top of page

مقالات رئيس المركز 

د. عمر الحسن

Picture No.3.JPG
2019/02/23

بمناسبة الذكرى الثامنة والعشرين على تحرير الكويت..

صفحات مشرقة في تاريخ الكويت الحديث 

حقًّا إن الرجال مواقف، وإن القادة الذين يصنعون فارقًا في حياة شعوبهم وأمتهم لا يرحلون.. إنها حقيقة يشهد على رسوخها الزمان.. ففي أوائل العام 1988 اشتدت رحى الحرب العراقية – الإيرانية، التي بدأت في سبتمبر1980، ومالت كفتها لصالح "إيران"، بحيث أصبحت الجبهة العراقية مكشوفة ومهددة، مما كان له انعكاسات سلبية على أمن واستقرار دول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما تطلب تحركًا على كافة الاتجاهات؛ عربيًّا لحشد الطاقات لدعم العراق.. ودوليًّا لمطالبة الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وبريطانيا برفع أعلامها على ناقلات النفط وبواخر الشحن الخليجية، بعد أن هددت إيران بمهاجمتها.. وأمميًّا نحو مجلس الأمن الدولي، لوضع حد للحرب، فكان قراره رقم (538) الذي طالب الدولتين بوقف القتال فورًا واللجوء إلى الحلول السلمية.
ووسط هذا الزخم من المساعي المؤازرة للعراق، كان تحرك مجلس السفراء العرب في لندن، والذي جاء مختلفًا؛ حيث اتصل بي في أوائل شهر فبراير 1988، سفير المملكة العربية السعودية –آنذاك- المرحوم الشيخ "ناصر المنقور"، وحدد لي موعدًا لمقابلته بمكتبه؛ فذهبت ووجدت معه سفير الكويت "غازي الريس" -شفاه الله- وذكر لي أن مجلس السفراء، قرر تكليفي، بصفتي رئيسًا لمركز الخليج للدراسات الاستراتيجية، والأمين العام الفخري لمجموعة أصدقاء الخليج في البرلمان البريطاني، باصطحاب وفد من البرلمان البريطاني، يضم مختلف الأحزاب (المحافظين والعمال والديمقراطيين الأحرار) لزيارة الكويت والبحرين وبغداد؛ بهدف تعزيز العلاقات البريطانية الخليجية، ولتوجيه رسالة إلى إيران بأن بريطانيا تقف إلى جانب العراق.
وبالفعل تشكل الوفد من 14 نائبًا، وتحملت سفارة الكويت نفقات سفرهم، في حين تحملت كل دولة من هذه الدول نفقات إقامتهم.. وبدأنا بزيارة الكويت يوم 9 فبراير 1988؛ حيث التقى الوفد، الشيخ "سعد العبد الله السالم" -رحمه الله- وكان وليًّا للعهد، ورئيسًا لمجلس الوزراء، وسمو الشيخ "صباح الأحمد الجابر"، وزير الخارجية آنذاك الأمير الحالي – أمد الله في عمره- ووزير النفط الشيخ "علي الخليفة".. وأثناء اللقاء، طرح أعضاء الوفد على الشيخ "سعد" مسألتين، الأولى عرضها "توني مارلو" رئيس الوفد، حيث رأى أن الوقت قد يكون مناسبًا لفتح موضوع النزاع الحدودي بين الكويت والعراق مع الرئيس "صدام حسين"، باعتبار أن الكويت تقف إلى جانب العراق في حربه مع إيران، وتمد له يد العون سياسيًّا وإعلاميًّا وماليًّا.. وكان رده - طيب الله ثراه- أن "هذه قضية أسرية، سيتم حلها إن شاء الله بعد نهاية الحرب، وبعد أن يعم السلام المنطقة. أما المسألة الثانية فأثارها "نيكولاس بيجين" وكانت بشأن حل مجلس الأمة وتعطل الحياة البرلمانية في الكويت منذ منتصف الثمانينيات، فأجابه الشيخ "سعد"، بأن الحياة النيابية ستعود قريبًا، وأن الكويت ستظل دولة قانون ومؤسسات ودستور.
ومن الكويت انتقلنا إلى البحرين يوم 12 فبراير 1988، والتقينا المرحوم الشيخ "عيسي بن سلمان"، أمير البحرين، ورئيس الوزراء، الأمير "خليفة بن سلمان"، ووزير الخارجية بالإنابة الشيخ "محمد بن خليفة"، الذي طرح عليه النائب "نيكولاس بيجن" نفس المسألة التي طرحها مع الشيخ "سعد" عن توقف الحياة البرلمانية في البحرين منذ العام 1975.. وكان رد الوزير عليه، إن ذلك سيتم عندما تهدأ الأحوال السياسية والأمنية المضطربة في المنطقة.
