top of page

2/4/2021

نحو فهم إدارة بايدن.. الفرص المتاحة للاتحاد الأوروبي

مع استقرار إدارة «جو بايدن» الديمقراطية بالبيت الأبيض؛ تسارعت جهودها لإعادة إدماج الولايات المتحدة في المجتمع الدولي؛ بعد أن انضمت بالفعل إلى اتفاقية باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية، حيث بدأت بالتواصل مع الحلفاء الأوروبيين الرئيسيين، بهدف استعادة العلاقة القوية عبر الأطلسي، والتي تخلى عنها دونالد ترامب بشكل غير رسمي. 

وفي الخامس والعشرين من يناير2021، تحدث «بايدن» مع المستشارة الألمانية، «أنجيلا ميركل»، لأول مرة منذ توليه الرئاسة، وأكد التزامه باستعادة العلاقات الدبلوماسية القوية بين واشنطن وبرلين، بعد مناقشات مماثلة مع «بوريس جونسون»، و«إيمانويل ماكرون»، بما يوحي بأن تصرفات الرئيس الأمريكي الجديد تتجه نحو طي صفحة مبادئ السياسة الخارجية الانعزالية «أمريكا أولاً» لترامب.

وعلى الرغم من أن هذه المبادرات المبكرة للتعاون تبدو واعدة، فإن الإجراءات الدقيقة لهذا التحالف تظل غير محددة بشكل كبير، لا سيما فيما يتعلق بما إذا كانت إدارة بايدن ستنظر إلى القوى الأوروبية على أنها تتساوى معها في صنع قرارات الشؤون الخارجية، أو ما إذا كانت تنتظر منها أن تحذو حذوها في القضايا الرئيسية، مثل مواجهة روسيا والصين، فضلاً عن استعادة الاتفاق النووي الإيراني.

وفي ضوء هذه التطورات، عقد «مركز كارنيجي» أوروبا، ندوة عبر الإنترنت، بعنوان «نحو فهم إدارة بايدن.. الفرص المتاحة للاتحاد الأوروبي»، بهدف البحث في مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وأوربا في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة، أدارتها «روزا بلفور»، مديرة المركز، وشارك فيها «كاثرين آشبروك»، المديرة التنفيذية لمشروع أوروبا وتطوير العلاقة عبر الأطلسي في كلية كينيدي بجامعة هارفارد، و«بيار فيمون»، الدبلوماسي الفرنسي السابق.  

في حديثها، حددت «آشبروك»، أربعة تحديات مباشرة تواجهها إدارة بايدن على الصعيدين المحلي والدولي؛ يتعلق أولها «بمحاولة استعادة الاقتصاد الأمريكي» والتأكد من عدم تكرار إخفاقات صنع القرار للأزمة المالية العالمية لعامي2008 و2009، وثانيها، التعامل بشكل أفضل مع استجابة الولايات المتحدة لجائحة كورونا، مع وفاة أكثر من 400 ألف أمريكي، في ظل عدم ظهور «أي علامة على التراجع». وثالثها، استعادة الولايات المتحدة الثقة في مؤسساتها الديمقراطية، التي وصفتها بأنها «تحافظ على تماسك البلاد». وفيما يتعلق بالقضايا المحلية الخطيرة الأخرى، مثل «تحقيق المساواة»، و«معالجة التوترات العرقية»، فقد اعتبرته «تحديا طويل المدى». أما رابعها، فهو استعادة العلاقات مع الحلفاء الأوروبيين والدوليين، وهو ما أكده أيضًا وزير الخارجية الأمريكي الجديد، «أنتوني بلينكن»، بقوله: إن «الهدف ليس مجرد استعادة الوضع الراهن السابق، بل إدراك أن الدول الأوروبية قد أقامت «هيكلا متعدد الأطراف للنظام الجيوسياسي الغربي في ظل غياب قيادة واشنطن».

وفي ختام ملاحظاتها، اعترفت بأن هذه التحديات لا يمكن معالجتها بالكامل من قبل الولايات المتحدة وحدها، ولكنها تتطلب بدلاً من ذلك تعاونًا دوليا، كما سيساعد في مواجهتها أعضاء فريق السياسة الخارجية لبايدن الذين يتمتعون بالفعل بصلات قوية مع الحكومات الأوروبية؛ حيث وصفتهم بأنهم «مؤيدون للتحالف عبر الأطلسي حتى النخاع»، ويستفيدون من قدر كبير من «التواضع» في التعامل مع البلدان الأخرى نيابة عن أمريكا.

