top of page
28/7/2020

قراءة في أبعاد وتداعيات حادثة طائرة ماهان الإيرانية

أعاد اعتراض سلاح الجو الأمريكي طائرة ركاب إيرانية فوق الأجواء السورية التوتر مجددا بين الولايات المتحدة وإيران بعد فترة من الهدوء النسبي. وفيما تدعو الأخيرة إلى تحقيق دولي، تبرر واشنطن موقفها بأن ما قامت به كان وفقا لـ«المعايير الدولية»، في الوقت الذي تشير فيه الطبيعة المتوترة للعلاقة الجيوسياسية بين البلدين إلى أن أي حادث بينهما قد يكون حافزا على مواجهة خطيرة ومهمة في الشرق الأوسط.

 

وقعت الحادثة مساء الخميس 23 يوليو، عندما اعترضت مقاتلتان أمريكيتان من طراز F-15 مسار طائرة ركاب إيرانية كانت متجهة من طهران إلى بيروت أثناء تحليقها جنوب غرب سوريا؛ ما أثار حالة من الذعر بين الركاب وأجبر قائد الطائرة رقم (1152) التابعة لشركة «ماهان»، على الهبوط السريع، ليتسبب ذلك في إصابات طفيفة بين الركاب.

 

وفي واقع الأمر، هناك حالة من عدم اليقين حول الحادث وتبعاته. وتصف البيانات المقدمة من موقع «فلايت رادار 24» -والذي يتتبع الحركة الجوية حول العالم في الوقت الفعلي- تحركات الرحلة على الارتفاع والانخفاض الحاد الذي قام به قائد الطائرة في فترة زمنية قصيرة، بأنها مؤشر على أن الطيار أجرى تغييرا كبيرا في الاتجاه لتجنب طائرة أخرى.

 

وفي تفسيرها للحادث، قالت مجموعة مراقبة الطائرات، «بلان سبوترز»: إن «الطيار أجبر على زيادة الارتفاع فجأة بمقدار350 قدما لتجنب الطائرات المعترضة، مما أدى إلى حالة الاضطراب داخل الطائرة». وزعمت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إيرنا»، أن الطائرة الإيرباص إيه 310، قد اضطرت إلى تغيير ارتفاعها ردا على اقتراب الطائرات المقاتلة الأمريكية للغاية منها. وذكرت صحيفة «الإندبندنت»، أن تسجيل فيديو من داخل الطائرة أظهر الركاب وهم «يصرخون في رعب» و«يصلون» أثناء تدلي أقنعة الأكسجين. وفي نهاية المطاف، هبطت الطائرة الإيرانية في لبنان بسلام، وبعد إعادة التزود بالوقود عادت إلى طهران. وبحسب رئيس مطار بيروت: فإن «جميع الركاب بحالة جيدة، لكن بعضهم أصيب بجروح طفيفة، غير أن معظمهم قد عانى من الصدمة والخوف».

 

في أعقاب ذلك، ألقت إيران باللوم على إسرائيل في هذه الحادثة. ومع ذلك، صرحت الأخيرة بأنها «لا علاقة لها بالحادث». غير أنه في وقت لاحق، أكد الجيش الأمريكي مسؤوليته عن اعتراض الطائرة الإيرانية، لكنه نفى أن تكون طائراته هي المسؤولة عن الإصابات التي وقعت على متنها، موضحًا أن الاعتراض تم وفقًا للمعايير الدولية. ودافع المتحدث باسم «القيادة المركزية الأمريكية»، عن عملية الاعتراض بقوله: «أجرت طائرة أمريكية من طراز إف-15 مهمة جوية روتينية بالقرب من حامية التنف في سوريا فحصا بصريا قياسيا لطائرة الركاب على مسافة آمنة تبلغ حوالي 1.000 متر من الطائرة، وبمجرد أن تم تحديدها على أنها طائرة ركاب ابتعدت المقاتلة عنها بأمان». وعلى الرغم من ذلك فإن روايات الركاب على متن الطائرة لا تتطابق مع الرد الرسمي للجيش الأمريكي. وبدلا من ذلك، ذكروا أن «إحدى الطائرات الأمريكية قد اقتربت بمسافة 100 متر من طائرتهم.