غادرنا المنامة يوم 15 فبراير عام 1988، إلى بغداد؛ وكان بانتظارنا برنامج حافل باللقاءات مع كبار المسؤولين في المجالات المختلفة السياسية والاقتصادية والتشريعية والأمنية والعسكرية؛ منهم "طارق عزيز"، و"طه ياسين رمضان"، و"عزة الدوري"، و"سعدي مهدي صالح"، و"حسين كامل"، ووكيل وزارة الدفاع (لا أتذكر اسمه). 
وكنت قد قمتُ قبل لقاء صدام، بالتنبيه على النائب "نيكولاس بيجين"، بعدم تكرار مسألة تعطل الحياة البرلمانية للمرة الثالثة، وقلت له مداعبًا: "أخشى إن سألت السؤال نفسه للرئيس صدام أن تكون البريطاني رقم 3 في سجون بغداد، فتزداد مهمتنا تعقيدًا"؛ حيث كانت الخارجية البريطانية قد طلبت منى بمناسبة هذه الزيارة، إجراء محاولة مع المسؤولين العراقيين لإخلاء سبيل بريطانيين تم احتجازهما في العراق بتهمة رشوة مسؤولين عراقيين. 
واختتمت الزيارة بلقاء مطول مع الرئيس "صدام حسين" استمر لأكثر من ثلاث ساعات بحضور طاقمه الرئاسي والوزراء، وكانت علامات الارتياح بادية عليه أثناء اللقاء.. ظهر ذلك من طريقة ترحيبه بأعضاء الوفد، والاستقبال الحافل له عندما وصل القصر الرئاسي في المنطقة الخضراء ببغداد.. وازداد ارتياح الرئيس بعد أن قال رئيس الوفد "توني مارلو"، أن رئيسة الوزراء "مارجريت تاتشر" طلبت من الوفد نقل تحياتها لكم، وأنها قررت زيادة التسهيلات الائتمانية الممنوحة للعراق من 250 إلى 750 مليون جنيه إسترليني. 
تحدث الرئيس "صدام" في مواضيع عدة، أهمها الحرب مع إيران؛ حيث قال نتمنى على بريطانيا ممارسة الضغوط على إيران لقبول قرار مجلس الأمن رقم (538) المشار إليه، الذي يقضي بوقف الحرب، والبحث عن حلول سلمية للصراع بين البلدين، وتمنى على أعضاء الوفد مطالبة وزير الخارجية البريطاني –آنذاك- "جيفري هاو"، والذي كان ينوي القيام بزيارة إلى موسكو بممارسة الضغوط على إيران ومطالبتها بقبول القرار المذكور.. هذه الأجواء المريحة شجعت، رئيس الوفد "توني مارلو"، على توجيه نفس السؤال الذي وجهه للشيخ "سعد العبد الله"، بشأن النزاع الحدودي بين العراق والكويت، فكان رد "صدام" أنه على استعداد للتوقيع على ورقة بيضاء لصالح الكويت في هذا الموضوع.
وفي نهاية اللقاء، أبلغ الرئيس صدام حسين الوفد أن بإمكانهم اصطحاب أحد الموقوفين البريطانيين إلى لندن، بعد أن قرر إخلاء سبيله، والثاني سيتم الإفراج عنه بعد أشهر معدودة.. وكان هذا الموضوع قد أثير مع المرحوم "طارق عزيز"، وزير الخارجية والمرحوم "حسين كامل"، زوج ابنة صدام، قبل لقاء الرئيس مع الوفد، واللذين وعدا بنقل الموضوع للرئيس. 
وهكذا، كانت جميع اللقاءات إيجابية ومثمرة، وكان واضحًا من خلال ردود الفعل والتعليقات والمناقشات التي كانت تدور بين النواب بعد كل لقاء أن هناك تعاطفًا من جانبهم تجاه العراق في حربه مع إيران.
ورغم أنه كان مقررًا أن أعود مع الوفد إلى لندن.. لكنني وجدت من الأنسب أن تكون عودتي عن طريق الكويت لأنقل ما دار من حديث مع الرئيس "صدام" إلى الشيخ "سعد" وبالفعل، استأذنت الوفد، وغادرت إلى الكويت، والتقيت سموه ولخصت له ما دار من مناقشات بخصوص النزاع الحدودي، واقترحت تكليف رئيس الوفد "توني مارلو" للقيام بهذه المهمة.. فكان رده أن "هذا الموضوع مش وقته".. نتركه لحين الانتهاء من حرب العراق مع إيران وإرساء السلام بينهما، وحين وجد في حديثي إصرارًا على تحرك ما في هذا الاتجاه نظر إليّ وقال لي مرة أخرى : "مش وقته".
