top of page
31/10/2020

الرجل الذي أدار واشنطن.. قصة حياة جيمس بيكر

صدر مؤخرا عن دار نشر «دابلداي»، بنيويورك، كتاب بعنوان «الرجل الذي أدار واشنطن.. قصة حياة جيمس بيكر» وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية بين عامي 1989-1992، لكل من «سوزان جلاسر»، و«بيتر بيكر»، اللذين صنفا وزير الخارجية الأسبق كشخص «أدار بفاعلية أكثر الفترات اضطرابًا في السياسة الدولية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث أشرف على نهاية الحرب الباردة، وساعد في إعادة توحيد ألمانيا، ونظم مؤتمرًا تاريخيًا للسلام في الشرق الأوسط».

 

وبشكل كبير اتسمت ردود فعل المعلقين على الكتاب بالإيجابية، وتم وصفه بأنه «تصوير متوازن لبيكر». وكتب «دانيال دريزنر»، في صحيفة «واشنطن بوست»، أنه «ليس تمجيدًا لبيكر، وبدلاً من ذلك يشرح كيف انحدر الحزب الجمهوري من حزب ريجان إلى حزب ترامب». ولاحظ «لويد جرين»، في صحيفة «الجارديان»، أنه في حين أن لهجته «تبدي احترامًا وإعجابًا، إلا أنها ليست تبجيلية، حيث سلط الضوء على ميل بيكر لتلميع صورته وإبعاد نفسه عن المشاكل»، غير أنه وصف العمل بأنه «سيرة ذاتية بارعة ثرية بالمعلومات».

 

استهل المؤلفان الفصل التمهيدي بالتركيز على حياة «بيكر» الشخصية وبداياته السياسية، بعدها تم تناول فترة عمله كوزير للخارجية ودوره في حرب الخليج. ولعل أحد المواضيع الرئيسية التي تناولاها كان «تحذيره من استخدام القوة العسكرية». ففي البداية كان «متحفظًا، ويبتعد عن المخاطرة، وحذر دائمًا من جر واشنطن إلى مستنقع خارجي بعد الغزو العراقي للكويت». وأضافا، ردًا على تصريح بوش الشهير، بأن «احتلال العراق لن يصمد»، أنه «كان يخشى أن بوش كان يلزم نفسه بأكثر مما كانت واشنطن مستعدة للتعامل معه». ودافعا عن هذا التقييم، بقولهما: «في ذلك الوقت كان الجيش العراقي رابع أكبر جيش في العالم، وكان صدام حسين قد أظهر بالفعل ولعًا باستخدام الأسلحة الكيماوية خلال حرب العراق مع إيران في الثمانينيات».

 

وبمجرد اتخاذ القرار بتشكيل تحالف ضد «صدام» برهن المؤلفان على فاعلية دور بيكر الدبلوماسي، حيث وصفا رده بأنه «هجوم دبلوماسي استثنائي»، من خلال «جولات مكوكية حول العالم في عشرة أسابيع، وعقد أكثر من مائتي اجتماع مع رؤساء الدول ووزراء الخارجية، لتشكيل تحالف بقيادة واشنطن ضد العراق». وخلصا، إلى أن ما يسمونه «تحالف بيكر» كان «مجموعة استثنائية من ست وثلاثين دولة، ولا سيما أنها تضم دولاً معادية للغرب في العادة، مثل سوريا».

 

وفي هذا الصدد، أشاد الكتاب بأسلوبه الشخصي في الدبلوماسية، والذي من خلاله «أقنع واستغل وخدع وأرهب». وحول نجاحه في إقناع الدول في الأمم المتحدة بدعم القرار (678)، الذي دعا العراق إلى الانسحاب من الكويت؛ عقب المؤلفان بأن «هذه المنطقة الطبيعية له بناءً على خبرته السابقة في المفاوضات السياسية المحلية».

