجراء الاختبارات للكشف عن الفيروس في العالم.

 

علاوة على ذلك، أظهرت دول الخليج جدية شديدة في التعامل مع تهديد الصحة العامة من خلال إصدار غرامات وعقوبات على مخالفي القواعد. ففي البحرين تم تسجيل 10.866 مخالفة عدم ارتداء الكمامات في الأماكن العامة، وفي السعودية أغلقت الحكومة 648 شركة لانتهاكها البروتوكولات الصحية الخاصة بـ«كوفيد19». وتتطلب هذه البروتوكولات من الشركات الالتزام بالإجراءات الوقائية، مثل تزويد الموظفين والعملاء بمعقم الأيدي، وفحص درجة الحرارة، واستخدام المطهرات. ويخضع أيضا الأشخاص الذين يخرقون قواعد التجمعات، الذي يعتبر انتهاكا لقواعد الصحة العامة، لغرامات قدرها 5.000 ريال سعودي بحد أقصى 100.000 ريال سعودي.

 

وفي حين أن استجابة الصحة العامة للجائحة تقدم وعدا بالنجاح في المستقبل، إلا أن التوقعات الدولية قصيرة المدى لاقتصاد الخليج ليست متفائلة بشكل كبير. ففي نهاية يونيو 2020 أصدر «صندوق النقد الدولي»، توقعات قاتمة لمستقبل اقتصادات الخليج. وتنبأت منظمة التمويل الدولية، بالانكماش المستمر لها بنسبة تصل إلى 7.6%. ويمثل هذا زيادة عن التوقعات السابقة، التي أشارت إلى حدوث انخفاض بنسبة 3% فقط في حجمها. وفي حين وافق «البنك المركزي البحريني»، على صحة توقعات صندوق النقد الدولي، جادل محافظ «مؤسسة النقد العربي السعودي»، «أحمد الخليفي»، بأنه يتوقع أداءً اقتصاديا أفضل في النصف الثاني من عام 2020, مما يتوقعه الصندوق، واصفا إياه «بأنه أكثر تشاؤما» من توقعات المملكة الخاصة.

 

ويتوقع «صندوق النقد الدولي» أن ينكمش الاقتصاد السعودي بنسبة 6.8% فقط في 2020, وهو انخفاض أكثر حدة بكثير من الانخفاض البالغ 2.3% الذي كان مُقدرا في أبريل. وأعلنت السعودية بالفعل عن حزمة تحفيز بقيمة 32 مليار دولار لمساعدة الشركات والعمال على النجاة من الآثار الاقتصادية للفيروس. وفي بداية يونيو وافق البنك المركزي أيضا على حزمة بقيمة 13.3 مليار دولار لدعم القطاع المصرفي في المملكة، الذي يعاني بسبب نقص الإنفاق الاستهلاكي بسبب الجائحة.

 

وكما هو الحال في السعودية استخدمت بقية دول الخليج احتياطياتها المالية لمساعدة مواطنيها وشركاتها. وفي الخامس من يوليو خسر «صندوق الاحتياطي العام» الكويتي 1.5 مليار دينار في ثمانية وثلاثين يوما فقط. ويعد هذا الصندوق محفظة الاستثمار الرئيسية في البلاد، والذي يخزن عائدات النفط ودخل الاستثمار. كما وافقت الحكومة على خفض ميزانية مؤسساتها عن عام 2020-2021 بنسبة 20% على الأقل وقامت وزارة المالية بتنسيق مراجعة معدل ومستوى الإنفاق على الخدمات العامة والإعانات والدعم. وعلق «طارق الصالح»، من وحدة البحوث الاقتصادية في «بنك الخليج»، على هذه الإجراءات بقوله: «عندما يكون الإنفاق الحكومي أعلى من الإيرادات يتعين علينا الأخذ من الاحتياطات النقدية.. نحتاج البدء في تنفيذ إصلاح طويل الأجل لتنويع إيراداتنا، وزيادة إجراءات الحوكمة، وخلق فرص عمل خارج القطاع العام من خلال دعم القطاع الخاص».

 

في غضون ذلك أضافت البحرين 470 مليون دولار لموازنتها لعام 2020 وخصصتها لنفقات الطوارئ المرتبطة بالوباء. ولتحقيق ذلك تم سحب 450 مليون دولار من صندوق الأجيال القادمة، والذي يعتمد أغلبه على عائدات الصادرات النفطية. كما أعلنت الحكومة، في نهاية يونيو، أنها ستدفع 50% من رواتب عمال الشركات الخاصة في القطاعات التي تضررت بشدة من التأثيرات الاقتصادية للوباء. واعتبارًا من شهر يوليو ولمدة ثلاثة أشهر قامت بتقديم مساعدتها للمواطنين الذين يدفعون فواتير الكهرباء والمياه. كما أنه بداية من أبريل إلى يونيو 2020.

