top of page
5/1/2019

اقتصاد البحرين في عام 2018.. إنجازات وتحديات (2-2)

    مع استمرار عجز الميزانية العامة، ولجوء الحكومة إلى زيادة الدين العام لتغطية نفقاتها، تنفيذا لالتزاماتها في مجالات الأمن والدفاع والتنمية البشرية، في الوقت الذي تقوم فيه بإجراء إصلاحات مالية تستهدف خفض الإنفاق غير المنتج، وتوجيه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا؛ بلغ حجم الدين العام 11,5 مليار دينار بنهاية النصف الأول لعام 2018، مشكلا نحو 87% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقًا لبيانات المصرف المركزي بزيادة 12% عن مثيله في العام الماضي.
    وكما كان الحال بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، وقيام دول الاتحاد الأوروبي ومؤسساته بتقديم المساعدة المالية والمشورة الفنية لدول أعضاء في الاتحاد، ما مكنها من تجاوز أزمتها، إدراكًا منها أن ما يمس أي عضو يؤثر على باقي الأعضاء؛ لم يكن الأمر في المنظومة الخليجية مختلفًا، فإدراكًا لمدى الترابط الاقتصادي والأمني بينها وبين البحرين، وأن ما يضعف البحرين يضعفها؛ تعهدت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات والكويت بتقديم مساعدات مالية للمملكة لزيادة قدرتها على خفض عجز ميزانيتها، وتقليص الدين العام من خلال برنامج يلتزمون بتنفيذه. وكان هذا التعهد الخليجي، فضلا عن قوة أساسات الاقتصاد، من أهم أسباب ارتفاع الثقة الدولية في الاقتصاد، وتجدد إدراك المجتمع الدولي للترابط العضوي القوي بين مملكة البحرين وشقيقاتها.
     وقد وثقت اتفاقية المنامة الإطارية الموقعة بين البحرين والسعودية والإمارات والكويت في 4 أكتوبر 2018 هذا التعهد، والذي حضرها «صندوق النقد العربي»، كاستشاري لها. وبمقتضى هذه الاتفاقية تقدم الدول الثلاث للمملكة 10 مليارات دولار لدعم احتياجاتها التمويلية وتحقيق الاستقرار المالي ومواصلة تحفيز النمو الاقتصادي. ويقدم هذا المبلغ على مراحل ومن دون فوائد، في ضوء تنفيذ الحكومة خطة إصلاح ماليتها العامة والتخلص من مشكلة عجز الميزانية بحلول 2022، وتعد هذه الخطة هي الأوسع والأكثر شمولا لوضع البحرين على أسس مستدامة منذ انخفاض أسعار النفط في منتصف عام 2014، وترسل مع الدعم إشارات إيجابية إلى السوق، وتطمئن المستثمرين، وبمقتضى هذا الدعم الخليجي الذي يكفي لتغطية كل ديون البحرين الخارجية، يتحسن التصنيف الائتماني للمملكة، وتظل قادرة على الاقتراض من السوق الدولي، إذ يقلص هذا الدعم الفجوة التمويلية المقدرة بـ20 مليار دولار في 5 سنوات بمقدار 50%.
إصلاحات تحقق الاستقرار المالي
    تتكفل هذه الإصلاحات المالية بالـ50% الباقية، وتهدف البحرين من ورائها إلى خفض نسبة عجز الميزانية إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 1% في 2022، بدلا من 9,9% حاليًا، وخفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 82%، بدلا من النسبة التي كانت متوقعة في 2022 وهي 104%، ولتنفيذ خطط هذه الإصلاحات، تنشئ الحكومة هيئات جديدة للإشراف على الإنفاق والاقتراض الحكومي بما في ذلك مكتب لإدارة الدين.