 

علاوة على ذلك، فإن إدارة بيكر لمخاوف البلدان المتورطة في الأزمة جديرة بالثناء. ويستشهد الكتاب بـ«سنوات الخبرة» له باعتبارها لا تقدر بثمن في التصدي بنجاح للاعتراضات السوفيتية على استخدام عبارة «استخدام القوة»، والتي تم تغييرها إلى «جميع الوسائل الضرورية» الأكثر غموضًا كوسيلة لكسب الدعم السوفيتي. وفي غمرة الصراع نفسه، تم تسليط الضوء على نجاحاته في إقناع إسرائيل بعدم الرد على العراق بعد سلسلة من هجمات صواريخ سكود؛ وهي الخطوة التي كان يُمكن أن تؤثر على مُشاركة الدول العربية في التحالف.

 

من جانب آخر، أشاد المؤلفان بقدرته على إقناع الدول ليس فقط بالالتزام بالتحالف عسكريًا، لكن أيضًا ماليًا، حيث كان قادرًا على تعويض معظم العبء المالي لواشنطن، وتمكن من جلب 53.7 مليار دولار من الحلفاء مقابل كلفة حرب إجمالية قدرها 61.1 مليار دولار، الأمر الذي جعل القادة الأمريكيين يعتقدون أن «بيكر سيكون ناجحًا للغاية في جعل الولايات المتحدة تجني أرباحًا من الحرب».

 

وفي حين أن تناول «بيتر»، و«جلاسر»، لدور وزير الخارجية إبان حرب الخليج يتسم بالإيجابية في الغالب، إلا أنه لا يخلو من الانتقادات، ولا سيما فيما يخص استعداد «الخارجية الأمريكية» للغزو العراقي. وفي بادئ الأمر كان «غير مبالٍ بشأن استنفار القوات العراقية على الحدود الكويتية». ونظرًا إلى أن العراق كان «محور الاهتمام الأساسي لرئاسة بوش»، فقد أوضح ذلك «مدى افتقاد بيكر وفريقه لإشارات التحذير بشأن صدام حسين. وبعد الغزو تم التساؤل «لماذا لم تفعل الإدارة الأمريكية المزيد للحيلولة دون حدوث ذلك؟». فيما تم انتقاده أيضا لعدم اكتراثه تجاه تحمل مسؤولية تلك الأخطاء الجسيمة. واستشهد المؤلفان، بـ«مايكل كينسلي» من صحيفة «واشنطن بوست» الذي كتب أن الوقت الذي كان بيكر فيه «أعظم من يتخذ موقفًا ذاتيًا في واشنطن؛ فإن تحمل المسؤولية ليس أسلوبه، وأن دفاعه بشأن الجدل حول الاتصالات الأمريكية الرسمية لبغداد لم تلق قبولا».

 

بالإضافة إلى ذلك، تم انتقاد أسلوبه الذي لم ينل رضا الجميع بما في ذلك حلفاء واشنطن. ورأت «مارجريت تاتشر»، أن بيكر «مجرد موظف»، و«شخص يهتم فقط بسياسة الموقف». ودعمًا لذلك، قيل لاحقًا إنه كان «غير مبالٍ تمامًا بالحياة الشخصية للأشخاص الذين عمل معهم أكثر من غيرهم». ويشير الكتاب إلى علاقة متوترة مع الإسرائيليين، وأن «علاقة بوش وبيكر كانت متوترة مع القادة الإسرائيليين منذ البداية». ومع أول لقاء بين الاثنين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، «إسحاق شامير»، أدى ذلك إلى إحداث شرخ دائم بين الجانبين».