وفي حديثه، أكد «فيمون»، أن «لدى أوروبا أيضًا مشاكلها مع الديمقراطية»، حيث تمر بفترة «أزمة دائمة» حيال عدد كبير من القضايا الرئيسية، مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والانقسامات داخل الاتحاد، والتي هيمنت على سياستها سنوات عديدة. وبالإشارة إلى التحديات السابق ذكرها؛ أوضح أن هذه هي بالضبط نفس التحديات التي تواجهها أوروبا حاليًا، حيث تكافح أيضًا مع جائحة كورونا وتداعياتها. وبسبب هذا، لاحظ أن هناك «أريحية» بين صانعي السياسات في أوروبا بأن «شريكهم الأمريكي» الآن سياسي محترف ومسؤول. 

ومن وجهة نظره، فإن النموذج الديمقراطي الغربي الذي هيمن منذ أوائل التسعينيات يخضع الآن لـ«تحدٍ قوي» من الأنظمة الاستبدادية في روسيا والصين، وأنه في حالة الحلفاء المحتملين في آسيا وإفريقيا، فإن تصوراتهم قد «تغيرت» نحو الولايات المتحدة وأوروبا بناءً على كيفية تصديهما لقمع الاضطرابات المدنية ومواجهة تحدي الجائحة.

علاوة على ذلك، لاحظ «فيمون»، أن داخل أوروبا، هناك ثلاث مجموعات واسعة من الانقسام فيما يتعلق بكيفية تفاعلها مع الولايات المتحدة في المستقبل. أولها، يرى أن الولايات المتحدة في حالة «تدهور لا رجعة فيه»، وأن القارة يجب أن تتبنى عقلية «أوروبا المحصنة» للتصرف بشكل مستقل عن حليفها غير الموثوق. وثانيها، يؤكد أن أوروبا يجب أن تستعيد «الأيام الخوالي» للشراكة عبر الأطلسي مع واشنطن لمواجهة التحديات من روسيا والصين، أما ثالثها، فتطالب بعلاقة «أكثر توازناً» مع واشنطن، تشمل «رؤية جديدة تمامًا»، حيث يعمل القادة الأوروبيون والرؤساء الأمريكيون معًا في مواجهة التهديدات الأمنية المشتركة. وفي النهاية، خلص إلى أن أوروبا، التي كانت دائمًا على علاقة دبلوماسية «مشحونة إلى حد ما» مع الولايات المتحدة، في الوقت المناسب «عليها أن تقرر إلى أين تريد أن تذهب».

وحول فقدان الثقة بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة خلال فترة إدارة ترامب، والإجراءات التي يمكن اعتمادها على المدى القصير «لإعادة بناء هذه الثقة»، لاحظت «آشبروك»، أن الإدارة الأمريكية الجديدة قد «توصلت بالفعل إلى استنتاج» أنها منخرطة في فترة من التنافس بين الاستبداد والديمقراطية، وأنه في حين أن الأفكار المبكرة لمكافحة التهديدات للديمقراطية قد تكون «ساذجة بشكل لا يصدق»، إلا أنها مع ذلك ضرورية لتطوير التفكير الاستراتيجي طويل المدى بين أوروبا وأمريكا.

وبالإشارة إلى إيران والاتفاق النووي لعام 2015، وصف هذا الاتفاق بأنه «القضية الرئيسية» بالنسبة إلى الزعماء الأوروبيين ليكون لديهم «شرق أوسط أكثر أمنًا واستقرارًا»، وأن «الطريقة الوحيدة لاستقرار المنطقة هي من خلال العودة الى هذا الاتفاق، مشيرا إلى أن لدى كل من لندن، وباريس، وبرلين، «شعور بالقلق» بشأن قدرة إيران على «التقدم» نحو تطوير أسلحتها النووية، وأن حملة «الضغط القصوى» من قبل إدارة ترامب، أدت فقط إلى «تقصير وتقليل هذا التقدم» لثلاثة أو أربعة أشهر فقط. ومن ثم دعا، الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى «التحرك بسرعة هائلة»، ولكن مع الوضع في الحسبان أيضًا «عدم وضع كل الأوراق على الطاولة» في أي مفاوضات مستقبلية.