 

وفي المقابل، جاء الرد الإيراني عبر مستويات عدة، حيث وصفت «وزارة الإعلام» الحادثة بـ«إرهاب الدولة»، وأكدت «الخارجية» أن طهران «لن تقف مكتوفة الأيدي وستتخذ ردا حازما وقويا وستبدأ خطوات سياسية وقانونية»، معلنة أنها ستقدم شكوى إلى الأمين العام للأمم المتحدة. وأوضح المتحدث باسم الوزارة: أنه «في حال وقوع أي حادث لهذه الطائرة، فإن إيران ستحمّل واشنطن المسؤولية». فيما انتقدت «منظمة الطيران المدني»، التفسير الأمريكي، بقولها:«إن اعتراض الطائرات المدنية يمثل انتهاكا واضحا للقانون الدولي ومعايير ولوائح الطيران». كما أعلنت أنها قدمت شكوى إلى المنظمة الدولية للطيران المدني (ايكاو). في حين وصف وزير «الطرق والتنمية العمرانية»، الحادثة بأنها، «تعد خطوة غير قانونية وغير إنسانية».

 

وفي الوقت الذي كان فيه تخفيف التصعيد مطلوبا لتجنب مواجهة أكثر أهمية، بدا كبار المسؤولين الإيرانيين مترددين في الدعوة إلى التهدئة. وقال مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني، في تهديد غير مباشر للأمن القومي الأمريكي: «من يهتم بحياة قادته عليه ألا يغامر بحياة مسافرينا». واتهم المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور، الولايات المتحدة بارتكاب «عمل إرهابي»، ودعا إلى «مقاضاتها قانونيا.. وفضلا عن ذلك الرد بالمثل». كما هاجمها وزير الخارجية الإيراني، بقوله: إن «واشنطن تحرشت بطائرة ركاب مدنية مما عرض الركاب الأبرياء للخطر بزعم حماية قواتها المحتلة.. يجب وضع حد لهذه الأفعال الخارجة عن القانون قبل وقوع كارثة».

 

ووفقا للعديد من المحللين فإن السبب الأكثر ترجيحًا لاعتراض الولايات المتحدة الطائرة الإيرانية تتعلق بقرب مسارها من قاعدة عسكرية أمريكية في جنوب غرب سوريا. وتتمركز القوات الأمريكية التي تقاتل «داعش» في قاعدة «التنف» منذ عام 2016، بالقرب من الحدود السورية مع الأردن والعراق. وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت من قبل أن هذه المنطقة غير متنازع عليها. وفي وقت سابق، اتهمت وزارة الدفاع الروسية هذه القاعدة بلعب دور مشبوه في سوريا، وأنها أصبحت «ثقبًا أسود بطول 100 كيلومتر» -بحسب تعبيرها- بعد أن باتت «تخرّج مجموعات إرهابية» تقاتل في صفوف داعش.

 

في غضون ذلك، كانت هناك تأكيدات غربية بمساعدة شركة «ماهان إير» لإيران في أعمالها العدائية في الشرق الأوسط، وتعرضت الشركة التي تأسست عام1991، لعقوبات أمريكية منذ عام 2011، حيث تم اتهامها بدعم قوات الحرس الثوري الإيراني ماليا ولوجيستيا وتكنولوجيا. وفي عام 2019، تم حظر تشغيلها في العديد من البلدان الأوروبية، كما اتهمتها إسرائيل والولايات المتحدة بتزويد المسلحين والمقاتلين المرتبطين بإيران بالأسلحة في الشرق الأوسط.

 

ومع ذلك، فإن طبيعة هذا الاعتراض تثير تساؤلات حول أنه لا توجد حاجة إلى تصعيد التوتر بلا داعٍ مع طهران في الوقت الحالي. وعلى الرغم من أن الأخيرة رفضت تهدئة الوضع لتجنب التصعيد غير الضروري للتوترات في المستقبل القريب، فإنه يجب أيضًا توضيح أن الجيش الأمريكي أجرى عملية، سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة، فإنها من المحتمل أن تؤدي إلى مزيد من الأعمال غير الشرعية العدائية الإيرانية في الشرق الأوسط.