 

وتتمثل إحدى نقاط القوة الرئيسية الأخرى في «الكتاب» في أنه يمنح فهما للمشهد الجيوسياسي الأوسع الذي عمل من خلاله بيكر. وفي الصياغة المبكرة بينه وبين نظيره السوفيتي، «إدوارد شيفرنادزه»، بشأن بيان يدين احتلال العراق، تمت الإشارة إلى نهاية الحرب الباردة، حيث «مثل التعاون لحظة فريدة في العلاقات الروسية الأمريكية، فبعد 45 عامًا من المناورات للسيطرة على العالم انضمت الدولتان معًا لفرض معايير مشتركة على أسلوب الإدارة الدولية». بالإضافة إلى ذلك، أشار إلى أن نجاحات بيكر ليست وليدة جهود فردية، حيث وضع تصرفاته ضمن السياق الأوسع لإدارة بوش. وكثيرًا ما تمت الإشارة إلى «عصابة الثمانية» لكبار مسؤولي البيت الأبيض المكونة من شخصيات، مثل (بوش، وديك تشيني، وكولين باول، ودان كويل). علاوة على ذلك، يوصف وكيل وزارة الخارجية، «روبرت زوليك»، بأنه «مهندس المشاريع الدبلوماسية المميزة لبيكر».

 

ومع ذلك فإن أحد أكثر الأمور اتساقًا في الكتاب هو الصداقة الشخصية الوثيقة والتنافس بين بيكر، وبوش. وتشير «سامانثا باور»، السفيرة الأمريكية السابقة لدى الأمم المتحدة خلال إدارة أوباما إلى أنه «مؤثر» في «تناوله للصداقة العميقة والفكاهية والمنافسة أيضًا مع بوش».

 

وبحلول عام 1990 لم يعد لبيكر النغمة «المفرطة في الاحترام تجاه بوش كما كان عليه الحال في السابق، حيث كان لديه إدراك أفضل بما يمكن أن يقبله الحلفاء وما لا يمكنهم في تشكيله تحالفا تقوده الولايات المتحدة». ومع ظهور بوش «أقل انسجاما أمام الفروق الدقيقة للتحالف وتحت ضغط إصدار أوامر لحرب محتملة، فإن الرئيس كان على استعداد لقبول توجيهات بيكر، حيث توسع بشكل كبير تأثيره على الخليج بأكمله من مجرد دوره كدبلوماسي».

 

وحول «مؤتمر مدريد للسلام»، ومحاولاته لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، أشار المؤلفان إلى أن «بيكر» في البداية «تجنب أي استثمار للجهد والوقت في البحث عن السلام في الشرق الأوسط، لأنه اعتبر أن «الأمر أشبه بمستنقع لطالما استنزف طاقات وزراء الخارجية الأمريكيين السابقين إلى حد لا يمكن وصفه». ومع ذلك فقد لاحظا أن حرب الخليج ربما تكون قد غيرت هذه الفكرة؛ حيث إن «معالجة الصراع بين إسرائيل وفلسطين كانت مهمة دبلوماسية تشغله بالفعل حتى قبل أن يتم وقف إطلاق النار من قبل العراق». وبما أنه «قام بما لم يفعله وزير خارجية من قبل من خلال تشكيل تحالف ضم أقوى الدول العربية؛ فقد شكل بدوره علاقات وثيقة مع القادة العرب الرئيسيين الذين سيكون دعمهم لا يقدر بثمن بالنسبة لاتفاق سلام في الشرق الأوسط». وبينما أقر الكتاب بأنه «لم يكن خبيرًا في المنطقة»، فقد أكد أنه «لم يأت أحد مثله في الشعور الأكثر حدسية بطريقة إبرام المفاوضات أو كيفية إغراء الأطراف المترددة لتقديم تنازلات». وبالتالي تم وصفه بأنه «يشبه الحرباء تقريبًا في قدرته على التكيف مع محيطه».

