top of page
7/10/2020

قراءة في المناظرة الرئاسية الأولى بين «ترامب» و«بايدن»

يكاد يكون من المؤكد أن سباق الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020 سيُسجل في التاريخ باعتباره واحدا من أكثر المنافسات شراسة وهزلية في تاريخ البلاد، وتعد المناظرة الوطنية الأولى بين المرشحين للانتخابات بمثابة تأكيد لذلك. وفي 29 سبتمبر، تشارك الرئيس «دونالد ترامب»، ومنافسه الديمقراطي «جو بايدن» المنصة لأول مرة، وشرعوا في مواجهة شديدة اللهجة شملت كل شيء تقريبًا باستثناء القرارات السياسية ذات المغزى.

 

وتلعب المناظرات من هذا النوع دورا كبيرا في تغيير، أو التأثير على قرار الناخبين، وخاصة من قبل الناخبين المترددين الذين -عبر المناظرات- إما يصطفون مع مرشح بذاته، أو يقومون بتغيير مرشحهم لآخر. وغالبا ما تركز على تنافس المرشحين في تقديم رؤاهم الإصلاحية في الأزمات التي تعاني منها البلاد، إلا أنها هذه المرة جاءت في سياق مختلف تماما، حيث تخللتها الشخصنة بشكل كبير بعيدا عن السياسات.

 

جاءت المواجهة، التي استضافها «كريس والاس» من قناة «فوكس نيوز»، في الوقت الذي يتقدم فيه «بايدن» على «ترامب» بفارق 8.1 نقاط في معدل الاقتراع الوطني. وكان من الواضح أن هاجس «ترامب»، الأول هو إظهار مدى ضعف منافسه والهيمنة على اللقاء، ولكن هذا النهج أدى حتى الآن إلى نزف المزيد من الأصوات والدعم له من خريجي الجامعات البيض وكبار السن، فضلا عن شعور الجمهوريين بالإحباط من تركيزه على جذب فئة محددة فقط من أنصاره، وبدلا من كسب المزيد من المعتدلين من خلال تعزيز التفاؤل بـ«أجندة تطلعية»، كان هناك حديث حول الجريمة والتوترات العرقية. يقول «ميشيل ماكيني»، من «معهد الاتصال السياسي»: إن «المناظرة كانت الأكثر فوضوية في التاريخ الأمريكي، وأدت المقاطعات المستمرة والمفككة وغير المركزة إلى إلحاق الضرر بترامب نفسه».

 

وبشكل حاسم، سيطر على المناظرة المنافسة اللفظية، وتبادل الاتهامات المستمرة، والهجمات الشخصية والمتعلقة بالسجلات السياسية لبعضهما بعضا. ووصف «بايدن»، «ترامب»، بأنه «أسوأ رئيس في تاريخ الولايات المتحدة»، و«مهرج»، و«دمية بوتين». وأكد أن «الجميع يعرف أنه «كذاب». ورد عليه الأخير قائلاً: «لقد فعلت في 47 شهرًا أكثر مما فعلته في 47 عامًا، يا جو». وعمد «ترامب» إلى وصف منافسه على أنه «دمية في يد اليسار الراديكالي، سواء بشأن قضايا الصحة أو المناخ».

 

وحول سبب قيام «ترامب» باستخدام أسلوب التنمر والمقاطعة والاستفزازات في أول مناظرة له مع منافسه؟ فإن الجواب كما يقول «ريان ليزا»، في مجلة «بولتيكو»، يرجع إلى عدة أسباب منها، أنه لم يعد لديه رسالة. ففي 2016 كانت لديه أربع دعائم وهي «الهجرة، والتجارة، وأوباما كير، والفساد». وكانت لديه شعارات فعالة مثل «لنجعل أمريكا عظيمة»، و«ابن الجدار سريعا»، لكن في عام 2020 لم تعد له رسالة. وحينما سألته صحيفة «نيويورك تايمز» قبل فترة عما سيفعله في ولايته الثانية، أجاب بأنه يريد تخفيف التنظيمات والضرائب، وتعيين قضاة محافظين، وتأمين الحدود، وهو ما علقت عليه الصحيفة بأنه «ليس هناك أجندة للكونجرس». فضلا عن فقر سجل إنجازاته، وهو ما كان سببا لتراجع شعبيته حتى في الوقت الذي ازدهر فيه الاقتصاد.

 

وفي واقع الأمر، لم يكن هذا الأسلوب الذي لجأ إليه «ترامب» جديدا عليه. ففي عام 2015 وأثناء الترشيحات للحزب الجمهوري الذي كان لديه عدد من المرشحين الأكفأ منه، لجأ إلى الاستعراضات المسرحية ووسم منافسيه بالألقاب السيئة، والحديث عن سياسات شعبوية، مثل الهجرة والتجارة؛ لكي يجعل من نفسه مركز النقاش، ومضى من البداية إلى النهاية لكي يحصل على ترشيح حزبه، وقد أنتجت هذه الصيغة له انتصارا كبيرا.

