top of page

مقالات رئيس المركز 

د. عمر الحسن

Picture No.3.JPG
22/3/2021

في نقد ودحض مزاعم البرلمان الأوروبي بشأن البحرين

يظهر أن البرلمان الأوروبي ترك كل المآسي والكوارث التي تتسبب في قتل وجرح وتشريد الملايين من البشر وتدمير بيوتهم وحياتهم، بل والقضاء على دولهم في مناطق عديدة من العالم ليتحدث في قراره يوم 11/3/2021 عن سجن شخص في البحرين أو سحب جنسيته أو منعه من السفر أو لجرم ارتكبه...إلخ، وبشكل غير محايد وبعيدًا عن الموضوعية والمهنية. وكان الأولى به الاهتمام بشؤون دوله التي تشهد انتهاكات لحقوق الإنسان، مثل التمييز والعنصرية بين مواطنيها، أو تناول قضايا عالمية تشهد أحداثًا مأساوية، منها أعمال القتل العنصرية التي تقوم بها الشرطة بشكل ممنهج في الولايات المتحدة، أو ما تقوم به سلطات الاحتلال الإسرائيلي من قتل وتعذيب وهدم وتخريب وتهويد في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

 

والغريب أنه استند في قراره على معلومات غير صحيحة أو محرفة عن حقيقة الأوضاع في البحرين تم الحصول عليها من مصادر من جانب واحد. وكان المتوقع منه كمنظمة دولية ذات مصداقية -قبل أن يتبنى هذه المزاعم- أن يتواصل مع المؤسسات البرلمانية المنتخبة، أو السفارة البحرينية في بروكسل، أو يلبي دعوة رئيسة مجلس النواب التي وجهت إليه لزيارة البحرين لمناقشة مثل هذه المواضيع وغيرها، والاستماع إلى وجهة النظر الأخرى.

 

ومن واقع التجارب السابقة، فإن مثل هذه التدخلات في شؤون الدول لا تخدم قضايا حقوق الإنسان، كما أن الدول الأوروبية، والولايات المتحدة، والمجموعات، مثل (الاتحاد الأوروبي والناتو)، لا يهمهم ولا تعنيهم قضية حقوق الإنسان، إلا في دولهم، بل إن هذه القضية في بعض الأحيان تتخذ ذريعة للتدخل في شؤون الدول الأخرى حتى ولو كانت على خراب هذه الدول، فضلا عن أن بعض هذه الدول سجلها حافل بانتهاكات حقوق الإنسان، لدرجة أن بعض قادتها يستحقون المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية مثل: بوش الابن، ورامسفيلد، وتشيني، (وكذلك توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق).. ومع ذلك فإنها مازالت تعتبر نفسها وصيًا على دول العالم فيما يتعلق بالملف الحقوقي، وأكبر مثال على ذلك أن أمريكا وبريطانيا ودول التحالف الغربية الأخرى بتدخلها في العراق واحتلاله عام 2003 -دون الحصول على الشرعية من الأمم المتحدة- بحجة أنه يمتلك أسلحة دمار شامل، والذي ثبت فيما بعد أنه ادعاء ملفق، كانت نتيجته أنها قتلت وشردت الملايين واعتقلت عشرات الآلاف، ومنذ ذلك التاريخ لم تستقر أوضاعه وبدا بلدًا فاشلاً تتقاسمه جماعات الإرهاب وإيران، وهو ما حدث في ليبيا جراء تدخل دول الناتو، وكذلك في سوريا، كما تعود حالة عدم الاستقرار في مصر وتونس إلى هذه التدخلات التي تحدث الخراب وتتسبب في معاناة الشعوب.

 

والمثير للاستغراب هنا أن البرلمان الأوروبي في حالة البحرين يعاقب الضحية ويدافع عن الجلاد، حيث أعرب عن قلقه من إجراءات قضائية وإدارية ضد مدانين قاموا بأعمال إرهاب وقتل وتخريب وفوضى وحاولوا تدمير الاقتصاد، ودعوا لقلب نظام الحكم، وانتقد بشكل لا يليق إجراءات المملكة القانونية في حماية شعبها!.. متناسيا أن لكل دولة الحق في أن تتخذ ما تراه مناسبًا لتحقيق أمنها واستقرارها وحماية اقتصادها.. ويبدو أن أعضاء البرلمان الأوروبي يكيلون بمكيالين، فعندما تتخذ دولهم قرارات وإجراءات تسمح لها بالتصدي لهذه الظاهرة لا يعترضون عليها، ولكن عندما تفعل ذلك البحرين يعترضون. ويكفي الإشارة إلى نموذج واحد -على الرغم من كثرة الأمثلة قديمة وحديثة- وهو تصريح رئيسة وزراء بريطانيا «تريزا ماي» في 7 يونيو 2017، بأنها ستمزق قوانين حقوق الإنسان في بلادها من أجل محاربة الإرهاب.