علاوة على ذلك، أقر الدبلوماسي الفرنسي، بأن «الكثير قد تغير» منذ أن انسحبت الولايات المتحدة من جانب أحادي من الاتفاق النووي عام 2018، وأن الأطراف المعنية به قد تجاوزت النقطة الخاصة بالانسحاب في الوقت المناسب. وعلى وجه الخصوص، أشار إلى أن كلا من روسيا، والصين -اللتين لعبتا دورًا رئيسيًا في إقناع إيران بالتوقيع على الاتفاقية- قد خففتا من دعمهما لعودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق. ودعما لذلك، أضافت «آشبروك»، أن الوضع «صعب جدًا»، وأن الأوروبيين كانوا «حاسمين» في الحفاظ على الاتفاق مع إيران، وبالتالي يمكنهم «تقديم المشورة» لإدارة بايدن في التعاملات المستقبلية مع طهران.

وفي التقييمات النهائية له قال «فيمون»، إن الاتفاق الإيراني سيكون «الأولوية الرئيسية» لكل من واشنطن وأوروبا خلال الأشهر الثلاثة أو الأربعة المقبلة، ولعل أي قرار ناجح في هذا الصدد «سيفتح المجال «أمام ضرورة وجود حل دبلوماسي في الخليج أيضًا، موضحًا أن الاتفاق الإيراني كان عاملاً محفزًا لعملية السلام في الشرق الأوسط بين إسرائيل والفلسطينيين والتي تم خلخلتها أخيرًا، على الرغم من أنه كشف عن القليل من التفاصيل حول كيفية الوصول إلى ذلك الحل من الاتفاق النووي الإيراني.

وأعرب «فيمون» عن قلقه بشأن «مستقبل النظام التجاري والأمني الدولي متعدد الأطراف»، وخاصة مع تزايد المنافسة من «الدول غير الغربية»، ونقص تمثيل البلدان في المؤسسات والمنظمات الدولية التي لطالما فضلتها تاريخيًا الدول الأوروبية والولايات المتحدة باعتبارها الملجأ لمعالجة الكثير من القضايا، ولا سيما مسألة «تكافؤ الفرص» في العلاقات التجارية والأمنية على حد سواء. وتوسعًا في هذا الأمر، علقت «آشبروك» أنه في ظل غياب القيادة الغربية، قامت كل من روسيا والصين «بإفساد» المؤسسات الدولية والاتفاقيات المتعددة الأطراف، وبالتالي تقويض التأثيرات الإيجابية للدول الديمقراطية الغربية على المستوى الدولي.

وفيما يتعلق بكيفية إقناع المتشككين في مستقبل العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة بمدى أهميتها الدائمة، أوضحت «آشبروك» أن هذه العلاقة هي الوحيدة التي يمكن أن تكون أساسًا لمعالجة القضايا المشتركة في المستقبل، وبالتالي من المهم الحفاظ على التحالف و«العمل على ازدهاره»، وأضاف «فيمون»، أنه على الرغم من المحن والعثرات الأخيرة، فإن الديمقراطية الأمريكية «تصدت وقاومت» محاولات ترامب لتخريب نتائج الانتخابات الرئاسية، حيث أحبطتها الضوابط والتوازنات الأمريكية في نهاية المطاف، عزز من ذلك أداء مسؤولي الانتخابات لواجباتهم من دون أدنى شعور بالترهيب، مشيرا إلى أن هذا النجاح يعتبر الآن «دليلاً قويًا» للدول الأوروبية حول كيفية بقاء مؤسساتها الديمقراطية على قيد الحياة والمضي قدمًا.

وفي الأخير، قدمت الندوة التي عقدتها مؤسسة كارنيجي، وصفاً شاملاً للحالة المستقبلية للعلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا عبر الأطلسي من حيث إيجابياتها وعيوبها، حيث قدم كل من الخبراء «آشبروك» و«فيمون» وجهات نظر مختلفة، وقدرا كبيرا من الآراء والتحليلات والمعلومات حول هذه الشراكة وتحديد كل المصادر المحتملة لاندلاع الخلاف، بالإضافة إلى مجالات التعاون بين أعضائها. 

{ انتهى  }
bottom of page