بعد شهرين، أي في أبريل 1988، قام الشيخ "سعد" بزيارة إلى لندن، وأبدى الوفد البرلماني بكامل عدده ( الـــ 14) عضوًا، إضافة إلى 15 عضوًا من مجلس اللوردات رغبتهم في السلام على سموه والترحيب به.. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على مكانة الرجل، والتي لا تنبع من سلطة بقدر ما هي نتيجة نقائه وسلوكه الإنساني.. واستقبلهم سموه بحفاوته المعهودة.
في هذه الأثناء، كانت الضغوط التي مارستها دول مجلس التعاون مع بعض الدول الشقيقة والصديقة على إيران قد أثمرت عن قبولها في أغسطس 1988 قرار مجلس الأمن رقم (538) الداعي إلى وقف إطلاق النار، ببيان صدر عن "الخميني" وصف قبوله القرار، وكأنه "يتجرع السم".. والغريب حينها، أن "صدام" اعتبر ذلك انتصارًا له، وبدأ يقوم بممارسات استعلائية وعدوانية ضد أشقائه في الخليج، ويطالبهم بمطالب يصعب، إن لم يكن من المستحيل تنفيذها، ناسيًا أو متناسيًا وقوفهم إلى جانبه في حربه مع إيران بكل ما يستطيعون على مدى عقد من الزمان، متحملين عداء إيران وردود أفعالها الانتقامية.
وهكذا، بعد أن كان العراق يمثل حائط الصد الشرقي للأمن القومي العربي، وأمن بلدان الخليج، إذا به يصبح أحد مصادر تهديد وانتهاك هذا الأمن، مع أن الواجب كان يقتضي تقديم الشكر إلى من وقفوا إلى جانبه، وفي مقدمتهم الكويت، ولكن بدلاً من ذلك قام بغزوها واحتلالها يوم 2/8/1990.
ورغم فداحة هذا الحدث إلا أنه كان بمثابة الكاشف الحقيقي عن معدن الرجال؛ فالشيخ "سعد العبد الله"، الذي قال عنه من عرفوه أنه كان مقاتلاً صلبًا مدركًا لمسؤولية القيادة وأمانتها، وكان يرى دائمًا أن اتخاذ القرار وصناعته يجب أن تتم بعناية وفق رؤى مدروسة حاسمة وحازمة لا مساومة فيها ولا مجاملة على حساب وطنه.. عندما وقعت كارثة الغزو أدرك بفطنته أن مهمته الأولى هي ضرورة حماية أمير البلاد الراحل الشيخ "جابر الأحمد الصباح" - رحمه الله– ومغادرته إلى المملكة العربية السعودية، لأن وصول القوات العراقية إليه، وهو الرمز، يعني انهيار روح الشعب المعنوية، كما أن وجوده خارج البلاد مهم لحشد دول العالم حول قضيته، خاصة أن أول أهداف الغزو كان السعي للقضاء على الشرعية متمثلة في أمير البلاد.  
كانت كارثة الغزو فاجعة ومروعة بكل المقاييس، فقد أدت إلى تشريد مئات الآلاف من الكويتيين، والذين توزعوا في عواصم العالم المختلفة ومنها لندن، فضلاً عن عودة عشرات الآلاف من الوافدين إلى بلدانهم بعد فقدانهم لوظائفهم ومصدر رزقهم.. وبعد أن فشلت نداءات ونصائح العديد من قادة العالم وسياسييه للنظام العراقي بالانسحاب، بدأت قوات التحالف الدولي المكونة من 39 دولة، بقيادة أمريكية سعودية، في 17 يناير 1991 حرب تحرير الكويت بموافقة الأمم المتحدة.  