 

وعليه، وجدت أنه لا يجوز أن يمر هذا القرار دون رد على ما تضمنه من بيانات ومعلومات مغلوطة أو محرفة؛ لأن ما حققته البحرين في مجال حقوق الإنسان يعد مفخرة لها ولشعبها، ولكل ناشط في هذا المجال؛ ولهذا بعثت بردي المكون من 16 صفحة موثقا بالحقائق والأرقام، داحضا ما جاء به من مغالطات، ومنها التأكيد على أن الاحتجاج السلمي مسموح، وتحتل الحرية الرقمية على الإنترنت في البحرين المرتبة الرابعة عالميًا في معدل الاستخدام وفقًا لمؤشر التنافسية العالمية للمنتدى الاقتصادي لعام 2019. كما أن حرية الرأي والتعبير مكفولة -وليست الفوضى- ومنها السماح بتنظيم الندوات والمؤتمرات والحلقات النقاشية، وهناك قانون للصحافة يمنع عقوبة سجن الصحفيين، وأن الصحف تسمح لكل الاتجاهات والتوجهات دون قيود، وللصحفيين جمعية، وتستضيف البحرين مقرّ اتحاد الصحافة الخليجية، ومقرًّا للمكتب الإقليمي للاتحاد الدولي للصحفيين، ولدى البحرين مؤسسات وجمعيات ولجان حقوق الإنسان (28 جمعية).

 

وفيما يتعلق بموضوع الجنسية، فإنه يجوز سحبها ممن يقوم بأعمال إرهابية أو يشجع عليها، أو ينضم لجماعات محظورة، وأن ما تقوم به البحرين لا يختلف عما تقوم به دول مثل بريطانيا وفرنسا وأمريكا وكندا. وبخصوص مطالبة البرلمان الأوروبي بإيقاف تنفيذ عقوبة الإعدام وإلغائها، فهو بذلك يتجاهل خصوصية البحرين الدينية، كما أن أعداد الأحكام التي ذُكرت مبالغ فيها؛ خاصة أن تنفيذ هذه العقوبة نادر جدًا في البحرين، والدليل أنها نفذت منذ استقلالها عام 1971 -أي منذ 50 سنة- حتى اليوم 10 حالات فقط بسبب ارتكاب جرائم خطيرة.

 

تضمن القرار أيضًا اتهامات لقوات الأمن بارتكاب انتهاكات التعذيب، ونقدا للأمانة العامة للتظلمات ووحدة التحقيقات الخاصة بعدم القيام بواجبها، وهي اتهامات باطلة وبعيدة عن الحقيقة، فهي تقوم بواجباتها وفق تشريعات إنشائها وتقدم تقارير سنوية عن أعمالها، كما أن الحكومة لا تتهاون مع أي نوع من أنواع التعذيب، وهو ما أكدته اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق التي تم تشكيلها بالتعاون مع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في تقريرها من أن حالات التعذيب فردية.

 

وكان هناك تجنٍ آخر بشأن أوضاع السجون، وهو قول مردود عليه لجهة أن المملكة تحرص على الالتزام بالمعايير الدولية بالنسبة لأوضاع السجون، ولهذا أبرمت وزارة الداخلية مذكرة تفاهم مع منظمة الصليب الأحمر الدولي عام 2011 لتقييم أوضاع السجون ومراكز الاعتقال في البحرين، التي توفر للسجناء صالات مكيفة رياضية ومشاهدة التلفزيون وقراءة الصحف وأماكن مخصصة للقاء الزائرين من الأهالي وغيرهم، ومستشفيات وعيادات صحية، ورقابة من النيابة العامة ووزارة الصحة وعمليات تفتيش دورية، وهناك مفوضية حماية حقوق السجناء والمعتقلين، ويمكن القول إن البحرين سبقت العديد من الدول الأخرى في تطبيقها لنظام العقوبات البديلة، وسعيها لتطبيق تجربة السجون المفتوحة كأول دولة في المنطقة.

