top of page
17/10/2020

قراءة في كتاب الجنرال هربرت ماكماستر مستشار الأمن القومي السابق للرئيس الأمريكي ترامب

في الوقت الذي تكون فيه الولايات المتحدة على مفترق طرق للسياسة الداخلية والخارجية فإن وجهة نظر عضو سابق ذي خبرة ومكانة مرموقة في الجيش والحكومة الأمريكية، مثل  الجنرال «هربرت ماكماستر»، تكون مفيدة في فهم كيفية حدوث هذا الوضع، وكيف يمكن اجتيازه بنجاح، وخاصة أنه يعد أحد أكثر الشخصيات العسكرية الأمريكية خبرةً على مدار الثلاثين عامًا الماضية، وقد تم تعيينه مستشارًا للأمن القومي لإدارة ترامب عام 2017. وإلى جانب حياته العسكرية والسياسية فإن له أيضًا ارتباطا طويلا بالأوساط الأكاديمية والتاريخ العسكري.

 

ومؤخرا، أصدر «ماكماستر» كتابًا بعنوان «ساحات القتال.. الكفاح من أجل الدفاع عن العالم الحر»، حول آرائه في الأزمة داخل السياسة الخارجية الأمريكية والتحديات الاستراتيجية التي تواجهها واشنطن. ولفهم حججه ووجهات نظره حول ما قدمه في هذا الكتاب أجرى «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» بواشنطن ندوة عبر الإنترنت معه، أدارها «سيث سنتر» مدير مشروع التاريخ والاستراتيجية بالمركز والعضو السابق في مجلس الأمن القومي الأمريكي.

 

في البداية، وصف «سنتر» الكتاب بأنه «تحليل مكثف وسلسلة من خيارات السياسة مصحوبة بالكثير من الانتقادات اللاذعة لخيارات السياسة الخارجية الأمريكية السابقة». ومن خلال النظر في «السؤال المتمثل في الاستراتيجية الكبرى» أوضح أنه شهد «تكثيف سلسلة من التهديدات في نفس الوقت»، والتي تضمنت «التوترات المتزايدة مع القوى العظمى، والتهديدات ممن أشار إليهم باسم (المارقين الإقليميين)».

 

ومن ثم تساءل عما إذا كان الوقت الحاضر هو «أحد أكثر الأوقات تحديًا لتوضيح المشهد الاستراتيجي»، ومن ثم صياغة استراتيجية على حد سواء.

 

من جانبه، وافق «ماكماستر» على أننا نرى الآن «الخطوط العريضة للسباقات الحاسمة التي ستحدد ما إذا كان مستقبلنا سيكون فيه الحرية والازدهار والتأثير المتزايد في المجتمعات الحرة والمفتوحة أو مستقبل نصبح فيه وغيرنا من الدول الحرة أقل حرية وأمانًا»، معترفا بأن هذه السباقات «ليست جديدة»؛ لكن المهم هو فهم «كيف أنتج الماضي القريب ما نعيشه في الحاضر». ولتفسير ذلك أشار إلى «التهاون» داخل الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة، إذ «أخلت» مجالات المنافسة؛ ما أدى إلى حدوث أخطاء في سياستها الخارجية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وهو ما أحدث نوعا من «فقدان الثقة»، وتحولا من «التفاؤل إلى التشاؤم». ومع ذلك أقر بأنه لا يزال يتعين على واشنطن أن تظل منخرطة بطريقة معقولة ومنطقية في التحديات التي تواجهها، وأن هذا يجب أن يكون مدفوعًا «بإعادة تنشيط الكفاءة الاستراتيجية داخلها».