 

وجاءت واحدة من أكثر المواجهات في المناظرة عندما تمت مناقشة استجابة الولايات المتحدة لجائحة كورونا. وجادل «بايدن» بأن «الكثير من الناس ماتوا، وأن الكثير سيموتون ما لم يصبح أكثر ذكاءً، وأسرع بكثير». وكرد فعل، هاجمه ترامب بأنه «تخرج إما بأدنى مرتبة أو قريب من أدنى مرتبة في صفه» قبل تحذيره بعدم استخدام كلمة ذكي معي». ووصلت الهجمات الشخصية إلى مستوى سيئ مع مهاجمة الرئيس الحالي لأبناء نائب الرئيس السابق، والذي رد بغضب إن: «ابني كان في العراق، وحصل على النجمة البرونزية، وعلى وسام الخدمة الواضحة، ولم يكن خاسرًا، لقد كان وطنيًا». ومع استمرار ترامب في مقاطعته طوال فترة النقاش، علق بايدن قائلا: إنه «من الصعب الحصول على أي كلمة مع هذا المهرج».

 

ووفقا للعديد من المعلقين، فإن التحرك لتحويل المناظرة إلى مشهد ترفيهي بالنسبة إلى ترامب كان حيلة متعمدة لمحاربة بايدن. واستشهد «شين جولدماشر» من صحيفة «نيويورك تايمز»، بأن هذه الاستراتيجية كانت لجذب بايدن «لتصبح مناقشة لتبادل الاتهامات». وأوضح «هنري زيفمان»، من صحيفة «التايمز»، بأن «هذه الاستراتيجية نجحت على مستوى واحد من حيث انها حرمت بايدن من فرصة تكوين قدر كبير من التدفق لكلامه، وأنه كلما كان على أعتاب استكمال الحديث عن فكرة بطلاقة، كان يتدخل ترامب». من ناحية أخرى واجه «والاس»، أيضًا انتقادات متعددة. ووصف «ديفيد سميث» من صحيفة «الجارديان»، أداءه بأنه «مثل مدرس الحصص الاحتياطية المدرسية، بشكل يائس من أعماقه، حيث يقوم الأطفال المشاغبون بأعمال شغب». واتهمه «جيمس فالوز»، من مجلة «ذي أتلانتيك»، بالفشل في التكيف مع تكتيكات ترامب في المناظرة، وبالتالي السماح للجمهوري بالتلاعب به».

 

ومع ذلك، كانت إحدى القضايا التي لم يتمكن فيها ترامب من ممارسة حيل المناظرة معها هي مسألة ما إذا كان سيدين «تفوق الجنس الأبيض» واليمين المتطرف. وعندما سأل «والاس» عن اندلاع العنف السياسي في أمريكا منذ مايو، رد ترامب: «أود أن أقول إن كل ما أراه هو من فعل اليسار وليس اليمين». تبع ذلك رفضه مرة أخرى إدانة اليمين المتطرف علنا. وعند سؤاله عن مجموعة «الأولاد الفخورون» المناهضة للهجرة، صرح أن المجموعة يجب أن «تتراجع»، مضيفًا أن «على شخص ما أن يفعل شيئًا حيال حركة أنتيفا واليسار الراديكالي».

 

ومن وجهة نظر الكثيرين، فإن عدم قدرته على إدانة مجموعة يمينية متطرفة هي علامة واضحة على أنه لا ينوي توحيد الأمة الأمريكية في هذه اللحظة من الأزمة. وفي الواقع، تُعطي تصرفاته معنى لكلمات وزير دفاعه السابق «جيمس ماتيس»، الذي لاحظ في يونيو أن «ترامب هو أول رئيس لا يحاول توحيد الشعب الأمريكي، وبدلاً من ذلك يحاول تقسيمه». إضافة إلى ذلك، أيدت مجموعة «الأولاد الفخورون» نفسها بشغف كلمات ترامب، وردت على الإنترنت بأنها «تتنحى وتقف إلى جانب الرئيس الأمريكي».

 

وبشكل أعم، افتقر النقاش إلى تفاصيل السياسة أو تفسيرات ما يأمل أي من الرجلين تحقيقه في الرئاسة اعتبارًا من يناير 2021. وكما لاحظت بي بي سي، «تطرق النقاش قليلًا إلى السياسة، أو الجدل حول ما سيفعله أي من المرشحين أثناء وجوده في المنصب». وأضاف «شين جولدماشر»، في صحيفة «نيويورك تايمز»: أن «ترامب بدا يركز بشكل أساسي على إضعاف وإرباك بايدن، بدلاً من تقديم أجندة أو رؤية عن فترة ولاية ثانية في البيت الأبيض». وبالمثل، أشار «مايكل هيرش»، من «فورين بوليسي»، إلى أن «السياسة الخارجية في حد ذاتها لم تستغرق وقتًا تقريبًا في النقاش».