وفي تلك الأثناء، وفي أوائل نوفمبر 1990 أبلغني، الشيخ "ناصر المنقور"، السفير السعودي في لندن، أن هناك وفدًا سعوديًّا برئاسة الأمير "عبدالله بن فيصل بن تركي"، وعضوية "عبدالعزيز كانو"، و"وهيب بن زغر" – رحمهما الله– و"عبدالعزيز عريعر" وكيل وزارة المالية، والدكتور "أسعد عبده" الأستاذ بجامعة الملك سعود وثلاثة غيرهم لا أذكر أسماءهم.. مكلف من قبل الملك "فهد" - رحمه الله- بالقيام بزيارة لندن لشرح الموقف الخليجي من غزو العراق للكويت لجمعيات الصداقة العربية – البريطانية والإسلامية – البريطانية ووسائل الإعلام ومراكز البحوث والجامعات وأعضاء البرلمان والنقابات.. وأن مجلس سفراء دول الخليج في لندن، يرى أنك الأقدر في مساعدة الوفد على إنجاح مهمته، والتي ستستغرق حوالي أسبوعين.. لم أتردد في قبول شرف التكليف، طالما أن الهدف هو إنهاء الاحتلال وعودة المشردين من الكويتيين إلى ديارهم.. وفعلاً جاء الوفد إلى لندن وتم ترتيب فعاليات ولقاءات ناجحة له.
وأود أن أشير هنا إلى أنني كنت يوميًّا أجري مقابلات في قنوات تليفزيونية ومحطات إذاعية بريطانية وأوروبية وأمريكية ويابانية وأسترالية وكندية، والكتابة في الصحف البريطانية (التايمز)، والأمريكية (وول ستريت جورنال – وهيرالد تريبيون) لشرح مأساة الاحتلال وتداعياته.. وأشارك في المسيرات التي كانت تتم كل يوم أحد للتنديد بالاحتلال والمطالبة بإنهائه.
وفي المساء كنت أنتقل أنا وزوجتي، وكذلك سفير البحرين "كريم شكر" وزوجته إلى المقار التي كان يقيم بها الكويتيون للتعرف على احتياجاتهم وتلبية طلباتهم والتخفيف من مأساتهم.. وكان أكثرهم قربًا إلينا عائلة معالي الأخ "محمد أبو الحسن"، المستشار الحالي لصاحب السمو أمير البلاد، ومندوب الكويت الدائم الأسبق في الأمم المتحدة أثناء الاحتلال.
لقد مثّل الاحتلال كابوسًا مروعًا لكل عربي مخلص لوطنه وأمته، وأحدث شرخا كبيرا في منظومة العمل العربي المشترك، لازالت تعاني منه حتى هذا اليوم، حيث أصيبت بكارثة كان المستفيد الوحيد منها، هو إسرائيل وأعداء الأمة العربية.. 
حصل التحرير يوم 26/2/1991، وعادت الكويت حرة، وعاد أميرها وولي عهدها وشعبها الذي بدأ يضمد جراحه، ويتفقد ما بقي له من بشر وحجر. 
وفي الذكرى الأولى للغزو، يوم 2/8/1991، دعت الكويت نخبة من مختلف الشخصيات العربية (70 شخصية)، ما بين: دينية، وإعلامية، وأكاديمية، وبحثية، وسياسية، وكان لي شرف أن أكون من ضمنهم بدعوة كريمة من المرحوم الشيخ "سعد العبد الله"، نقلها إليّ سفير الكويت "غازي الريس".. التقينا الأمير الراحل الشيخ "جابر الأحمد" - طيب الله ثراه في خيمته - في قصر بيان، الذي هدمه الاحتلال، وتشرف الوفد بدعوة الشيخ "سعد العبد الله" على غداء في فندق السفير، وحينما أقبلت عليه محييًا ومهنئًا، بادرني بالقول: "عمر أنت الصح".. فأجبت: "طويل العمر أنتم دائمًا الصح.. ما ترونه يا صاحب السمو نحن لا نراه".
وبعد أن لملمت الكويت جراحها، وبدأت تحصي ما فقدته من أحبة أعزاء، تبين لها أن هناك (635) أسيرًا ومفقودًا، فقررت الدولة تشكيل لجنة تحت مسمى "لجنة شؤون الأسرى والمفقودين"، برئاسة المرحوم الشيخ "سالم صباح السالم"، للعمل على تحريرهم أو معرفة مصيرهم. وبالتوازي وبالتعاون مع السفير "غازي الريس" تشكلت لجنة أخرى دولية، برئاسة مشتركة بيني وبين الليدي "أولغا ميتلاند" من حزب المحافظين، تحت مسمى "اللجنة الدولية للتضامن مع الأسرى والمفقودين الكويتيين"، وتم إشهارها تحت رعاية المرحوم الشيخ "سالم صباح السالم"، و"دوجلاس هيرد"، وزير الخارجية البريطاني آنذاك، بحضور أكثر من 400 شخصية ضمت سفراء عرب وأجانب ونوابًا من البرلمان البريطاني، ورجال الصحافة، وجمعيات الصداقة البريطانية من جهة والإسلامية والعربية من جهة أخرى إلى جانب عائلات الأسرى.