 

طالت الانتقادات أيضا حل جمعية الوفاق. وللرد على ذلك أوضحت أن البحرين هي الوحيدة بين دول الخليج التي تسمح بإنشاء جمعيات سياسية (أحزاب) وصل عددها إلى «16»، تضم شتى ألوان الطيف السياسي، كما أن «الوفاق»، كغيرها من الجمعيات السياسية تمتعت بكافة الحقوق لممارسة نشاطها وفق الأهداف التي تأسست من أجلها، حتى أنها اقتربت من الفوز بأغلبية مقاعد مجلس النواب في انتخابات عام 2006، (عددهم 17)، وانتخابات عام 2010 (عددهم 18) من أصل 40 نائبًا، ولكنها في أحداث فبراير2011 حاولت الانقلاب على الشرعية بالاستقواء بإيران وبحزب الله اللبناني وبحزب الدعوة العراقي، وهي جماعات مصنفة دوليًا في قوائم الإرهاب الدولي، وروجت لتغيير النظام السياسي بالقوة لإقامة جمهورية إسلامية على غرار النظام في إيران، وأشعلت الطائفية، ودعت نوابها في مجلس النواب إلى تجميد عضويتهم، وبعدها أمرت باستقالتهم، ودعت إلى عصيان مدني، وقاطعت الانتخابات التكميلية عام 2011، وهددت بعزل كل من يشارك بها، ورفضت مبادرات جلالة الملك للحوار الوطني، كل ذلك انتقدته اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق المشار إليها في تقريرها بـأنها أي الوفاق لو قبلت الحوار لما حصل ما حصل، وعليه، أيدت محكمة التمييز الحكم بحلها.

 

وفي ردي على منهجية القرار ذكرت أنه تم إعداده بشكل مثير للغموض، حيث ركز على الجوانب السلبية، وأخفى الجوانب الإيجابية، وهو ما يظهر في إلقاء الاتهامات من دون أدلة، وإغفال كل جهود البحرين في تعزيز حقوق الإنسان، والذي عكسته ثقة المجتمع الدولي في انتخابها عام 2019 ولمدة ثلاث سنوات عضوًا بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، كما تم انتخابها مرتين قبل ذلك في السنوات 2006 و2009، فضلا عن مصادقتها على العهدين الدوليين لحقوق الإنسان بشقيه السياسي والمدني، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتزامها بكل مبادئهما ومعاييرهما وتنفيذها عمليًا وبالكامل.

 

وأيضًا كان المنتظر من البرلمان الأوروبي باعتباره جهة تشريعية أن ينظر بكل موضوعية للجهود الحثيثة للبحرين في مجال القوانين والتشريعات الصادرة في مجال تطوير حقوق الإنسان، والعدالة الإصلاحية، ومحاربة الاتجار بالأشخاص والفكر المتطرف، وتعميم مشروع المدرسة المعززة للمواطنة وحقوق الإنسان في كل مدارس البحرين، فضلا عن تدريس منهج حقوق الإنسان في مؤسسات التعليم العالي، وتقدم المنظومة الرقابية والرعاية المسؤولة للسجناء والمحكومين، وما يتوافر لهم من ضمانات قانونية وحقوقية تحت رعاية القضاء البحريني الحامي للحقوق والحريات وفقًا للدستور، وتتم المحاكمات وفقا للأعراف المتفق عليها دوليا، وتتوافر كل الحقوق والضمانات لأي شخص يخضع للمحاكمة مع إتاحة كل درجات التقاضي، وهذا يفند الادعاءات بخصوص محاكمات أشخاص وردت اسماؤهم في التقرير.