 

بعد ذلك بيّن الكتاب دور «بيكر» فيما يجب أن يتحمله كل من الإسرائيليين والفلسطينيين والسعوديين والمصريين من أجل أن يتمكن في النهاية من التوصل إلى «صيغة أعطت كافة الأطراف ما يريدانه، ومبررًا سياسيًا كافيًا للتريث في ما لم يتم إنجازه من تطورات خلال أشهر من الدبلوماسية المكوكية له». ومن خلال تقديم وصف واضح للأحداث؛ يذكر أن «بيكر» نفسه رأى «مؤتمر مدريد» عام 1991 خطوة أولى نحو الحل، خاصة بعد أن بدأ «يشعر بالمعاناة جراء عدد من الخلافات الصغيرة، التي جعلت طبيعة المفاوضات مؤلمة في بعض الأحيان للتحرك قدمًا للأمام ولو لمجرد بوصة واحدة». ومع ذلك فقد تركت مدريد له «شعورًا بالرضا؛ لأنها أشارت على الأقل إلى أن السلام ممكن، ولكن عليه أن يعلم أن الكثير من العمل المضني ينتظره».

 

وعند النظر إلى جهوده الفعالة بشأن عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، أشار المؤلفان إلى أن «مدريد كانت الاختبار النهائي لقدرته كوزير خارجية على جلب الأشخاص الذين يكرهون بعضهم البعض للجلوس على طاولة المفاوضات». ومع ذلك، سلطا الضوء على كيفية تأثير الأحداث على تقديراته المتعلقة بالشرق الأوسط، ولا سيما بعد محاولة الانقلاب ضد الرئيس السوفيتي جورباتشوف، ومسألة إعادة انتخاب بوش الأب، حيث قللت كل هذه الأمور من اهتمامه بالمنطقة في المستقبل وقضية السلام كلها».

 

يغطي الكتاب بعد ذلك الفترة الفاشلة لـ«بيكر» كرئيس لحملة إعادة انتخاب بوش الأب، ودوره البارز بعد الانتخابات الرئاسية لجورج بوش الابن عام 2000. ومع ذلك فإن الجزء الأكثر جدارة بالملاحظة في الفصول الختامية يتعلق بآرائه بشأن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب. وعلى الرغم من أنه ليس أحد المعجبين به إلا أنه «لم يكن مستعدًا للتخلي عن الحزب الجمهوري لمجرد أن احتضن ترامب». وفي حين أنه «قد جسد حقبة مهمة في السياسة الأمريكية، كان مثل العديد من الشخصيات البارزة المنتمية لأي من الحزبين التي نحت خلافاتها جانبًا في ظل الأزمة الراهنة».

 

على العموم، قدم الكتاب سردا مفصلا غنيا بالمعلومات عن «جيمس بيكر»، وجميع الجوانب الرئيسية لحياته ومسيرته المهنية، وأعطى وصفًا تفصيليًا وتحليلا حول نجاحاته وإخفاقاته من خلال الإجراءات الدبلوماسية باستخدام «سياسة المطرقة المخملية» في الفترة التي سبقت حرب الخليج ومؤتمر مدريد، وهو ما قدم إطارا مفاهيميًا شاملاً ومقنعًا على حد سواء للتحولات الهيكلية الكبيرة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وهو ما وصفته مجلة «الايكونوميست»، بأنه «علامة بارزة لرسم سيرة سياسية تستحق التقدير».

 

وعلى الرغم من أن الكتاب كان من الممكن أن يقدم تقريرًا أكثر تفصيلاً لتفاعلات بيكر مع حكومات مصر والبحرين والسعودية إبان حرب الخليج، فإن الإشارات التي تركها بشأن انحرافات ترامب بعيدًا عن تراث بيكر، ربما يكون هو الأمر الأهم، خاصة أن التناقض بين الأسلوب الدبلوماسي لبيكر والسياسة الخارجية لترامب بات أكثر وضوحًا، وبالتالي فإنه يعتبر تذكيرا بما كان يمكن أن تكون عليه واشنطن إذا واصلت العمل بإرث بيكر. لكن وكما يوضح «لويد جرين»، فإن الكتاب يذكرنا بأن «الدبلوماسية الآن لم تعد دائمًا تسير على هذا النحو».