 

وفي الإمارات أعلنت الحكومة عن تغييرات في هيكل مؤسساتها لخفض تكاليف الإنفاق مع خطط لدمج 50% من الوكالات الفيدرالية. ووصف رئيس الوزراء الإماراتي، الشيخ «محمد بن راشد آل مكتوم»، هذه المخاوف الاقتصادية بأنها «ذات أولوية استراتيجية قصوى» مع تعيين ثلاثة وزراء لإدارة حقيبة الشؤون الاقتصادية. فيما علق على إعادة الهيكلة الحكومية بقوله: «إن هدفنا في التغييرات الهيكلية هو أن تكون الحكومة أسرع في صنع القرار وأفضل في اغتنام الفرص والتعامل مع المرحلة الجديدة من تاريخنا».

 

وفي وقت الأزمات الكبرى تمثل الإجراءات المالية التي تتخذها دول الخليج عملية اقتصادية كبرى للحفاظ على نجاح المنطقة وازدهارها. وفي حين أن تلك الإجراءات ليست حلاً مثاليًا إلا أنه حل سيبقي اقتصادات هذه الدول مستقرة بما يكفي للتغلب على تداعيات انتشار الوباء. ومع ذلك فإن انخفاض العائدات النفطية قد يزيد من المخاوف الاقتصادية لهذه الدول. ووفقًا لـ«جهاد أزعور» من «صندوق النقد الدولي»، «ستنخفض عائدات النفط لدول الخليج بما يصل إلى 200 مليار دولار في عام 2020 على الرغم من جهود الحكومات لتنويع اقتصاداتها بعيدًا عن الاعتماد فقط على عائدات النفط».

 

وعلى نطاق واسع يمكن رؤية حاجة هذه الدول لاستئناف معدلات إنتاجها ومبيعاتها النفطية في قراري حكومتي السعودية والكويت باستئناف إنتاج النفط من حقل «الخفجي»، العملاق، بعد أن تم تقليص الإنتاج في السابق. علاوة على ذلك، وحتى قبل أن تضرب الجائحة الطلب العالمي من النفط، كان «صندوق النقد الدولي» يحذر من أنه «بدون إصلاح اقتصادي هائل في المنطقة بعيدًا عن الاعتماد على صادرات النفط، ستشهد دول الخليج انخفاضًا كبيرًا في حجم ثروتها المالية خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة».

 

وحتى مع وجود المحنة الاقتصادية العالمية للفيروس تمتلك دول الخليج أيضًا الفرصة لاتخاذ خطوات رائدة على مستوى العالم لتنشيط اقتصادياتها. وتسعى السعودية إلى ممارسة دور رائد عالميًا في تنشيط الاقتصاد بعد التخلص من الوباء. وفي أوائل يوليو أصدرت خطة من ست نقاط لبدء أعمال وأنشطة تجارية دولية بارزة. وتتكون «الخطة السعودية», التي تم تشكيلها بمساهمة 750 من قادة الأعمال العالميين، من إصدار توصيات سياسية بشأن تنمية وحماية رأس المال البشري. وفي الشؤون الاقتصادية يظل التعاون الدولي جزءا حاسما من هذه الخطة. وصرح رئيس مجموعة الأعمال (20B) لمجموعة العشرين، يوسف البنيان: «أن التعاون والتآزر بين الحكومات ومؤسسات الحوكمة العالمية والشركات يعد أمرا حيويا للتوصل إلى حل فعال في الوقت المناسب لهذه الأزمة متعددة الأبعاد التي تتجاوز الحدود». مضيفا أنه «يجب على المؤسسات الدولية والآليات المتعددة الأطراف التابعة لها الاستفادة بشكل إيجابي من الحكومات لخدمة مجتمعاتها ويجب تعزيزها حيثما كان ذلك ضروريًا أثناء الوباء وبعده».