 

ومنذ أن فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 2018، العقوبات على إيران عقب انسحابه من الاتفاق النووي الإيراني، اشتدت الأعمال العدائية بين الجانبين، والتي من بينها: الاعتداءات الإيرانية على ناقلات النفط في مياه الخليج وفي مضيق هرمز، وعلى منشآت النفط السعودية، وإسقاط طائرة أمريكية من دون طيار، وزيادة الوجود البحري الأوروبي والأمريكي في المنطقة، واغتيال واشنطن لقائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني في يناير 2020، وما تبعه من ردود أفعال إيرانية ثم رد واشنطن عليها؛ ما جعل المراقبين يتوقعون أن أي هجمات أخرى قد تؤدي إلى صراع إقليمي في الشرق الأوسط.

 

من ناحية أخرى، تأتي التحركات الأمريكية في الوقت الذي بات فيه معروفًا للجميع مدى خطورة اشتباك القوات العسكرية مع الطائرات المدنية في السنوات الأخيرة في ضوء عواقبها المأساوية. وفي يناير 2020، أسقطت إيران طائرة ركاب أوكرانية كانت قد غادرت من طهران، معتقدة أنها ستكون ضربة انتقامية للولايات المتحدة في أعقاب تصاعد التوترات بين البلدين حول العراق؛ مما أسفر عن مقتل 176 راكبًا كانوا على متنها. ولطالما كانت هناك حوادث تم تفاديها منعًا لوقوع تداعيات كارثية هائلة؛ حيث كانت هناك رحلات قادمة من طهران إلى دمشق، ومع وجود الأسلحة السورية المضادة للطائرات لحدث ما لا يحمد عقباه.

 

وتعيد الحادثة الأخيرة إلى الأذهان مأساة الطائرة المدنية الإيرانية (655)، التي أسقطتها الولايات المتحدة عام 1988 فوق الخليج العربي أثناء توجهها إلى دبي، ما أدى إلى مقتل ركاب الطائرة وعددهم 290 شخصًا. وبررت أمريكا حينها بأن طاقم السفينة التي أطلقت الصواريخ حدد طائرة «إيرباص» المدنية على أنها المقاتلة الإيرانية F-14، معتبرة أن طاقم الطائرة لم يستجب للمطالب المتكررة بتغيير المسار. وهو حادث مأساوي جرى على خلفية توتّر عالمي شبيه بما يحصل حاليا، أثناء الحرب العراقية-الإيرانية، وبعد اصطدام مدمرة أمريكية بلغم إيراني.

 

ومع وضع كافة الحوادث السابقة في الاعتبار، بالإضافة إلى الحادث الأخير، فإنه يجب طرح أسئلة جدية حول سبب استمرار تحليق الطائرات المدنية فوق المجال الجوي السوري في ظل انعدام الأمن. علاوة على ذلك، فإن واشنطن لا تدعم في الوقت الراهن إثارة حفيظة إيران، خاصة مع قرب الانتخابات الأمريكية في نوفمبر. يقول «بورزو دراغي»، في صحيفة «الإندبندنت»: «لم يخرج البنتاجون حتى الآن ليوضح أي نوع من التربص الذي مارسته المقاتلات الحربية في ظل سرعتها الفائقة بطائرة مدنية، ترى ما الذي رأته تلك المقاتلات مريبًا في هذه الطائرة».

 

على العموم، إن قرار واشنطن باعتراض طائرة «ماهان إير» الإيرانية قد يكون له عواقب أمنية كبرى على المنطقة، ولا سيما أنه أصبح على إيران الآن توخي الحذر أو توجيه رد انتقامي. وعلى الرغم من أن تصريحات مسؤوليها لا تتحدث عن مثل هذا الاحتمال في المستقبل القريب؛ إلا أنه بالنسبة للشرق الأوسط ومنطقة الخليج، فإن أي تزايد في مستوى الأعمال العدائية الإيرانية والجهود المبذولة من جانبها لتقويض الشؤون الداخلية لدول أخرى ذات سيادة سيمثل بدوره تصعيدًا غير مبرر للتوترات القائمة في المنطقة.

 

ووسط تصاعد التوترات بين طهران وواشنطن ستمضي واشنطن في تحركاتها الفعلية لخنق النظام الإيراني وكسر شوكته، بينما تشير طهران إلى استخدام أوراق ضغط غالبا لا تملكها، معتمدة على سياستها القديمة في إطلاق التصريحات.

{ انتهى  }
bottom of page