 

كما لا يمكن تصديق أن البرلمان الأوروبي بعناصره وإداراته وأجهزته لا يعرف حقيقة إنجازات البحرين السياسية والإنسانية والاجتماعية والاقتصادية خلال فترة زمنية قصيرة في عمر الدول، ولا أعتقد أيضًا أنه لا يعرف حجم التحديات والتهديدات الداخلية والخارجية التي تواجهها، فقد تجاهل أعضاؤه أن في البحرين انتخابات تشريعية وبلدية نزيهة وشفافة، جرت في دورات منتظمة (2002-2006-2010-2011، تكميلية-2014-2018)، ولديها مجتمع مدني نشط قوامه أكثر من630 منظمة، وبعد أن أصبحت نسبة الأمية الأبجدية صفرا انتقلت البحرين إلى محو الأمية الحاسوبية، وبعد أن وفرت التعليم المجاني للجميع سعت لتوفير جودته، كما تشهد بذلك منظمة اليونسكو، ولديها 18 مؤسسة للتعليم العالي وتوفر السكن العصري لكل مواطن، ووصلت في مستوى الرعاية الصحية المجانية للجميع إلى مستوى الدول المتقدمة، دل عليه ارتفاع متوسط العمر عند الميلاد إلى أكثر من 78 عامًا، وكانت مثالا إنسانيا في إدارتها لأزمة كورونا من دون تمييز بين مواطن أو مقيم، وهو ما شهدت به منظمة الصحة العالمية، وتلتزم بشروط العمل اللائق التي حددتها منظمة العمل الدولية، وتنخفض فيها نسبة البطالة إلى ما دون 4%، وألغت نظام الكفيل، كما تقوم بتأمين العمالة ضد التعطل، ولا يوجد مواطن في البحرين بلا دخل، هذا فضلا عما حققته المرأة البحرينية من تمكين في جميع المجالات وما تتمتع به الفئات الخاصة كالأطفال والمعاقين والمسنين من حقوق، أضف إلى ذلك ما تقوم به من توفير شروط التمتع بجودة الحياة بما تشمله من مياه نظيفة وصرف صحي وكهرباء بنسبة تغطية 100%، والطرق والمواصلات السهلة المريحة والاتصال السريع، ما جعل البحرين وفق التقارير الدولية من الأماكن المفضلة للعيش فيها.

 

ومع وجود مثل هذه الأسباب القوية، تمنيت على البرلمان الأوروبي ضرورة عدم إطلاق أحكام باطلة، والابتعاد عن النظرة السطحية في التعامل مع قضايا وملفات حساسة تتعلق بأمن واستقرار دول أعضاء في الأمم المتحدة، حيث إن «تسييس» قضايا حقوق الإنسان واتخاذها أداة للضغط، هو انتهاك لحقوق الإنسان، ولكل القواعد والقوانين الدولية، خاصة أن هذا قد يشجع الخارجين على العدالة على خلق الفوضى وتهديد الأمن والسلم الأهليين تحت غطاء الحريات، وتقديمهم على أنهم ناشطون وحقوقيون سلميون على غير الحقيقة عبر الإعلام المنحرف.

 

وفوق هذا أشرت إلى أن لغة القرار استفزازية وعدائية غير مقبولة، وعلى سبيل المقارنة، فإن مستوى المخاطبة من قبل السيدة «هانا نيومان»، رئيسة علاقات البرلمان الأوروبي مع شبه الجزيرة العربية التي تشكك في تغريدة لها -في تصريحات حكام البحرين التي يطلقونها حول كون البحرين بطلة حقوق الإنسان- وبلغة الأمر تقول: «أوقفوا جميع عمليات الإعدام وعودوا إلى إلغاء الأحكام بالإعدام».. وهنا نتساءل هل لها حق في التدخل في إدارة شؤون البحرين بهذا الشكل المتعالي؟! فالأمم المتحدة نفسها لم تعط أي دولة الحق في الوصاية على حالة حقوق الإنسان في العالم.

 

وأختم بالقول، إن ما ورد في قرار البرلمان الأوروبي عن البحرين متحيز، اعتمد في تقييمه على معلومات مضللة استقاها من جهة واحدة، وكان عليه التحقق من صحة معلوماته حول إنجازات البحرين الحقوقية على مدى العشرين عاما الماضية، والتي لا ينكرها إلا من يكون صاحب غرض، كما أن عليه الابتعاد عن إصدار التعليمات والإملاءات وعن صيغة الأوامر عند إصدار مثل هذه التقارير؛ لأن في ذلك خروجا عن الأصول، ولا تخدم قضايا حقوق الإنسان.

 

{ رئيس مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية - لندن

{ انتهى  }
bottom of page