وليس مفاجئًا أن هناك الآن الكثير من التكهنات عما إذا كانت إيران ستبدأ استيراد وتصدير الأسلحة على نطاق أوسع مما فعلته سابقًا، وإذا فعلت ذلك، فما أنواع الأسلحة والتقنيات التي ستسعى للحصول عليها، ومن ثم سترسلها إلى أذرعها في المنطقة؟

 

لقد رأى بعض المحللين الغربيين أن إيران لن تسعى لاستغلال موقفها الجديد؛ لأنها ستواجه انتقامًا أمريكيًّا محتملاً، ولكن لم يقتنع البعض الآخر بهذا الأمر، مشيرين إلى الاتفاقات الدبلوماسية بين روسيا والصين وإيران بشأن صادرات الأسلحة التي يُقال إنها سارية بالفعل. إن المخاطر كبيرة بلا شك، وتتمثل -كما توضح مجلة بوليتيكو- في أن إيران »يمكنها الآن نظريًّا شراء أسلحة لتحديث الترسانة العسكرية التي يعود تاريخها إلى ما قبل الثورة الإسلامية عام 1979، وبيع معداتها المنتجة محليًّا في الخارج». ويضيف موقع المونيتور أن «إيران تتطلع إلى شراء الطائرات الصينية والروسية لتحل محل أسطولها القديم، وأيضًا أن المسؤولين الروس قد طرحوا بالفعل إمكانية بيع نظام الدفاع الجوي المتقدم إس-400 لإيران».

 

ويرى المحللون الغربيون أن عوامل مثل التردد المزعوم لروسيا والصين في تزويد إيران بأسلحة جديدة، والصعوبات المالية التي تواجهها إيران، تجعل تخزين الأسلحة أمرًا غير محتمل في المستقبل القريب. وكتبت إيلي جيرانمايه، من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن زيادة واردات الأسلحة الإيرانية «من غير المرجح أن تحدث في المدى القريب». وأضافت أنه على الرغم من «عدم وجود شك في أن موسكو وبكين ستوقعان صفقات أسلحة مع طهران، إلا أنه يمكن للضغط السياسي والاقتصادي الكبير للولايات المتحدة على روسيا وشركات الأسلحة الصينية المملوكة للدولة أن يقلل من رغبتهما وقدرتهما على المضي قدمًا في مثل هذه الصفقات».

 

وقد تم الاستشهاد بالصعوبات المالية التي تواجهها إيران كسبب رئيسي لعدم حصولها على أسلحة نوعية أو حتى تقليدية بكميات كبيرة، حيث وصف أوميد شكري كاليشار، من جامعة جورج ميسون في مجلة ناشيونال إنترست، الوضع بأن إيران تواجه «عجزا مزمنا في الموازنة» نتيجة العقوبات الاقتصادية. وزعم إميل الحكيم، من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، أن «إيران لا تملك الموارد، أو الأفراد، أو العقيدة، أو البائعين المتحمسين لتسليحها بسرعة لتصبح قوة تقليدية».

 

وفي الواقع، قد يكون الرفض من روسيا والصين لرغبة إيران في استيراد الأسلحة التقليدية سابقًا لأوانه، حيث توجد بالفعل تقارير تفيد بأن طهران بدأت الحصول على أسلحة من الخارج. وذكر سايمون واتكينز، من «أويل برايس»، أن إيران قد توصلت بالفعل إلى اتفاق لشراء أسلحة مصنوعة في كوريا الشمالية كجزء من صفقة الشراكة الاستراتيجية مع الصين، وأن هذه الصفقة ستشهد نقل صواريخ هواسونغ- 12 الباليستية، التي يبلغ مداها الفعال 4500 كيلومتر، وستكون جميعها جزءًا من علاقة ثلاثية أوسع، تنسقها بكين، ويسهلها الإطلاق الوشيك لنظام العملة الرقمية الجديدة من قِبَل الصين»، وستسمح مثل هذه الديناميكية لبكين بتجنب العقوبات بسبب التجارة مع إيران، وسيكون لها أيضًا تأثير ضئيل إلى حد ما على كوريا الشمالية؛ لأنها تقع بالفعل تحت تأثير العقوبات بشكل واسع النطاق.