 

وتمثلت الخطوات الرئيسية التي اتخذتها الدول الخليجية لاستعادة إمكاناتها الاقتصادية تحديدًا في إعادة فتح اقتصادياتها وعلاقاتها الدولية بالدول الأخرى، بالإضافة إلى الحد من القيود المفروضة على الصحة العامة. وكما هو الحال في العديد من البلدان الأخرى حول العالم بدأت بالفعل في رفع القيود والعودة إلى شكل من أشكال الحياة الطبيعية. وأنهت السعودية حظر التجول يوم 21 يونيو، بعد ثلاثة أشهر من تطبيقه على الرغم من استمرار القيود المفروضة على الرحلات الجوية الدولية والتجمعات الاجتماعية لأكثر من 50 شخصًا، بالإضافة إلى زيارات الحج الدينية، كما بدأت الإمارات في السماح للمواطنين بالسفر إلى دول تعتبر منخفضة الخطورة للفيروس، وفي 24 يونيو خففت «الهيئة الوطنية لإدارة الأزمات والكوارث والطوارئ» من القيود المفروضة على الصحة العامة.

 

وبشكل عام أحدث انتشار الفيروس انخفاضا كبيرا في المعدل المتوقع للنمو العالمي في عام2020. وفي حين نما الاقتصاد العالمي بنسبة 2.9% العام الماضي يتوقع المحللون أنه بحلول نهاية هذا العام سيكون النمو قد هبط إلى ما بين 1% و2%، اعتمادا على طول الوقت الذي سيستغرقه العالم للتعافي من آثار الفيروس. ومع الانتشار العالمي له منذ منتصف فبراير حتى الآن شهدت البلدان التي تأثرت بشدة به، بما في ذلك أمريكا والصين، وهما أكبر اقتصادين في العالم، بالإضافة إلى إيطاليا وبريطانيا وفرنسا وإسبانيا واليابان وغيرها؛ انخفاضا كبيرا في النمو، حيث توقف نشاط عدد من الصناعات الرئيسية.

 

على العموم، لا زالت الآثار الاقتصادية لوباء كورونا محسوسة في الخليج، كما هو الحال في جميع مناطق العالم الأخرى، إلا أنه حتى الآن أظهرت حكومات المنطقة قيادة وإرادة قوية في الحفاظ على اقتصاداتها، بل إن الجهود المبذولة لدعم المواطنين والشركات ستكون بمثابة شريان حياة للاقتصاد المحلي والدولي. وعلى الرغم من أن التأثير الاقتصادي طويل الأمد على الخليج لا يزال في نطاق التوقعات والتقييمات، فمن الواضح أنه يجب الحفاظ على المستوى الحالي من اليقظة الذي أبدته هذه الدول للحفاظ على الازدهار المستمر في منطقتها خلال فترة ما بعد كوفيد-19.

وفي ضوء هذه التطورات عقدت مؤسسة «هنري جاكسون» بلندن ندوة عبر الإنترنت بعنوان «بعد كوفيد-19.. إلى أين تتجه السياسة الخارجية البريطانية؟»؛ بهدف مناقشة المستقبل المحتمل لسياسة بريطانيا الخارجية، والتهديد الأمني الذي تمثله الصين لها، والقرار الأخير الذي اتخذته الحكومة بدمج وزارتي الخارجية والتنمية الدولية، لتصبح باسم وزارة الخارجية والكومنولث (رابطة الشعوب البريطانية) والتنمية. رأسها «جيمس روجرز»، مدير برنامج بريطانيا العالمي بالجمعية، وتحدث فيها ثلاثة أعضاء من البرلمان البريطاني، هم: «توم توغيندات» ممثل لجنة الشؤون الخارجية، و«توبياس إلوود» ممثل لجنة الدفاع في مجلس النواب، و«سارة تشامبيون» ممثلة لجنة التنمية الدولية.

 

في البداية، تحدث «توغيندات» عن الدور الدولي المستقبلي لبريطانيا، وأوضح أمله في «زيادة العلاقات الدولية» بين الدول الديمقراطية ذات التفكير المُماثل، وأن تلعب دورا عالميا رائدا، وتتفاعل مع الحكومات الأخرى لتأكيد دعمها المشترك لما أسماه «شبكة العنكبوت» للاتفاقيات المتعددة الجنسيات بين الدول بشأن الحريات والحقوق والتجارة. ومع ذلك، فقد وافق على أن اتباع هذا النهج الجريء يعني تحمّل بعض «المصالح الخاصة» لقوى عالمية كبرى أخرى مثل، الصين، والولايات المتحدة؛ لكنه اعترف بإمكانية التوجه نحو مزيد من القومية والعزلة بعد الجائحة.