    ويقتضى تنفيذ هذه الخطة الإصلاحية تعاونًا كاملا من البرلمان الجديد؛ لأنها تمضي في تنفيذ ملف شديد الحساسية وتحوي إجراءات تفتقر إلى الشعبية عادة، ولكنها باتت ضرورية، ويأتي تنفيذها على مراحل. وتشمل هذه الإجراءات فتح الباب للمعاش المبكر لموظفي الحكومة، وجعل هيئة الكهرباء والماء مكتفية ذاتيًا، وترشيد توزيع الإعانات النقدية، وتستهدف خفض النفقات التشغيلية الحكومية، وإمكانية فرض ضريبة القيمة المضافة في 2019.
توجهاتٌ مأمول تعزيزها
     غير أنه، فضلا عن هذه الإجراءات، وتمكن الحكومة من السيطرة على معدل التضخم، حتى تراوح المعدل الشهري في 2018 بين 0,5% و2,7%، ما يعد الأقل خليجيًا، فإن ما مكَّن الحكومة البحرينية أكثر من تحقيق هدف الاستقرار المالي وتقليص الحاجة إلى الاقتراض الخارجي، هو مواصلة ما قامت به قبل ذلك ونجحت فيه في مجالات تنويع الاقتصاد البحريني، حيث هبطت من نسبة القطاع النفطي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 18,4% في 2018، بينما كانت هذه النسبة 44% في بداية الألفية.
     وتشير التوقعات إلى أنه مع تصاعد وتيرة نمو القطاعات غير النفطية؛ سيزداد الاقتصاد البحريني قوة، في ظل تركيز الحكومة على تعزيز دور المؤسسات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد الوطني ضمن البرنامج المشترك الذي تقوم به وزارة التجارة والصناعة والسياحة مع مجلس التنمية الاقتصادية وصندوق العمل تمكين، ويستهدف 6335 مؤسسة، ويقوم على استصدار قوانين جديدة وتيسير قنوات التمويل وتشجيع صادرات هذه المؤسسات، وتوفير بيئة أعمال كاملة قادرة على تحقيق أسباب النجاح لها. وتمثل هذه المؤسسات نحو30% من الاقتصاد البحريني، وتتمتع بقدرة على تنويع المنتجات وخلق فرص العمل، ويبلغ عدد المؤسسات متناهية الصغر في المملكة نحو 85 ألف مؤسسة، والصغيرة 5485، والمتوسطة 950 في مقابل 176 مؤسسة كبيرة.
    وفيما استمرت مكانة البحرين الريادية في القطاع المالي والمصرفي، وحافظت على مكانتها كموطن لكثير من المؤسسات المالية الكبيرة لما تتمتع به من مناخ انفتاحي وحرية اقتصادية جعلتها أكثر اقتصادات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حرية؛ اتجهت إلى امتلاك الأسباب التي تعزز دورها الإقليمي والدولي في هذا المجال، من خلال مشروعها في التكنولوجيا المالية، «مشروع خليج البحرين للتكنولوجيا المالية»، والذي تدعمه ماليًا ولوجستيًا وتقنيًا، أكثر من 30 شركة خاصة.
    فضلا عن ذلك، حافظت المملكة على معدلات النمو العالية لقطاعها الصناعي، الذي غدا يمثل ثاني أكبر القطاعات إسهاما في الاقتصاد غير النفطي بعد القطاع المالي، إذ يسهم حاليًا بنسبة 15% من الناتج المحلي الإجمالي، وحقق نموًا في السنوات الخمس الماضية بنسبة 19,3%، وأسهمت الإجراءات التنظيمية التي اتخذتها الحكومة في زيادة عدد الشركات في منطقة البحرين العامة للاستثمار حتى بلغت في نهاية العام الماضي 118 شركة، تنتمي إلى 29 دولة تستفيد من الموقع الاستراتيجي للمملكة، والمزايا التنافسية للاستثمار فيها، ويدعم نشاطها تنفيذ مشروعات البنية التحتية الجارية، كمشروع تطوير مطار البحرين الدولي، وجسر الملك حمد الجديد الذي يربط البحرين مع المملكة العربية السعودية.
