top of page

29/5/2021

القضية الفلسطينية.. ماذا تبقى لحل الدولتين؟

أثارت‭ ‬الأحداث‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الحديث‭ ‬مجددًا‭ ‬عن‭ ‬حل‭ ‬الدولتين،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬سلام‭ ‬ولا‭ ‬أمان‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحل‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬تم‭ ‬التوافق‭ ‬عليه‭ ‬دوليًا‭ ‬وعربيًا،‭ ‬برغم‭ ‬الاختلاف‭ ‬حول‭ ‬مضمونه‭. ‬فبينما‭ ‬يرى‭ ‬الإسرائيليون‭ ‬أن‭ ‬أقصى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقدموه‭ ‬هو‭ ‬إدارة‭ ‬ذاتية‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬لأحوالهم‭ ‬اليومية،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬كيان‭ ‬ذي‭ ‬سيادة‭ ‬كاملة؛‭ ‬فإن‭ ‬الطرف‭ ‬العربي‭ -‬وكما‭ ‬قدم‭ ‬في‭ ‬مبادرة‭ ‬السلام‭ ‬العربية‭ ‬عام‭ ‬2002‭- ‬يرى‭ ‬الحل‭ ‬في‭ ‬كيان‭ ‬فلسطيني‭ ‬كامل‭ ‬السيادة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬احتلتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬5‭ ‬يونيو‭ ‬1967‭ ‬وعاصمتها‭ ‬القدس‭ ‬الشرقية‭. ‬وبين‭ ‬هذا‭ ‬الإدراك‭ ‬وذاك‭ ‬جرت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬جولات‭ ‬التفاوض،‭ ‬وتولت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬قولاً‭ ‬وعملاً‭ ‬دور‭ ‬الوسيط‭ ‬الرئيسي‭ ‬غير‭ ‬النزيه،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬ظلت‭ ‬المساند‭ ‬الرئيسي‭ ‬لإسرائيل‭ ‬المحافظ‭ ‬على‭ ‬أمنها،‭ ‬باعتبار‭ ‬ذلك‭ ‬ليس‭ ‬أولوية‭ ‬إقليمية‭ ‬فقط،‭ ‬ولكن‭ ‬أحد‭ ‬مسلمات‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكي‭.‬

وكجزء‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬جاءت‭ ‬التحركات‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬اجتماع‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬17‭ ‬مايو2021‭ -‬والذي‭ ‬خصص‭ ‬لبحث‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وإسرائيل‭- ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬كسر‭ ‬جمود‭ ‬مفاوضات‭ ‬السلام،‭ ‬وضرورة‭ ‬عقد‭ ‬مؤتمر‭ ‬دولي‭ ‬لبحث‭ ‬حل‭ ‬شامل‭ ‬وعادل‭ ‬للقضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬حيث‭ ‬دعا‭ ‬الرئيس‭ ‬الفلسطيني‭ ‬‮«‬محمود‭ ‬عباس‮»‬‭ ‬لعقد‭ ‬هذا‭ ‬المؤتمر؛‭ ‬بهدف‭ ‬تحريك‭ ‬الجهود‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬حل‭ ‬الدولتين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دعمته‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬‮«‬حل‭ ‬الدولتين‭ ‬هو‭ ‬الخيار‭ ‬العملي‭ ‬الذي‭ ‬ترتضيه‭ ‬كافة‭ ‬الأطراف‭ ‬وأنه‭ ‬لا‭ ‬سبيل‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأمن‭ ‬والسلام‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬إلا‭ ‬عبر‭ ‬نيل‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬حقوقه‭ ‬المشروعة،‭ ‬واستقلال‭ ‬دولته‭ ‬على‭ ‬خطوط‭ ‬4‭ ‬يونيو‭ ‬1967‭ ‬وعاصمتها‭ ‬القدس‭ ‬الشرقية‮»‬‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الأحداث‭ ‬الأخيرة‭ ‬قد‭ ‬كشفت‭ ‬هذا‭ ‬التحرك‭ ‬العربي‭ ‬والدولي‭ ‬لإعادة‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬إلى‭ ‬المسار‭ ‬التفاوضي؛‭ ‬فإن‭ ‬الرئيس‭ ‬الفلسطيني‭ ‬‮«‬محمود‭ ‬عباس‮»‬،‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬بدأ‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الانتخابات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الأخيرة‭ ‬وبمساندة‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬عديدة‭ ‬الدعوة‭ ‬لعقد‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬المؤتمر‭ ‬الدولي،‭ ‬ووضعه‭ ‬تحت‭ ‬رعاية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بمشاركة‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مرجعيته‭ ‬القرارات‭ ‬الدولية‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬والجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭. ‬وشملت‭ ‬تحركات‭ ‬الرئيس‭ ‬الفلسطيني‭ ‬مقترح‭ ‬توسيع‭ ‬الرباعية‭ ‬الدولية‭ ‬لتضم‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وروسيا‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬والأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬مصر‭ ‬والسعودية‭ ‬والصين‭ ‬وألمانيا،‭ ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المقترح‭ ‬جاء‭ ‬نتيجة‭ ‬الإخفاق‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬السابقة‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تنفرد‭ ‬بإدارة‭ ‬ملف‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭.‬

