top of page

مقالات رئيس المركز 

د. عمر الحسن

Picture No.3.JPG
12/8/2020

تركيا والخطوط الحمراء العربية

كثيرة هي التدخلات التركية في الشؤون الداخلية للدول العربية، إذ تنوعت وسائلها ما بين استخدامها القوة الصلبة؛ العسكرية والاقتصادية، أو القوة الناعمة من خلال مؤسسات وجمعيات خيرية، أو استضافة ودعم العديد من الأفراد المطلوبين لحكوماتهم والجماعات المعارضة، وهي وسط كل ذلك لا تخفي أطماعها في أن تجعل من العالم العربي منطقة نفوذ تركية، تحرك أحداثه رغم كل ما يواجهها من مشاكل وتحديات، وفشل بقيادة «حزب العدالة والتنمية»، الذي تعرض لانشقاق بعض قياداته الرئيسية والأساسية احتجاجا وتحفظا على ممارسات رئيسه، «رجب طيب أردوغان»، وفشله في إدارة الأزمات التي واجهت بلاده في الداخل والخارج.

 

وبهذه التدخلات، تتجاهل تركيا قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (36/103)، لعام 1981، الذي نص على أنه «لا يحق لأي دولة أن تتدخل في الشؤون الداخلية والخارجية لأي دولة، ولا أن تهدد باستعمال القوة أو تستعملها ضد سيادة الدول الأخرى، لأن مثل هذا التدخل يهدد الأمن والسلم الدوليين)، وهو ما يعني أن تدخلها في الشؤون الداخلية للدول العربية يتعارض مع مبادئ القانون الدولي، ولا أسس له في العلاقات الدولية التي لها منهجية رصينة لا تدار بالتهديد والوعيد ولا بأسلوب البلطجة السياسية.

 

وبنظرة سريعة إلى المشهد التركي الداخلي، نلاحظ أن أنقرة لديها مشاكل كثيرة لا تحصى، وهو ما يستلزم التركيز عليها ومحاولة حلها، بدلا من التدخل في شؤون الآخرين، فهي عاجزة عن حسم ملف «حزب العمال الكردستاني»، وهي حركة كردية مسلحة تأسست عام 1978، وتقاتل من أجل حقوق الأكراد منذ عام 1984، ومازالت هناك مواجهات فاشلة معها منذ ما يقرب من أربعة عقود. وفي عهد الرئيس «تورغوت أوزال» عام 1993، كانت هناك محاولات لإجراء مفاوضات مع قادة الحركة، لكنها فشلت، وتكررت في عهد «أردوغان» عام 2009، واستمرت حتى عام 2015، ولكنها فشلت أيضا.. بمعنى آخر فشلت الحلول السياسية، وكذلك العسكرية، التي تقدر كلفتها السنوية بالمليارات، ما تسبب في إيجاد شرخ اجتماعي بين السكان الأكراد والقوميين الأتراك.

 

وتزداد الأحداث تعقيدا، إذا نظرنا إلى مشاكلها مع السكان الأرمن والعرب، وغيرهم من الأقليات العرقية والدينية. ومع هذا الوضع الداخلي من اقتصاد ضعيف، وانهيار للعملة، وملاحقة كتاب الرأي والفكر وإرهاب المعارضة، وإسكات أصواتها، والكثير من المشاكل الداخلية الأخرى، يحق لنا أن نسأل الرئيس «أردوغان».. كيف لدولة فاشلة في حل مشاكلها أن تتحرك في دوائر متقاطعة ومتعددة في عدة عواصم عربية، وتحاول أن تكون لاعبا قويا ومؤثرا في الإقليم وتتدخل في شؤون غيرها من دول المنطقة.