نجحت اللجنة في تنظيم العديد من الفعاليات لتشرح من خلالها مأساة عائلات الأسرى، وشاركت في حضور مؤتمرات الأحزاب البريطانية السنوية بمشاركة بعض أعضائها أذكر منهم؛ د."محمد الحداد"، و"دعيج العنزي"، مدير اللجنة، وكذلك تم عقد حلقات نقاشية في مبنى البرلمان البريطاني بمشاركة نواب من مجلسي العموم واللوردات، وإصدار التصريحات والبيانات الصحفية، وعقد لقاءات مع منظمة العفو الدولية وتزويدها بما كان يتوافر لدينا من بيانات ومعلومات جديدة عن الأسرى، وتم تعيين ناشطة في مجال حقوق الإنسان، اتخذت من مقر مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية في لندن، مكتبًا لها لتوثيق ومتابعة شؤون الأسرى.
وبعد حفل التدشين بأيام، اتصل بي السفير "عبدالله بشارة"، الأمين العام الأسبق لمجلس التعاون الخليجي، ومندوب الكويت الدائم لدى الأمم المتحدة الأسبق، وأبلغني أنه مكلف بمهمة حكومية للاتصال مع عدد من المؤسسات البريطانية البحثية والأكاديمية والإعلامية وجمعيات الصداقة، لشرح قرارات الأمم المتحدة الخاصة بترسيم الحدود بين الكويت والعراق وغيرها ويريد مساعدتي، فأبديت استعدادي لذلك.. استمرت مهمته في لندن 12 يومًا تقريبًا؛ حيث تم ترتيب العديد من اللقاءات في المؤسسات المشار إليها، وتم توثيق محاضر هذه اللقاءات وإصدارها في كتاب هو الآن مرجع للباحثين والدارسين.
وأختتم القول كما بدأته، إن "القادة الذين يصنعون فارقًا في حياة شعوبهم وأمتهم لا يرحلون"، وهو ما انطبق على الشيخ "سعد العبد الله"، الذي رحل عن عالمنا مخلفًا سجلاً حافلاً ومسيرة عطاء زاخرة، وصفحات مشرقة، فقد كان صاحب مواقف وصاحب قرار، مدركًا لمسؤولية القيادة، لاسيما أثناء وبعد الغزو العراقي للكويت، فقد كان الدرع الحصينة لحماية أمير البلاد الشيخ "جابر الأحمد" - رحمه الله- وصاحب فكرة خروجه من الكويت إلى السعودية للإبقاء على الشرعية التي كانت هدف الغزو العراقي.
كما حشد طاقاته وقدراته منذ اللحظات الأولى للغزو على جميع المستويات الداخلية والخارجية لحشد الشرعية الدولية من أجل تحقيق النصر وعودة الكويت إلى أهلها، لذا لم يكن مستغربًا أن يطلق عليه لقب (بطل التحرير) لدوره في تحرير الكويت.
 وطوال أشهر الاحتلال السبعة قام بزيارات إلى العديد من الدول الخليجية والعربية والأجنبية، فاستطاع أن يشكل تحالفًا عالميًّا غير مسبوق لدعم الشرعية، وعمل على دعم صمود الكويتيين في الداخل من خلال خطاباته الموجهة إليهم والتي كانت تبعث الحماس وتبث الأمل في قلوبهم، وبإيصال المؤن والأموال إليهم ليكونوا قادرين على الصمود، وترأس المؤتمر الشعبي الذي انعقد في مدينة جدة خلال الفترة من 13-15 أكتوبر عام 1990، بحضور أكثر من 20 ألف كويتي يمثلون كافة أطياف الشعب، حيث تبلورت فكرة المؤتمر لديه بعد لقائه في لندن عددًا من الحكماء الكويتيين، وعلى رأسهم المرحوم "عبدالعزيز الصقر" الذي منحه الأمير لقب المواطن الكويتي الأول لدوره في إنجاح عقد المؤتمر.. فيما حظيت قضية الأسرى والشهداء ورعاية أهاليهم على اهتمام خاص منه.
ستبقى ذكرى هذا الزعيم ماثلة في أذهان أهل الكويت التي أحبها وأحبته وبذل من أجل شعبها الغالي والنفيس، فبادله الكويتيون الحب والوفاء والتقدير والعرفان.. ومع مرور ما يقرب من أحد عشر عامًا على وفاته، تظل أعمال بطل التحرير وفارس الكويت خالدة في نفوس الكويتيين وحتى الخليجيين.

{ انتهى  }
bottom of page