 

ولكن هنري روم، مُحلل الشأن الإيراني في مجموعة أوراسيا، يرى أن المحادثات الرئيسية بشأن اتفاقيات الأسلحة «من المرجح أن تكون مجمَّدة حتى تتضح نتيجة الانتخابات الأمريكية»، وأن كلا من الصين وروسيا «لديهما مصالح جيوسياسية كبيرة في دول الخليج، التي لا تشعر بالارتياح مع زيادة الأسلحة القادمة إلى طهران».

 

وعلى الرغم من أن معظم تركيز المحللين كان على الأسلحة التي ستسعى إيران إلى استيرادها لنفسها، فإن هناك قضية رئيسية أخرى وهي الأسلحة التقليدية التي ستنقلها إيران الآن إلى عملائها في الشرق الأوسط. وتوضح مجلة «بوليتيكو» أنه نظرًا إلى أن «دول الخليج، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، قد تفوقت على إيران منذ فترة طويلة»، فقد «اتجهت طهران بدلاً من ذلك نحو تطوير صواريخ باليستية محلية الصنع»، وهو الأمر الذي سيمكّنها الآن من تزويد الآخرين بحرية.

 

لكن الخبراء لاحظوا أيضًا أن حظر الأسلحة لم يفعل شيئًا يُذكر للحد من دعم إيران لعملائها؛ فقد أوضح كولدا، من «المجلس الأطلسي»، أن إيران باعت أو منحت نظام الدفاع الجوي «بافار 373» و«خرداد 3» إلى سوريا، وأضاف أن «الأسلحة الخفيفة والذخيرة تم تسليمها أيضًا إلى المليشيات الشيعية في العراق وسوريا، وكذلك إلى جماعة حزب الله اللبنانية»، وأن إيران على الأرجح زوّدت المتمردين الحوثيين في اليمن بـطائرات مُسيرة من طراز « قاصف 1» والأسلحة الخفيفة.

 

ومما لا يثير الدهشة، أن رفع عقوبات الأمم المتحدة بشأن الأسلحة عن إيران أدى إلى اتخاذ الولايات المتحدة إجراءات استباقية، وأشار «دان هافيرتي»، من مجلة فورين بوليسي الأمريكية، إلى أن «إدارة ترامب تعمل على استباق انتهاء حظر الأسلحة، من خلال إطلاق حزمة جديدة من العقوبات على طهران، بغرض استهداف البنوك الإيرانية والجيش الإيراني على حد سواء»، وفي الواقع، في أوائل أكتوبر، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على ثمانية عشر مصرفًا إيرانيًّا في إطار حملتها للضغط الاقتصادي على طهران.

 

وفي اليوم الذي انتهت فيه العقوبات، أعاد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو تأكيد معارضة الولايات المتحدة، وأن «بلاده ستستخدم سلطاتها لمعاقبة أي فرد أو كيان يسهم في توريد أو بيع أو نقل الأسلحة التقليدية إلى إيران أو منها»، كما أضافت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة «كيلي كرافت»، أن «بلادها ستواصل تحميل إيران المسؤولية، حتى لو كان ذلك يعني أنه يجب علينا التصرف بمفردنا حيال طهران».

 

ومع ذلك، أشار المعلقون إلى أن هذه العقوبات الجديدة قد تؤدي إلى تعزيز علاقات إيران مع الصين، فقد كتبت «إميلي جين»، من مركز الأمن الأمريكي الجديد في مجلة «ذا ديبلومات» اليابانية، أن «لدى إيران دوافع اقتصادية وسياسية متزايدة للانحياز إلى شراكتها الاستراتيجية مع الصين»، وذلك في ظل استعداد بكين لتجاهل العقوبات الاقتصادية، وستمثل هذه الدوافع «شريان الحياة الاقتصادي» بالنسبة لإيران، وستثبت أهميتها بشكل متزايد في الأيام المقبلة.