 

في واقع الأمر، كانت الانتكاسات المتتالية، التي شهدها الحزب الحاكم في تركيا، وراء محاولات أنقرة تصدير أزماتها المشار إليها إلى الخارج، حيث سعت إلى توجيه أنظار مواطنيها إلى مكان آخر، وهو ما نشاهده في التهديدات التي يطلقها السياسيون الأتراك بين الحين والآخر، ولعل آخرها، تهديدات وزير الدفاع، «خلوصي أكار»، بشكل فاضح لدولة الإمارات، والتي تجاوزت كل الأعراف والقوانين والعلاقات الدولية، والتي جاءت في المقابلة التي أجرتها معه قناة الجزيرة القطرية، وهو بذلك يتجاهل الدعم العربي والدولي الذي تتمتع به الإمارات، أي إنها لن تكون وحيدة في مواجهة هذا الصلف والغرور والممارسات غير المسبوقة. هذا الموقف يذكرني بالاستعلاء والغرور والعنجهية التي تظهر بين الحين والآخر من قبل «أردوغان»، وحاشيته، والذي خاطب رئيس وزراء العراق في إحدى المرات قائلا: «أنت لست من مستواي» وهو ما يدل على الشعور بالنقص وعدم الثقة بالنفس.

 

وعلى خلفية هذه التهديدات، دعا وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتية، «أنور قرقاش»، تركيا إلى وقف التدخل في الشأن العربي والتخلي عن الأوهام الاستعمارية، وحذرها من أن: «العلاقات لا تدار بالتهديد والوعيد ولا مكان للأوهام الاستعمارية، وأن أجندتها لن تنطلي على العرب والمجتمع الدولي، وأن تصريحه الاستفزازي سقطة دبلوماسية جديدة لبلاده». لم تكتف تركيا بتهديدات وزير الدفاع، بل دخل على الخط، رئيس البرلمان، «مصطفى شنطوب» لنتعرف على العقد النفسية من جديد من خلال هجومه على «قرقاش»، بالقول: إن «تصريحاته أكبر من حجمه وحجم دولته»، مضيفا كذبا، أن «تركيا رسخت مبدأ أن سوريا للسوريين، وليبيا لليبيين، والعراق للعراقيين، وأن شعوب المنطقة قادرة على حل مشاكلها الداخلية بالحوار وبسلام بنفسها، وأن أدوات القوى الأجنبية في المنطقة لن يكون لهم أي دور».. إذا كان الأمر كذلك لماذا تتدخل تركيا إذا في شؤون الدول العربية الداخلية؟

 

وردا على هذا الصلف التركي، ودعما لدولة الإمارات الشقيقة، أكد بيان لوزير الخارجية البحرينية، «عبد اللطيف الزياني»، وقوف البحرين إلى جانب الإمارات، مستنكرا تصريحات وتهديدات تركيا التي وصفها بـ«العدائية».

 

إن أطماع تركيا في غزو ليبيا معروفة، وهي السيطرة على ثرواتها ونفطها، ولهذا قامت بنقل أكثر من 20 ألفا من المرتزقة والمليشيات إلى هناك، وسعت إلى تطوير الصراع من أجل أن يكون لها وجود استعماري ليس فقط في ليبيا، بل وفي المنطقة المغاربية، وفي الجنوب الإفريقي، حيث تمتد علاقاتها بالتنظيمات الإرهابية وتمويلها من خلال شبكات التجنيد وتحركات اقتصادية ومالية في معظمها غير مشروعة والتي تتم تحت تحركات وهمية.

 

ومن المفارقات الغريبة، أن تركيا تتذرع بأن تدخلها في ليبيا يرجع إلى وجود مليون ليبي -رقم مشكوك فيه- من أصول تركية يستحقون دعمها والتدخل لنجدتهم والوقوف إلى جانبهم. ومع ذلك، فإن الحرب في ليبيا لم تعد شأنا خاصا بدولة منفردة، وإنما هي جهود دولية تتحرك من أجل هدف واحد هو إعادة الأمن والأمان إلى الدولة، مع أن التحرك التركي المنفرد بدعاوى باطلة حيلة لم تنطل على دول العالم التي سارعت إلى التنديد به؛ لأن ما تشهده ليبيا اليوم هو عدوان مكتمل الشروط وانتهاك يستوجب تحركا عربيا سريعا ليعيد لليبيا الأمن والسلام.