 

 

ومع وضع ذلك في الاعتبار، تساءل «سنتر» عما إذا كانت هناك فائدة من تصنيف تهديدات الأمن القومي للولايات المتحدة. وأجاب «ماكماستر» أنه «من المهم تحديد الأولويات»، لأنه «إذا كان كل شيء يمثل أولوية، فلا شيء ذو أولوية»، موضحا أنه عندما تم تعيينه في البيت الأبيض عام 2017 بدأ مهامه بوضع قائمة من ستة عشر «تحديًا حاسمًا من الدرجة الأولى». وعلى الرغم من أنه وافق على أن عدد التحديات الحاسمة قد يبدو كثيرًا ليكون ضمن الأولويات، فقد فسر أن هذه القضايا «غالبًا ما تتداخل»، وأن واشنطن تحتاج إلى أن تكون قادرة على «القيام بأكثر من شيء واحد في وقت واحد كقوة عالمية».

 

ومع ذلك، أوضح أيضًا حاجتها إلى معالجة «التهديدات الوظيفية» التي «تتقاطع مع هذه التحديات الجيوستراتيجية». وذكر المنافسة المتزايدة في الفضاء، والحرب الإلكترونية، والتنافس الاقتصادي، باعتبارها مجالات الاهتمام الرئيسية، مع وجود قضايا أخرى «ذات صلة» مثل المناخ، والطاقة، والأمن المائي، التي تحتاج أيضًا إلى أن يتم أخذها في الاعتبار في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، مشيرا إلى أنه في حالة التهديدات، مثل الإرهاب والأوبئة، يتعين على البلدان عادةً «مواجهة تلك التحديات مع تحمل كلفة أعلى بكثير» عندما تصل إلى أراضيها، وألا يتم التعامل معها بالقرب من مصادرها الأصلية.

 

وحول آثار فيروس كورونا على الأمن القومي الأمريكي والنظام الدولي العالمي أشار إلى أن الكيفية التي تواجه بها واشنطن «فترة الأزمة»، يجب أن تخضع لـ«الفحص والتدقيق» الوطني. وعلى المستوى الدولي، أدت الجائحة إلى «تحفيز» السجال الحالي، و«تضخيم» تبعات ذلك عالميا. وبالفعل، أكد «سنتر» أنه كانت هناك آمال أن الأزمة العالمية «ستشكل نوعًا جديدًا من التعاون»، ويمكن لبلدان العالم أن «تبتعد عن مسار المنافسة»، لكن هذا لم يؤت ثماره.

 

وفي رده على سؤال عما إذا كانت المنافسة الآن جانبًا «هيكليا» للعلاقات الدولية أكثر مما كان عليه الحال سابقًا، اتفق «ماكماستر» على أن الديناميكية التنافسية «هيكلية»، لكنه أضاف: «لقد كانت منذ فترة طويلة» على الرغم من عدم الاعتراف بها، مؤكدا أن استخدام مصطلحات مثل «الحوكمة العالمية» قد أقنع صانعي السياسة الأمريكيين بأن النظام العالمي الذي يتبع القيادة الأمريكية ليس فقط «قابلا للتحقيق»، ولكنه «مستمر» أيضًا. وأطلق على هذا الأمر اسم «ترحيل» «الافتراضات المعيبة للتسعينيات»، التي كانت تستند إلى «حلقة من التاريخ» المُضلل الذي من المفترض أنه «يضمن أولوية مجتمعاتنا الحرة والمفتوحة على الأنظمة الاستبدادية المنغلقة».

 

وفيما يتعلق بتهديد الأمن القومي من قبل الصين، كان مستشار الأمن القومي السابق مُباشرًا وواضحًا في اتهامه بكين، إذ زعم أن الحزب الشيوعي الصيني نشر جائحة كورونا في العالم، مستشهدا بقمع وسائل الإعلام الصينية تقارير انتقال العدوى من إنسان إلى آخر، فضلا عن معاقبة الأطباء الذين حاولوا التحذير من مخاطره، وأن بكين «زادت الأمور سوءا» من خلال مجموعة أعمالها العدوانية ضد واشنطن وحلفائها، باستخدام «اللغة الشوفينية والتهديدية» فيما يتعلق ببحر الصين الجنوبي، كما وصف محاولاتها المفترضة للسيطرة على تايوان بأنها «أكبر محاولة للاستيلاء على أرض في التاريخ».

