top of page

6/2/2021

احتمالات العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني

يعد الانضمام إلى «الاتفاق النووي الإيراني» لعام 2015 أحد تطلعات السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي الجديد «جو بايدن»، والتي تسعى لقلب سياسة دونالد ترامب الصدامية وحملة «الضغط الأقصى» على إيران لصالح نهج دبلوماسي جديد. ومع ذلك، كما أشار «فرناز فاسيحي» في صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن «بايدن لم يُظهر أي ضرورة مُلحة لإعادة التعامل مع إيران منذ تنصيبه؛ نظرًا لانشغاله بالعديد من الأزمات الأخرى الممتدة من فترة ولاية ترامب». ووفقا للعديد من المحللين، فإن السبب الرئيسي لهذا المأزق هو أن الولايات المتحدة وإيران منخرطتان في مواجهة حول الشروط المطلوبة لكليهما للعودة إلى الاتفاق، فبينما استبعدت واشنطن القيام بذلك حتى تلتزم إيران بشروط عام 2015، رفضت الأخيرة القيام بذلك حتى يتم إسقاط العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.

 

وفي ضوء هذه التطورات، عقد «المجلس الأطلسي» ندوة عبر الإنترنت، بعنوان «التعقيدات الناجمة عن تخفيف العقوبات الأمريكية والعودة إلى الاتفاق النووي الإيراني»؛ بهدف مناقشة مستقبل الاتفاق النووي الإيراني في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة، والصعوبات المتعلقة بإلغاء العقوبات التي تخضع إيران لها حاليًا، رأستها «باربرا سلافين» مديرة مبادرة مستقبل إيران بالمجلس الأطلسي، وشارك فيها «برايان أوتول» من «مركز الجغرافية السياسية»، و«كينيث كاتزمان» من مركز «خدمة أبحاث الكونجرس»، و«كلسي دافنبورت» من جمعية «الحد من التسلح»، و«علي فايز» من «مجموعة الأزمات الدولية».

 

في البداية، أشار «أوتول» إلى أن إيران تنتج وتبيع نفطًا أكثر مما كانت عليه قبل عام، وأن محاولات إدارة ترامب لإيقاف صادراتها النفطية باءت «بالفشل»، مؤكدا أن الزيادة الخاضعة للرقابة الأمريكية في مبيعات النفط -كجزء من تخفيف العقوبات- قد تسمح لأصول طهران «بالتقيد» بعقوبات أخرى، حتى لا تنقل أموالها إلى أنظمة أخرى معادية للغرب، مثل تلك الموجودة في فنزويلا.

 

بالإضافة إلى ذلك، أكد أن عقوبات الإرهاب ستكون «حاسمة» للأحداث المستقبلية، نظرًا لأهميتها بالنسبة للولايات المتحدة لتعويض ضحايا الإرهاب المدعوم من إيران، على الرغم من أنها غير مرتبطة قانونيًا إلى حد كبير بالاتفاق النووي، ومن الصعب على إدارة بايدن عكس مسار العقوبات التجارية. وفي هذا الصدد، فإن السؤال الرئيسي بالنسبة لواشنطن الآن هو: «ماذا تفعل مع البنك المركزي الإيراني؟» بالنظر إلى أنه يمول «بلا شك» حزب الله المصنّف منظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة. وعليه، أيد «التخفيف التدريجي» للعقوبات، مع الاعتراف بأن «البيروقراطية يمكن أن تجعله يستغرق وقتًا أطول»، وأن الإطار الزمني لذلك سيعتمد إلى حد كبير على ما سيتم فعله مع العقوبات التي فرضها ترامب.

 

واستكمالا للمناقشة، سألت «سلافين» عما يمكن أن تفعله إدارة بايدن كبادرة «حسن نية» لإقناع الإيرانيين بأن الاتفاق النووي يستحق العودة إليه. ورد «كاتزمان» بأن «المبدأ العام» لإدارة ترامب المتمثل في «إعلان الكيانات الاقتصادية ككيانات إرهابية» أمر من المرجح «إلغاؤه»، وأنه ما لم يكن بإمكان البنك المركزي الإيراني -الذي يخضع لعقوبات أمريكية- العمل بحرية؛ فلن تقبل إيران الامتثال بالعودة إلى الاتفاق النووي، ويرجع ذلك أساسًا إلى أن جميع أصولها الخارجية مستمدة من بنكها المركزي.

 

وعلى الرغم من ذلك، أشار «كاتزمان» إلى «خطوات مؤقتة» أخرى، و«إشارات بتحركات» يمكن أن تتخذها واشنطن، بما في ذلك التنازل عن بعض القيود على مبيعات النفط الإيراني، مع السماح لبعض الدول بشرائه مرة أخرى تحت مراقبة الأمريكيين، كما أن بعض الترددات بشأن الإنتاج النووي الإيراني للأغراض السلمية سيلقى ترحيبًا أيضًا من الدول الأوروبية، بالإضافة إلى محاولة الولايات المتحدة تمرير الطلب الإيراني بالحصول على قرض بقيمة 5 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي.