 

وبالنسبة إلى ممثل لجنة «الشؤون الخارجية»، هناك حاجة ماسة إلى الأخذ بنهج واشنطن «المنفصل بشكل متزايد» في ضوء أن هذا ليس مجرد قرار لإدارة ترامب، ولكنه سمة طويلة المدى للسياسة الخارجية الأمريكية، وكان واضحا خلال كل من حكومتي أوباما، وبوش. لذلك، وفي غياب القيادة الأمريكية، أعاد «ممثل لجنة الشؤون الخارجية»، تأكيد الحاجة إلى «استراتيجية الشبكة» في العلاقات بين المملكة المتحدة والدول الديمقراطية الأخرى مثل، اليابان، وكوريا الجنوبية، والهند. في مثل هذا النظام، ستتعاون هذه الدول بشكل أكبر لضمان حرية ومصالح بعضها بعضا ومواجهة منافسيهم.

 

من جانبه، ناقش «إلوود» المخاوف الأمنية الحالية للمملكة المتحدة. ومن بين القضايا الأكثر إلحاحا بالنسبة إلى الأمن البريطاني «ازدياد طموح وعدوانية الصين»، التي أصبحت «أكثر قوة»، حيث لاحظ أن السماح لها بدخول منظمات عالمية مثل، «منظمات التجارة العالمية»، على أمل مساعدة تحولها لتكون دولة أكثر ديمقراطية وليبرالية قد فشل. وفي المقابل تمكنت من استخدام هذه المؤسسات لتعزيز استراتيجيتها الكبرى وتقويض الديمقراطيات الليبرالية، مشيرا إلى أن الوضع العالمي الحالي يشبه بشكل مثير للقلق ثلاثينيات القرن العشرين، من حيث «البنية الدولية العالمية غير القادرة على الفصل في النزاعات» في القضايا الجيوسياسية الرئيسية، لذلك رأى أن هذه «المعادلة المتقلبة» تخاطر بانزلاق العالم مرة أخرى إلى «نظام عالمي ثنائي القطبية»، حيث تهدد الصين بشكل مباشر مكانة الولايات المتحدة العالمية مثلما فعل الاتحاد السوفييتي من قبل.

 

ومن وجهة نظره، فإن اللوم على هذه المشاكل العالمية لا يكمن فقط في الصين، ولكن أيضًا في تراجع «الدول الغربية الديمقراطية تاركة الأنظمة الاستبدادية المناهضة للغرب تملأ الفراغات في السلطة»، مستشهدا بسوريا، حيث أثبتت روسيا نفسها كلاعب رئيسي في الشرق الأوسط بعد أن سحبت الولايات المتحدة جزءًا كبيرًا من قوتها ونفوذها من المنطقة. وفي ضوء هذه القضايا، اتفق «توغيندات»، مع «إلوود» على أن اتباع المملكة المتحدة نهج «الانعزال» سيكون خطأ، وأن هناك فرصة حقيقية «لتتبوأ المشهد» دوليًا. لكنّ الأخير أعرب عن قلقه من أن النهج الذي تتبعه في ظل وجود «بوريس جونسون»، يبدو أنه يتبع المثال الأمريكي بدلا من ذلك. ومع ذلك، لاحظ أنه إذا أرادت أن تؤكد نفسها أكثر، فستتطلع العديد من الدول إليها وتقتدي بها.

 

وفيما يتعلق بالمكاسب الدبلوماسية لبريطانيا من تنفيذ عملياتها الإنسانية والمساعدات؛ أوضحت «تشامبيون» أن هذا يعد جزءًا مهمًا في سياستها الخارجية، باعتباره «قوة ناعمة» ويمكن أن تكون أيضًا أداة دبلوماسية مهمة إذا اختارت القيام بدور رائد في الشؤون الدولية، مستشهدة بتقديم المساعدات للتطعيم ضد الأمراض لأكثر من 50 مليون طفل بين عامي 2015 و2017، ما أدى إلى إنقاذ ما يصل إلى 990.000 شخص، حيث لديها واحدة من أكبر ميزانيات المساعدة في العالم، ولديها 15 مليار جنيه إسترليني سنويًا لـ«المساعدات الإنمائية الرسمية». ومن هذا الرقم، تم التعهد بنسبة 73% لوزارة التنمية الدولية. ومع ذلك، تم إنفاق 100 مليون جنيه إسترليني أخرى من قبل العديد من الوكالات البريطانية. لكنها انتقدت كيفية تخصيص بعض هذه الأموال، حيث تدفع «وزارة الخارجية والكومنولث»، حاليًا للصين500.000 جنيه إسترليني سنويًا لتعزيز الديمقراطية، وهو أمر أبدت إحباطها منه بوضوح.