 

وهناك مشكلة أخرى بالنسبة إلى الولايات المتحدة تتعلق بفاعلية آلية «سناب باك»، المعنية بإعادة فرض عقوبات أمريكية على طهران، حيث يشير كل من المدعي العام الأمريكي السابق «مايكل موكاسي»، و»جميل جافر»، مدير معهد نايت فيرست أمندمنت في جامعة كولومبيا، في مجلة «بارونز» الأمريكية، إلى أن «استدعاء تلك الآلية لن يفيد كثيرًا ما لم يمتثل حلفاؤنا السابقون لحظر الأسلحة المعاد فرضه، ويجبرون الآخرين على القيام بذلك أيضًا».

 

هذا الموقف يقود إلى مسألة أخرى تتعلق بمن يقع عليه اللوم على هذا الوضع، فقد أشارت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية إلى أن اللوم يقع على عاتق الأمم المتحدة، وكتبت أن انتهاء صلاحية حظر الأسلحة أبرز «عيوب الاتفاق النووي لعام 2015»، كما أظهر فشل الأمم المتحدة في ضمان مبدأ الأمن الجماعي. وانتقدت الصحيفة أيضًا المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا لعدم دعمها للولايات المتحدة في مهمتها لتمديد الحظر، بحجة أنها «ظلت صامتة على الرغم من تاريخ إيران في الترويج لنشر الإرهاب في القارة الأوروبية والمنطقة العربية». وبالمثل، يشير كل من «موكاسي» و«جافر» إلى أنه «إذا توقع الأوروبيون أن موقف الولايات المتحدة قد يتغير بعد انتخابات نوفمبر القادمة، فهم مخطئون».

 

ومع كل هذه الانتقادات، من المهم أيضًا الاعتراف بأن إيران لا تزال تخضع لعقوبات على ترسانتها العسكرية من قِبَل الاتحاد الأوروبي، بغرض استهداف حصولها على أي أسلحة تقليدية والتقنيات الخاصة بالصواريخ، ولن تنتهي صلاحيتها حتى عام 2023 على أقرب تقدير. ونصح السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة «نيكولاس دي ريفيير»، مصنعي الأسلحة بـ«ممارسة أقصى درجات ضبط النفس والمسؤولية في النظر للعواقب التي قد تترتب على عمليات النقل المحتملة من الأسلحة على كل من الأمن والاستقرار الإقليميين».

 

وأخيرا يتضح من وجهات النظر المتضاربة للمحللين الغربيين بشأن تداعيات عدم تعرض إيران الآن لحظر استيراد الأسلحة الذي كانت تفرضه الأمم المتحدة، أن الوضع معقد ولا يمكن التنبؤ به؛ ففي حين يتوقع الكثيرون أن يتوخى النظام في طهران الحذر، ربما تقوم إيران بالفعل باستيراد أسلحة من كوريا الشمالية، وهو ما يكشف عن أن الدول يمكنها دومًا إيجاد حلول لمشكلاتها الدبلوماسية المعقدة. وستكون هناك حالة من التخبط والتوتر لدى واشنطن في حال انتخاب رئيس أمريكي جديد؛ حيث إنه سبق لـ«جو بايدن» أن أعرب عن التزامه باستعادة الاتفاق النووي الإيراني. وفي نهاية المطاف، بغض النظر عن المخطئ في نشوء هذا الوضع الراهن، فمن الواضح أن الغرب فقد سيطرته على هذه القضية مع واشنطن، وبالتالي قد يجد نفسه يسارع في اللحاق بالركب في السنوات القادمة.

{ انتهى  }
bottom of page