 

من ناحية أخرى، أشارت «سلافين» إلى «ما يجب على الإيرانيين فعله»، معلّقة أنه «في أقل من ثلاثة أشهر قامت طهران بتركيب أكثر من 1000 جهاز طرد مركزي متطور في مواقعها النووية».

 

وردًا على ذلك، أوضحت «دافنبورت» أن الإجراءات الإيرانية الحالية مقسمة إلى شقين؛ الأول: الأنشطة التي كانت تشارك فيها بالفعل قبل التوقيع على اتفاق 2015 والتي عادت إلى القيام بها، والثاني: الإجراءات الجديدة منذ عام 2018 التي «يصعب العدول عنها»، موضحة أن معظم الإجراءات التي تقوم بها إيران حاليًا تتعلق بالشق الأول، وتشمل إنتاج اليورانيوم المخصب والماء الثقيل لغرض تطوير رأس حربي نووي، مشيرة إلى أنه قبل الانضمام إلى الاتفاق كانت فترة «الوهج» الإيراني لتطوير سلاح نووي اثني عشر شهرًا، لكنها في عام 2021 أضحت حوالي ثلاثة أشهر فقط. وعلى الرغم من هذا التطور المقلق للغاية فقد أكدت أن «كل هذه الأنشطة يمكن تصحيحها بسرعة، وأن طهران لم تحصل على أي شيء مُجدٍ على المدى الطويل لم تكن تعرفه من قبل».

 

وعلى الرغم من ذلك، أوضحت أن «أكثر ما يثير القلق» هو التقنيات والأساليب الجديدة التي طلبها العلماء الإيرانيون منذ عام 2018. وفيما يتعلق بشكل أساسي باستخدام أجهزة الطرد المركزي المتقدمة لغرض تخصيب اليورانيوم، أكدت أن هذه التطورات «غير قابلة للتعديل»؛ لأنه على الرغم من إمكانية تفكيك الآلات المستخدمة، فإن المعلومات المكتسبة من استخدامها لا يمكن محوها؛ وبالتالي يمكن من الناحية النظرية إعادة توظيف العلماء النوويين الإيرانيين إذا تعطلت المفاوضات مرة أخرى. علاوة على ذلك، فإن الجهود التي تبذلها إيران في عام 2021 لتحويل اليورانيوم إلى وقود اليورانيوم المعدني ستزودها بـ«معرفة وقدرة جديدة ذات صلة بتطوير الأسلحة»، وستمثل تصعيدًا واضحًا في نوايا إيران الخبيثة.

 

ومع الاعتراف بأن الوضع «حرج للغاية»، مناشدة إدارة بايدن التحرك بسرعة، أوضحت «دافنبورت» أيضًا أنه نظرًا لأن إيران تستخدم حاليًا عشرة أنواع مختلفة من أجهزة الطرد المركزي في منشآتها النووية، فإن هذا يشير إلى أنها لم تختر نموذجًا أوليًا واحدًا بعد تركز مواردها عليه، وبالتالي لا ينبغي اعتبار مسألة تطوير أجهزة الطرد المركزي «عاملا مؤثرا» في نهج الولايات المتحدة تجاه القدرات النووية الإيرانية.

 

وفي الإطار ذاته، أشارت «سلافين» إلى أن الانتخابات الإيرانية المقبلة، التي من المتوقع أن يحل فيها المتشددون محل المعتدلين في المناصب الحكومية العليا؛ من المرجح أن تجعل أي محادثات مستقبلية «أكثر تعقيدًا»؛ وبالتالي فإن التفاوض السريع سيكون مفيدًا لتجنب الاضطرار إلى التفاوض مرة أخرى «مع مجموعة جديدة من الشخصيات». ومع أخذ هذا في الاعتبار، وجهت سؤالا حول ما تمتلكه إيران من «نفوذ» في الوقت الحاضر؟

 

من جانبه، أوضح «فايز» أن هناك مجموعتين من «المتشككين» داخل إيران تجاه سعي الدولة مرة أخرى لإبرام اتفاق مع الولايات المتحدة بشأن تطلعاتها النووية؛ الأولى: تؤمن بالحجة الاقتصادية القائلة بأن البلاد باتت في حالة استقرار الآن رغم العقوبات الأمريكية وأن «أية صدمة إيجابية» لتخفيف تلك العقوبات قد تأتي بنتائج عكسية وتقلب تلك الحالة رأسًا على عقب في نهاية المطاف. والثانية: تؤمن بالحجة السياسية، التي ترى أن القادة الإيرانيين المتشددين ربما يفضلون الانضمام مرة أخرى إلى الاتفاق النووي في وقت لاحق عندما يتولى رئيس متشدد مقاليد الحكم في طهران، وهو ما يسمح لهم بالمطالبة مرة أخرى بالعودة مجددًا إلى الاتفاق. ومع وجود كلتا المجموعتين، صرح بأنه لا يزال «متفائلاً بحذر» بأن إيران ستتحرك في الاتجاه الصحيح نحو العودة إلى الاتفاق.