 

من ناحية أخرى، أوضحت أن الفيروس التاجي بدأ الآن في «السيطرة» على العالم النامي»، ما جعل هناك «نظرة قاتمة»، وباتت الحاجة إلى المساعدة الإنسانية ضرورة ملحة. وأكدت أن الجائحة تهدد بإلغاء 20 أو 30 سنة من الاستثمار البريطاني في العالم النامي، وأن الجماعات المتطرفة باتت تستغل بالفعل هذه التداعيات، وأن على المملكة المتحدة القيام بأكثر من المعتاد لمكافحة هذا التهديد الأمني المستقبلي.

 

وبصفتها رئيسة «لجنة التنمية الدولية» رأت أن التحرك المحلي لدمج وزارتي «التنمية الدولية»، و«الخارجية والكومنولث»؛ لتشكيل كيان واحد يهدد فعالية المشروع الإنساني البريطاني، مثلما تسببه القرارات غير المدروسة للحكومات التي تبدو وكأنها تقدم مُثلًا مختلفة لبريطانيا، حيث يتم تنفيذ القرار من دون وضع «استراتيجية شاملة» في الاعتبار. وفي وقت الأزمات الإنسانية الكبرى، فإن مثل هذا التغيير هو استهلاك غير ضروري للوقت والموارد التي يمكن استخدامها بشكل أفضل في مكان آخر.

 

وردا على سؤال «روجرز» عن جدوى مجموعة الديمقراطيات الرائدة «العشر»، والتي تعمل على غرار مجموعة الدول الصناعية السبع أو مجموعة العشرين؛ أعرب «توغيندات» عن دعمه لمثل هذا الإجراء؛ بدعوى أن بريطانيا لا تزال قوة عظمى في الدبلوماسية، وبالتالي فهي تتحمل مسؤولية استخدام هذا الوضع من أجل الرخاء. وفي ظل المناخ العالمي الحالي، هناك «فرصة حقيقية» لها للاضطلاع بدور قيادي عالمي بالنظر إلى «انسحاب» واشنطن والحاجة إلى مواجهة «المحاولات المتعمدة» من قبل الصين لتقويض الديمقراطيات الليبرالية.

 

وحول مدى حاجة المملكة المتحدة لإعادة الاستثمار في قدراتها الدفاعية لمواجهة التفوق العسكري الصيني، بدا «إلوود»، مُصرا على أن لندن بحاجة إلى مواصلة الاستثمار في «قوتها الصلبة». وزعم أن نسبة الـ2% المخصصة من الناتج المحلي الإجمالي والتي تنفقها حاليًا على «قطاع الدفاع»، معرضة للتهديد نظرًا للمشكلات الاقتصادية التي تمر بها البلاد. مضيفا أنه على الرغم من أنها تمتلك معدات عسكرية عالية التقنية، فإنها لا تمتلك نفس الحجم العسكري كما كانت في السابق، مستشهدا بحالة البحرية الصينية، التي تتوسع بحجم البحرية البريطانية كل عام. ومع ذلك، مازالت في مخيلة الجيش البريطاني أسطورة إمبراطوريته بأنه بإمكانه «أن يقاتل ما يفوقه قوة وعدة».

 

وردا على سؤال، بشأن قيام بعض الدول بـ«تسليح» مساعداتها؛ بمعنى أنها تقدمها لدول نامية أمام قيام الأخيرة بشراء أسلحتها، وكيف يمكن لبريطانيا مواجهة ذلك؛ أوضحت «تشامبيون» أن النموذج الصيني لعرض «المساعدات» يعتمد في المقام الأول على ترك «بصمة» أو موطئ قدم «صينية» في العديد من البلدان النامية. وبينما تظهر تلك المساعدات في شكل مشاريع بنية تحتية جديدة، فإنها وفقا لها ترتقي إلى «شراء قطعة من هذا البلد الذي تقدم له المساعدة»، وخاصة في ضوء أن الغرب «جلس» وترك ذلك يحدث.