 

وفي حديثه عن روسيا وصف عام 2020 بأنه «سيئ بشكل خاص» بالنسبة إلى الرئيس الروسي «بوتين»، إذ حرمه من القدرة على «تعزيز» سلطته، وبدلا من ذلك واجه وباءً وصفه قائد الجيش السابق بأنه «كارثة للاقتصاد الروسي الذي يعاني الكساد بالفعل». ومن هنا، زعم أنه ردا على هذه الانتكاسات أصبح «بوتين» «أكثر عدوانية»، وما يدل على ذلك عملية تسميم زعيم المعارضة «أليكسي نافالني»، ونقل القوات الروسية إلى بيلاروسيا بزعم إجراء مناورة عسكرية.

 

ومع وضع هاتين الحالتين في الاعتبار، سأل «سنتر» عما إذا كانت هناك «فرص ضائعة» بالنسبة إلى واشنطن، إذ «كان من الممكن أن يؤدي سلوك مسار مختلف إلى تغيير الوضع». ووافق «ماكماستر» على هذه الفرضية، بحجة أنه «كان ينبغي أن يكون واضحًا منذ البداية أن الصين لم تكن تلتزم بالقواعد» بعد منحها عضوية المنظمات الدولية، وأنها كانت قادرة على «جني كل الفوائد» من انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية، وأنها جمعت ذلك مع السياسات الاقتصادية «التجارية» التي استفادت منها بشكل كبير، مشيرا إلى قيامها «بسرقة» تقنيات عسكرية سرية من الولايات المتحدة من خلال استخدام جواسيس وعملاء. ومن ثم انتقد بشدة نهج الغرب الذي ظل ثابتًا حول الاعتقاد أن الصين ستغير أساليبها في نهاية المطاف وتصبح «صاحب مصلحة مسؤولا».

 

وحول استجابات السياسة الخارجية للولايات المتحدة لتهديدات كل من روسيا والصين، أشار «ماكماستر» إلى أن التوسع الاقتصادي الصيني حدث بالتزامن مع عدم الثقة في الأزمة الأمريكية، وأن أعضاء إدارة أوباما شاركوا بشكل أساسي في سياسة غلب عليها «التقهقر» أمام الصين، بدلا من منافستها. كما أوضح أيضا أن الغرب بحاجة إلى «مواجهة» الأعمال العدائية للحزب الشيوعي الصيني بشكل أفضل؛ مؤكدا أنه «يتبع نمطا يتخلله أسلوب المشاركة تارة، والإكراه والتمويه تارة أخرى» ضد الشركات والدول الأجنبية للخضوع للنموذج الاقتصادي الذي يحدده الصينيون. ووصف هذه العملية بأنها ترمي إلى إنشاء علاقات «ذليلة وخانعة واستسلامية» بين الدول الأصغر وبكين، ما يسمح للأخيرة بتشكيل «مناطق نفوذ لها»، وهو ما قد يضر باقتصاد الولايات المتحدة. وفيما يتعلق بروسيا، أوضح أنه على الرغم من أن بوتين وضع خططه الاستراتيجية بوضوح عند توليه منصبه فإن الولايات المتحدة بدأت «فك الارتباط» بالدول الأوروبية على أساس ميلها إلى ما يسميه «ماكماستر» «القيادة النرجسية».

 

وفي إشارته إلى رد فعل واشنطن «الباهت» على هجمات القاعدة الإرهابية قبل 11 سبتمبر خلص إلى أنه «كان لدينا بعض الفرص لوضع سياسات مختلفة»، و«استراتيجيات مختلفة»، وكان من الممكن أن يكون لها نتيجة مختلفة جوهريا. وبالنسبة إلى ما هو قادم، صرح بأنه من الضروري التعلم من «الفرص الضائعة».