 

وواضح أن ليبيا ليست جارة لتركيا -كما يزعم قادتها- فهي تبعد عنها آلاف الكيلومترات ويفصلها عنها بحر، أما مصر فهي ملاصقة لها، ويربطها بها علاقات دم ومعاهدة ومصير واحد، لهذا فإن دعم تركيا      -المعادية لمصر- لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، قد وضعها في مواجهة مع القاهرة التي تدعم الجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير «خليفة حفتر». ومع تصاعد النزاع، كثفت تركيا دعمها العسكري والمادي والمعنوي لحكومة الوفاق.

 

ونتيجة لهذا التصعيد، اتهمت مصر تركيا بنقل عناصر متطرفة إلى ليبيا، وانتقدت عملياتها باعتبارها تهديدا واضحا للأمن القومي والعربي. وقررت ردا على ذلك دعم الجيش الوطني لوقف الهجوم على مدينة «سرت»، ذات الأهمية الاستراتيجية، والجفرة، والذي اعتبرته «خطا أحمر»، و«حقا سياديا» في مواجهة أمنها وسلامة أراضيها وشعبها. ودعما لهذه الخطوات، وافق مجلس النواب المصري في20 يوليو على إرسال عناصر من القوات المسلحة في مهام قتالية خارج الحدود للدفاع عن الأمن القومي. وعلى الرغم من أن تركيا تعتقد -وفقا لما قاله «متين جوركان» من موقع «المونيتور»- فإن «ضربة جوية مصرية إماراتية ممكنة لإيقاف قوات طرابلس المدعومة من تركيا من الاستيلاء على مدينة سرت».

 

وبالانتقال إلى سوريا، حيث يعد وجود تركيا هناك أبرز مثال على محاولة مد نفوذها خارج حدودها. ومع بداية النزاع عام 2011، كانت واحدة من أكثر الداعمين التزاما بدعم أهم فصائل المعارضة، وهو «الجيش السوري الحر»، بالتمويل والمعدات العسكرية والدعم السياسي؛ بهدف الإطاحة بالنظام السوري، حتى أصبح تحت التأثير المباشر لها. وبحلول أكتوبر 2019، تم تغيير اسمه إلى «الجيش الوطني السوري». وكان يضم 14.000 جندي أصبحوا الآن يقاتلون إلى جانب الجيش التركي النظامي، الذي بدأ تدخله العسكري في سوريا لمواجهة القوات الكردية على طول الحدود التركية- السورية؛ بذريعة أن وحدات قوات سوريا الديمقراطية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني. ولأغراضها الأمنية الخاصة، سعت إلى تقسيم شمال سوريا بالاتفاق مع موسكو. وبعد انسحاب الولايات المتحدة من شمال سوريا في أكتوبر2019، شنت تركيا هجوما أدى إلى تشريد القوات الكردية الموجودة هناك. وفي أوائل مارس 2020، قامت بهجوم آخر استهدف هذه المرة الجيش السوري. وبحلول أغسطس 2020، أصبح وجود القوات التركية بشكل كبير في شمال سوريا، وبعد أن تراجعت كل من القوات الحكومية الكردية والسورية لا يبدو أن أردوغان سيتخلى عن وجوده هناك في أي وقت قريب.

 

وفي لبنان، وجدت تركيا في ضعف القيادة السياسية هناك بيئة مناسبة في دعم الأقلية التركمانية اللبنانية وبتعزيز نفوذها بين الطائفة السنية في الشمال في مدينة طرابلس وفي الجنوب في مدينة صيدا، وفق آليات عدة من ضمنها:

 

1- إنشاء مراكز ثقافية لتعليم اللغة التركية والترويج للثقافة التركية وتقديم المنح الدراسية وإقامة مركز ثقافي تركي في بيروت.