    ويدعم توجه الحكومة في تنويع الاقتصاد السياسة التي انتهجتها في تعزيز مشاركة القطاع الخاص، حيث يتولى هذا القطاع تنفيذ مشروعات في البنية التحتية، كانت الحكومة ستقوم بها وتكلف ميزانيتها مبالغ طائلة، وبتطور هذا الدور طبقًا للرؤية الاقتصادية 2030 بأن يكون هو القائم بالنشاط الاقتصادي، وتتولى الحكومة الدور التنظيمي، فإن كثيرا من الأعباء التي تتحملها الحكومة حاليًا وتسببت في عجز ميزانيتها وارتفاع الدين العام سيقوم القطاع الخاص بتحملها في إطار اقتصاد السوق الذي تتبناه المملكة كأحد أهم سياساتها الاقتصادية.
     كما يخدم تنفيذ خطة الاستقرار المالي بقوة، مشاركة المجتمع المدني من خلال مؤسساته في تلبية احتياجات الأعضاء، كنشاط التعاونيات الاستهلاكية وهي منظمات غير هادفة للربح، يسهم نشاطها في تحقيق توازن الأسعار والحد من التضخم، وقيام تعاونيات في مجال الإسكان بتوفير الخدمات الإسكانية للأعضاء، ما يقلل الإنفاق الحكومي على مشروعات الإسكان، كما أن قيام تعاونيات إنتاجية ينشط الإنتاج الحرفي والصناعات الصغيرة؛ ما يخلق مجالات للتوظيف ويقلل من الحاجة للاستيراد، فضلا عن قيام الجمعيات الخيرية بمد نشاطها إلى المجالات الصحية والتعليمية يقلل الإنفاق الحكومي في هذه المجالات.
     وبهذا التكامل الثلاثي بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، تستطيع البحرين أن تحافظ على تحقيق المعدلات التنموية التي تمكنها من بلوغ مستهدفات الرؤية الاقتصادية 2030 في الارتقاء بمستوى جودة حياة المواطن، اعتمادًا على القدرات الذاتية والتعاون الخليجي.
آفاق الاقتصاد البحريني 2019
      تبدو الآمال معلقة على توقعات أفضل للاقتصاد البحريني في عام 2019، سواء من حيث الاستفادة من الفرص التي يوفرها تعافي الاقتصاد العالمي، وزيادة طلبه على المنتجات البحرينية وفي مقدمتها النفط والألومنيوم والحديد والبتروكيماويات، في ظل تحسن أسعار تصدير هذه المنتجات، أو الاستفادة من فرص ارتفاع النمو في دول مجلس التعاون الخليجي، أو المساندة الخليجية المستمرة منذ 2011، والتي كان أخرها التعهد الجديد في 2018؛ ما يمكن الحكومة من تنفيذ خطتها للإنفاق الرأسمالي الذي يشمل عدة مشاريع في مختلف قطاعات النقل والمواصلات والطاقة والمياه والإسكان، وشبكة البنية التحتية النفطية، ومن بينها خط الأنابيب القديم بين البحرين والسعودية، وتوسعة مصفاة سترة، ما يرفع طاقتها التكريرية بنحو 50%، كما أنه من شأن الإجراءات التي تقوم بها الحكومة، زيادة إيراداتها، معززة بصندوق الطاقة الذي أطلقته في مايو 2018 بمليار دولار، ويؤدي ذلك مع تنفيذ خطة التوازن المالي التي أعلنتها وتنفيذ برنامجها 2019 – 2022، إلى رفع معدل النمو الاقتصادي الصافي، ما سيكون له انعكاساته في الارتقاء بمستوى جودة الحياة في المملكة إلى مستوى نظيره في بلدان العالم المتقدمة. 

{ انتهى  }
bottom of page