 

وعندما سُئل عن الدور الذي تمارسه الإدارة الأمريكية الحالية ومخاطر ذلك على سياستها الخارجية، وعما إذا كان هناك «حالة عجز تاريخية» في هذا الشأن، وافق «ماكماستر» على هذا الأمر، واصفا «العجز» بأنه «مشكلة مركزية» تقوض «الكفاءة الاستراتيجية لواشنطن بشكل يومي». وأمام كل التحديات الاستراتيجية الحديثة ذكر أن صانعي القرار يتجهون نحو المبالغة في «تبسيط القضايا الرئيسية». وعلى الجانب الآخر، سلط الضوء على ميل الأمريكيين إلى أن يكونوا أكثر اهتمامًا «بالنظر إلى وضعهم الداخلي»، مستشهدا بالسياسات الانعزالية السابقة خلال النصف الأول من القرن العشرين. وعلى الرغم من تأكيده أنه ليس من «السيئ» أن تكون «متشككًا» في جدوى التشابكات والتحالفات العسكرية الأجنبية فإنه أكد من جديد أنه لا يزال من المهم للغاية بالنسبة إلى واشنطن أن تدرك أن هناك الآن عالما «أكثر ترابطًا»، إذ يمكن أن تؤثر التحديات الأمنية الخارجية عليها أكثر من أي وقت مضى.

 

وعند تناوله تأثير «ترامب» على السياسة الخارجية الأمريكية بدا «ماكماستر» هادئًا بشكل ملحوظ، على الرغم من أنه قدم إشارات اسمية عن تأثيره السلبي في هذا الصدد، إلا أنه دافع عن قبوله دور مستشار الأمن القومي في عام 2017، واصفا إياه بأن «هذا المنصب لا يحتاج إلى أي تفكير»، وذلك استنادًا إلى مؤهلاته وتجاربه وخبراته السابقة. ومع ذلك، فقد انتقد تغيير الخطاب السياسي الأمريكي الذي كان ترامب وراءه، وكذلك حالة «التحزب التافه» لواشنطن في الوقت الراهن، مشيرًا إلى أنها «تقوض قدرتنا على العمل معًا».

 

وفي النهاية، أوضح أنه كتب هذا الكتاب ليكون الهدف منه تعزيز المناقشات «المحترمة» و«الهادفة» حول الأمن القومي للولايات المتحدة «لتجميعنا وتوحيدنا كأمريكيين»، وعكس مسار الاستقطاب الذي نراه في نظامنا السياسي»، منتقدا «انجرار الجيش الأمريكي إلى ساحة السياسة ورموزها في الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وفي ضوء أن عدة مئات من العسكريين الأمريكيين السابقين قد أعربوا علنًا عن دعمهم لـ«جو بايدن»؛ أشار إلى أن هذا الأمر له «جوانبه السلبية»، ويعد «ظاهرة غير صحية».

 

على العموم، قدمت الندوة عرضا جذابًا وغنيا بالمعلومات حول مجموعة واسعة من القضايا، إذ أظهر «ماكماستر» معرفته بقضايا الأمن القومي الأمريكي، وقدم منظورًا متوازنًا لوجهات نظر سيحتاج إليها المحللون الاستراتيجيون. وعلى الرغم من أن التطرق إلى مسألة محاسبة المسؤولين الأمريكيين بشكل أكبر جراء أخطاء سياستهم في الشرق الأوسط، وخاصة فيما يتعلق بإيران، كانت ستضيف إلى هذا الحدث، فقد قدم وصفًا مفصلا للتحديات المماثلة من روسيا والصين، فضلا عن وصف الاستراتيجيات والسياسات الأوسع، والتحديات التي ستواجهها واشنطن في السنوات والعقود القادمة.

 

وفي الأخير، تم ملاحظة أن الدروس الرئيسية من وراء الكتاب هي «تجنب النرجسية في فهم طبيعة البيئة الدولية تحت أي ظرف من الظروف»، وأنه من أجل استعادة الكفاءة الاستراتيجية للإدارة الأمريكية من الضروري أن يكون لديك «اتصال مع منافسيك وأصدقائك»، وأيضًا «رؤية واعدة» للمستقبل.

{ انتهى  }
bottom of page