 

وكان من ضمن الأسئلة ما يتعلق بالموقف تجاه التوسع في قدرات الناتو وأعضائه في ظل قبول انضمام عدد من الدول الآسيوية بما تتمتع به من إمكانات. ووافق «توغيندات» على الحاجة إلى وجود تعاون أوثق مع حلفاء بريطانيا البارزين مثل اليابان وكوريا الجنوبية، بالإضافة إلى دول محايدة مثل الهند. ومع ذلك، ظهر هذا التعاون بين أعضاء الناتو فيما يتعلق بمشكلة تايوان، ولا سيما أن هذه المشكلة قادرة على خلق مواجهة مباشرة مع الصين. وأضاف «إلوود»، أنه يؤمن بأن يظل الناتو «مشروعًا أوروبيًا»، بالنظر إلى التهديد المستمر من روسيا، مسلطا الضوء على قرار «ترامب» بسحب القوات من أوروبا، معتبرًا إياها علامة مقلقة على انخفاض الالتزامات الأمريكية تجاه الحلف؛ وبالتالي يحتاج الأخير إلى تجنب حالة التشتت التي تعتري أعضاءه البارزين. كما رأت «تشامبيون» أن دولًا مثل سنغافورة حريصة جدًا على تكوين «شراكات جيوسياسية»، أوثق، وبالتالي لم تعارض توسع الحلف في نطاق قدراته وأعضائه.

 

وكان هناك سؤال آخر حول نقاط القوة التي تتمتع بها بريطانيا، مقارنة بالتفوق العسكري للولايات المتحدة، والقوة الاقتصادية للصين. ورد «توغيندات»، بأن القوة الحقيقية لها تكمن في نفوذها الدبلوماسي وقوتها الناعمة، ومكانتها المرموقة في المنظمات الدولية مثل، الناتو والأمم المتحدة، موضحا أن القانون الدولي أسهم في تعزيز هذا الدور، ولا سيما مع تدرب العديد من القضاة البارزين عالميًا تحت أروقة محاكمها العريقة وتعلمهم كل الأساليب ومناحي الحياة البريطانية، مؤكدا أن «العماد» الذي قام عليه النظام السياسي الدولي أسهمت لندن بشكل كبير في رسم ملامحه وبنائه. فيما أضافت «تشامبيون» أن قوتها الدولية، تكمن في جهود «مساعداتها الإنسانية»، و«نظامها البرلماني»، مشيرة إلى نفوذها داخل دول الكومنولث بالمقارنة مع نظرائها من الدول الأخرى. في حين أشار «إلوود» إلى أنها لا تزال لديها قدرة دفاعية، ولا تزال تمتلك تفكيرًا استراتيجيًا متفوقًا، مستشهدًا بأن الولايات المتحدة «تحب وجود بريطانيا على الطاولة» بسبب خبرتها في التعامل مع العديد من حالات الطوارئ والحرب.

 

ودار السؤال الأخير حول ما إذا كانت السياسة الخارجية لبريطانيا يمكن أن تظل تتسم بالفاعلية مع وجودها خارج الاتحاد الأوروبي. ورد «توغيندات»، أن الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة يحافظان على وجود علاقة تتصف بالأهمية. وبإمكان الأخيرة الحفاظ على نفوذ سياستها الخارجية مع بقائها خارج المنظمة، وذلك بالنظر إلى الوضع الدائم لها في مجلس الأمن وعلاقاتها الدبلوماسية القوية مع العديد من البلدان. علاوة على أن هناك إمكانات هائلة لتحسين علاقات العمل للمملكة مع الدول الناشئة مثل الهند ونيجيريا.

 

 بشكل عام، قدمت الندوة عرضًا شاملا للشواغل المستقبلية التي تواجهها بريطانيا في الشؤون الدولية في عالم ما بعد كورونا، من خلال مناقشتها مجموعة واسعة من القضايا، بما في ذلك التهديد الذي تمثله الصين، والمسار المستقبلي لسياستها الخارجية، وسبل تقديم المساعدات الإنسانية، وكانت توقعات المشاركين مختلطة، فمنهم من أدرك أن لدى بريطانيا الفرصة لممارسة جهود إيجابية في نطاق الشؤون الدولية، ومنهم من كانت توقعاتهم واقعية بأنها يبدو أنها ستعطي أولوية كبرى للاهتمام بالشؤون الداخلية. وفي ظل غياب الولايات المتحدة عن موقع قيادة العالم، وعدم رغبة المملكة المتحدة في سد الفجوة التي خلفتها، فإن احتمال زيادة الهيمنة الصينية وتراجع قوة الدول الغربية يبدو احتمالا مرجحًا.

{ انتهى  }
bottom of page