 

ومع أخذ هذا في الاعتبار، اتسمت ردود الفعل الدولية على المناظرة بالسلبية بشكل كبير. ووصفها «ديفيد تشارتر» من صحيفة «ذا تايمز»، بأنها «تركت الأمريكيين مذعورين فهي أكثر المناظرات فوضى وحقدا في تاريخ الانتخابات الأمريكية». وذهب «ديفيد سميث» إلى أبعد من ذلك، واصفًا النقاش بـ«الإذلال القومي الذي يفترض أن ينظر إليه مؤرخو المستقبل بالحسرة». كما ظهرت الإدانات لها واضحة في الصحافة الأوروبية. ووصفتها صحيفة «ليبراسيون»، بأنها «فوضوية وطفولية»، و«مرهقة». في حين قالت عنها صحيفة «لوموند»، إنها «عاصفة رهيبة». في غضون ذلك، قارنت مجلة «دير شبيجل» الأمر في ألمانيا بـ«حادث سيارة»، وكتبت صحيفة «لا ريبوبليكا»، «لم تنخفض السياسة الأمريكية إلى هذا المستوى من قبل».

 

وبالنظر إلى افتقار «ترامب» إلى آداب المناقشة والحوار، ليس من المستغرب تأكيد العديد من المراقبين إدارة «بايدن» للمناظرة بصورة أكثر ملاءمة. ووصف «أنتوني زورشر»، من «بي بي سي»، نائب الرئيس السابق بأنه «لم يستطع أن يتحدث كثيرًا في تلك المناظرة المحتدمة». وأرجع سبب ذلك إلى مقاطعات ترامب المستمرة التي «نادرًا ما أعطته فرصة لقول شيء ما يضر حقًا بأي من قضاياه». وداعي «هيرش»، أن ترامب «كان منزعجًا ومتوترًا بشكل واضح أكثر من بايدن طوال المناظرة»، ورأى «سميث»، أنه «إذا أعيد انتخاب ترامب.. فإن أحلامنا ستكون قاتمة ومرعبة لا يمكن تصورها وسيكون الأمر برمته أشبه بنعي الولايات المتحدة الأمريكية».

 

ومع ذلك، أوضح عدد أكبر من المعلقين أن النقاش لم يكن له فائز حقيقي بمعنى الكلمة، وأن الولايات المتحدة نفسها هي الخاسرة؛ لأنها اضطرت إلى تحمل مثل هذا العرض السياسي المذل. ولخص «تشارتر»، الموقف بأنه «بينما يمكن الحكم على بايدن بالفوز بالمناظرة، لم يكن هناك فائز حقيقي، لأنه لم يكن هناك نقاش حقيقي». وذهب «هنري زيفمان» من صحيفة «التايمز»، إلى أبعد من ذلك، حيث كتب أن «الخاسر الأكثر وضوحًا في المناظرة الرئاسية الأولى كانت الولايات المتحدة». وأضاف أن «الليلة الماضية لم تكن مناقشة بأي معنى، لقد كان شجارًا سيئًا، وفي بعض الأحيان غير مفهوم بين اثنين تجاوزا العقد السابع من العمر يبغض بعضهما بعضا بشكل واضح».

 

ومع هذا الموقف، ذهب العديد من المراقبين إلى أن نتيجة المناظرة لن يكون لها تأثيرات محتملة على نتيجة الانتخابات الرئاسية على نطاق واسع. وأشار «جولدماشر»، إلى أن «تأثير هذه المناظرة الفوضوية على نتائج الانتخابات -بالنظر إلى أن 90% من الناخبين حُسموا اختياراتهم بالفعل- هو أمر مشكوك فيه بشكل مطلق». ولا يخفى مع كل ذلك، تحدث ترامب أيضًا بشكل مثير للجدل، أنه قد لا يقبل نتيجة الانتخابات في نوفمبر القادم إذا خسر، وأن الوضع الحالي «لن ينتهي بشكل جيد».

 

على العموم، من الصعب رؤية تلك المناظرة الرئاسية الأولى التي لم تتعد أكثر من مجرد «مسرحية سياسية»، ألقت تأثيرًا مريرًا على السياسة الأمريكية ككل، إلا كما رأها «فالوز» في مجلة «ذي أتلانتيك»، أنها «لحظة سيئة للديمقراطية». ومع مناقشة القليل جدًا من القضايا السياسية، انخرط «بايدن»، و«ترامب»، في مناوشات لفظية سيئة لم تظهر الكثير من القناعات لإثبات إمكانية انتخاب أي منهما. وبالتالي، لا يمكن لأي منهما أن يدعي فوزًا حقيقيًا في المناظرة، حيث فشل كلاهما في توجيه ضربة قاضية ضد الآخر.

 

ومع وضع هذا في الاعتبار، ربما تكون هناك خيبة أمل أكبر عند النظر في أن مثل هذه المناظرة من المقرر أن تتكرر مرتين أخريين، في 15 و22 أكتوبر القادمين، فيما ستكون هناك مناقشة فردية لبايدن في 7 أكتوبر، غير أنه، للإنصاف، عادة ما تنتهي المناظرة الأولى لغالبية الرؤساء بأداء سيئ.

{ انتهى  }
bottom of page