 

علاوة على ذلك، أكد «فايز» أن الولايات المتحدة لديها «قدرة لا يستهان بها» على التأثير في التصرفات والتدابير الإيرانية من خلال تفعيل وإيقاف العقوبات الاقتصادية ضدها؛ لكن «طبيعة تأقلم إيران مع تلك العقوبات والتكيف معها مع مرور الوقت «عمل على عرقلة أهداف بايدن في هذا الصدد والنيل من هذا التأثير. ومع ذلك، قال إن عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق ستدفع إيران إلى «التراجع» عن تصعيدها النووي، وبالتالي سيكون هذا الأمر بمثابة «ضوء أخضر لواشنطن للسماح لبعض الشيء من تخفيف العقوبات».

 

وردا على سؤال حول مدى التأثير الذي تملكه الدول الأوروبية حاليًا للعب دور في هذا الصدد، أوضح «فايز» أن إدارة بايدن لم تتعامل مع الحكومات الأوروبية قبل توليها مهام منصبها، كما يقتضي القانون الأمريكي. ونتيجة لذلك، اتخذ الحوار بين الجانبين بشأن مسار العمل المستقبلي المتعلق بالاتفاق النووي الإيراني شكل المناقشات «العالية المستوى» التي تفتقر إلى ملامح التخطيط التفصيلية.

 

وفيما يتعلق بالدور الذي سيتعين على روسيا والصين أن تلعباه في هذه الأحداث، أوضح «أوتول» أنه لا يزال لديهما «دور مهم»، لكنه لا يزال «قلقا» من طبيعة كونهما «أقل دورًا» في الانخراط في المفاوضات اللاحقة لأن اهتمامهما بعودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق سيتلاشى بدوره. ومع ذلك، أكد أنه قبل الدخول في أي مفاوضات مستقبلية محتملة، يجب أن تحل قضية دفع تعويضات لأسر الضحايا في مختلف الدول الغربية جراء الأعمال الإرهابية الذي نفذتها أو رعتها إيران، مشيرا إلى أن طهران لا يمكنها ممارسة النشاط التجاري بشكل فعال على الصعيد الدولي من دون تحويل أصولها إلى دولارات، والتي قد تصادرها السلطات الأمريكية بعد ذلك بسبب الإجراءات القانونية التي تتطلب تحويل بعض أصول الحكومة الإيرانية لتعويض ضحايا الإرهاب.

 

وردا على سؤال حول ما يمكن القيام به كجزء من الاتفاق النووي لكبح كافة الإجراءات العدوانية الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط؛ قال «كاتزمان» إن الاستراتيجية الإيرانية في الشرق الأوسط «معقدة للغاية» و«شائكة»، وتنطوي على «رعاية» طهران للفصائل الشيعية الصغيرة لتكون بمثابة كيانات أكثر قوة في دول مثل لبنان والعراق، مضيفا أن هذه الاستراتيجية جعلت من حزب الله تدريجيًا صانع ملوك في السياسة اللبنانية، و«قوة سياسية قوية»، بدلاً من مجرد منظمة إرهابية، كما صنفتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ولهذا السبب، فإنه من الخطأ حصر نطاق الأعمال العدائية الإيرانية في رعاية الإرهاب فقط؛ ولعل هذا الحصر يعرقل القدرة على امتلاك استراتيجية أوسع لمكافحة التدخلات الإيرانية في البلدان الأخرى بأي شكل من الأشكال.

 

أما ما أثير حول عقد مؤتمر خليجي محتمل بين الفاعلين الإقليميين لمعالجة تصاعد التوترات بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران، فقد أشار «فايز» إلى أن أي مفاوضات يشارك فيها لاعبون دوليون مثل الولايات المتحدة أو الصين أو الاتحاد الأوروبي ستكون «مفاوضات مستحيلة». وبدلاً من ذلك، فإن الطريقة المثلى للمضي قدمًا في هذا الصدد ستكون «مفاوضات أو عملية حوار إقليمية» بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران والعراق، مؤكدا أنه يمكن عقد هذا المؤتمر من قبل الأمين العام للأمم المتحدة، أو من قبل الدول الاسكندنافية المحايدة.

 

وفي الأخير، قدمت الندوة التي عقدها «المجلس الأطلسي» قدرًا كبيرًا من التبصر والتحليل للمشاكل المحيطة بعودة الولايات المتحدة وإيران إلى «الاتفاق النووي الإيراني». وحظيت تصرفات إيران في سبيل تسريع وتيرة تطوير أسلحتها النووية منذ عام 2018 باهتمام غير مسبوق، وكذلك الأمر ذاته بالنسبة للتعقيدات العديدة في فكّ عقدة العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على الأصول الإيرانية، وكما لخصت «سلافين» القضية برمتها في نهاية الحدث، فإن كل الخبراء أخطأوا في التوصل إلى حل لإشكالية التوصل إلى إبرام اتفاق مجددًا، ولكن «من الواضح أنه ليس مستحيلا».

{ انتهى  }
bottom of page