 

2- إقامة الجمعيات الخيرية، حيث وظفتها تحت شعار المساعدات الإنسانية والمشاريع الإنمائية.

 

وهو ما جعل اللبنانيين يتخوفون من تغلغل تركيا في بلدهم ومجتمعهم وتخوف عدد من الدول العربية من أن تركيا تسعى للدخول إلى لبنان بالاعتماد على تناقضات الحالة السنية والشيعية لتثبيت نفوذها مع أن الداخل اللبناني لا يحتمل المزيد من تعقيدات الملف الطائفي ولا تعميقه بتدخلات تركية واضحة المضمون والأهداف.

 

وبالإضافة إلى وجودها في ليبيا وسوريا ولبنان، توجد أيضا في منطقة الخليج، عبر قطر من خلال اتفاقات تعاون عسكرية واقتصادية وثقافية. وتمثل قاعدة «الريان» القطرية أول وجود عسكري لها في المنطقة، والتي تسمح لها بنشر آلاف من جنودها هناك، وقد سمحت لها هذه العلاقات بتعزيز نفوذها العسكري من دون تنسيق من قبل قطر مع أشقائها في دول مجلس التعاون، مخالفة بذلك النظام الأساسي للمجلس. وفي مقابل ترسيخ التنافس مع دول الخليج ومصر، سعت تركيا إلى بناء علاقات أوثق مع إيران، وزاد كلا البلدين من تعاونهما العسكري مستهدفين المقاتلين الأكراد، وسعت إلى استخدام العوامل الاقتصادية لزيادة نفوذها في إيران، بزيادة حجم تجارتها معها بمقدار 30 مليار دولار.

 

ولم يكن التدخل التركي في العراق خافيا على أحد، فقد تبنت الحكومات التركية المتعاقبة منذ عام1991، الخيار العسكري للمشكلة الكردية في جنوب شرق تركيا وداخل العمق العراقي؛ بحجة مطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني، وهو ما أدى الى اجتياحات تركية مستمرة للعراق منذ ذلك الوقت، ولم يكتف الأتراك بذلك، بل يتواجدون حاليا في قواعد عسكرية بحجة ملاحقة عناصر الحزب ورصدهم. ويثير دخول القوات التركية الأراضي العراقية تساؤلات، حيث يعد انتهاكا لسيادتها، الأمر الذي دفعها إلى رفع شكوى رسمية بشأن ذلك إلى مجلس الأمن.

 

لكن المتابع، للتحركات التركية يعي جيدا أن الأمر لم يقتصر على ذلك، حيث امتد نطاق التوسع العسكري إلى ما هو أبعد من منطقة الشرق الأوسط ذاتها، حيث شكلت وجودًا وموطئ قدم لها في شرق إفريقيا. في يوليو 2016، فأنشأت قاعدة عسكرية بقيمة 50 مليون دولار في الصومال تطل على خليج عدن، ذي الأهمية الاستراتيجية؛ حيث يمثل الطريق الرئيسي لتجارة النفط العالمية. ومع إدراكها تداعيات الصراع الليبي الراهن وأهمية التوسع التركي المتزايد في العالم العربي في السنوات المقبلة، تحاول أنقرة اكتساب علاقات مواتية ووثيقة مع مختلف حكومات دول شمال إفريقيا الأخرى.

 

على العموم، لا يمكن الاستخفاف بما تقوم به تركيا ورئيسها من دور غير مقبول في المنطقة العربية، فتوغلها في سوريا وفي ليبيا والعراق وتدخلها في الخليج وتحالفها مع إيران التي تهدد أمن دول مجلس التعاون، واحتضانها الجماعات المعارضة والمحكومين في دولهم، ولعب دور إقليمي أكبر بكثير مما تستطيع لعبه، هو سقوط فيما سقط فيه العراق وسقطت فيه إيران التي لم تعد تعرف أن ثمة حدودا ليس مسموحا لها بتجاوزها.

{ انتهى  }
bottom of page