وكانت‭ ‬الدعوة‭ ‬لاجتماع‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ -‬الذي‭ ‬سبقت‭ ‬الإشارة‭ ‬إليه‭- ‬من‭ ‬قبل‭ ‬‮«‬الصين‭ ‬وتونس‭ ‬والنرويج‮»‬،‭ ‬قد‭ ‬أكدت‭ ‬أن‭ ‬المهمة‭ ‬الأكثر‭ ‬إلحاحًا‭ ‬هي‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬ووقف‭ ‬العنف،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬التقدم‭ ‬نحو‭ ‬تسوية‭ ‬عادلة‭ ‬وشاملة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬حل‭ ‬الدولتين‭ ‬المتفاوض‭ ‬عليه‭ ‬وفقًا‭ ‬لقرارات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬والقانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أكدت‭ ‬عليه‭ ‬الدول‭ ‬الثلاث‭ ‬في‭ ‬بيانها‭ ‬المشترك،‭ ‬فيما‭ ‬انتقد‭ ‬المندوب‭ ‬الصيني‭ ‬السلوك‭ ‬الأمريكي‭ ‬حين‭ ‬ذكر‭ ‬أن‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬يتحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬الأساسية‭ ‬عن‭ ‬صون‭ ‬السلم‭ ‬والأمن‭ ‬الدوليين،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬بسبب‭ ‬عرقلة‭ ‬دولة‭ ‬واحدة‭ ‬لم‭ ‬يتمكن‭ ‬المجلس‭ ‬من‭ ‬الحديث‭ ‬بصوت‭ ‬واحد‮»‬‭.‬

ومن‭ ‬جانبها،‭ ‬حثت‭ ‬المندوب‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬‮«‬ليندا‭ ‬توماس‮»‬،‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬على‭ ‬تجنب‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬تقوض‭ ‬المستقبل‭ ‬السلمي‭. ‬ويشمل‭ ‬ذلك‭ ‬تجنب‭ ‬التحريض‭ ‬والعمليات‭ ‬الإرهابية،‭ ‬وكذلك‭ ‬عمليات‭ ‬الإخلاء‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬القدس‭ ‬الشرقية‭ ‬وعمليات‭ ‬الهدم‭ ‬وبناء‭ ‬المستوطنات‭ ‬شرق‭ ‬خطوط‭ ‬1967،‭ ‬وشددت‭ ‬على‭ ‬التمسك‭ ‬بالوضع‭ ‬التاريخي‭ ‬الراهن‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬المقدسة،‭ ‬واحترامه‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬وأن‭ ‬استمرار‭ ‬دائرة‭ ‬العنف‭ ‬الحالية‭ ‬لن‭ ‬تؤدي‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬جعل‭ ‬حل‭ ‬الدولتين‭ ‬المتفاوض‭ ‬عليه‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬متناول‭ ‬أيدينا،‭ ‬وشددت‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬عودة‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬بحسن‭ ‬نية‭ ‬تجاه‭ ‬رؤية‭ ‬إسرائيل‭ ‬ودولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬يعيشان‭ ‬جنبًا‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬في‭ ‬سلام‭ ‬داخل‭ ‬حدود‭ ‬آمنة‭ ‬ومعترف‭ ‬بها،‭ ‬يتمتع‭ ‬فيها‭ ‬الطرفان‭ ‬بتدابير‭ ‬متساوية‭ ‬من‭ ‬الحرية‭ ‬والأمن‭ ‬والازدهار‭ ‬والديمقراطية‭. ‬وبينما‭ ‬اقترح‭ ‬المندوب‭ ‬الروسي‭ ‬عقد‭ ‬اجتماع‭ ‬عاجل‭ ‬للرباعية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الوزاري،‭ ‬فقد‭ ‬أكد‭ ‬معارضة‭ ‬بلاده‭ ‬تغيير‭ ‬الطابع‭ ‬الجغرافي‭ ‬والديمغرافي‭ ‬والتاريخي‭ ‬ووضع‭ ‬القدس‭ ‬الشرقية‭ ‬وإنهاء‭ ‬ممارسة‭ ‬خلق‭ ‬حقائق‭ ‬لا‭ ‬رجوع‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬تحدد‭ ‬الوضع‭  ‬النهائي‭ ‬سلفًا‭.‬

وكانت‭ ‬الرباعية‭ ‬قد‭ ‬عقدت‭ ‬أول‭ ‬اجتماع‭ ‬لها‭ ‬بعد‭ ‬تولي‭ ‬‮«‬بايدن‮»‬،‭ ‬المسؤولية‭ ‬في‭ ‬24‭ ‬مارس،‭ ‬دعت‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬استئناف‭ ‬مفاوضات‭ ‬السلام‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬والفلسطينيين‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬الدولتين،‭ ‬ودعت‭ ‬الطرفين‭ ‬إلى‭ ‬تجنب‭ ‬أي‭ ‬عمل‭ ‬أحادي‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يعيق‭ ‬هذا‭ ‬الحل،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬التوسع‭ ‬الاستيطاني‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬والقدس‭ ‬الشرقية،‭ ‬ومحاولات‭ ‬الدولة‭ ‬العبرية‭ ‬ضم‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭.‬

ومن‭ ‬المعلوم‭ ‬أنه‭ ‬يعيش‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬3‭.‬1‭ ‬ملايين‭ ‬فلسطيني‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬675‭ ‬ألف‭ ‬مستوطن‭ ‬إسرائيلي‭ ‬في‭ ‬مستوطنات‭ ‬غير‭ ‬قانونية‭. ‬وفي‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬سرّعت‭ ‬الحكومات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬اليمينية‭ ‬من‭ ‬وتيرة‭ ‬الاستيطان‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬السابق،‭ ‬‮«‬ترامب‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬اتخذ‭ ‬أيضًا‭ ‬إجراءات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬لدعم‭ ‬إسرائيل‭ ‬شملت‭ ‬دعمه‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬ضم‭ ‬القدس‭ ‬الشرقية‭ ‬وأجزاء‭ ‬من‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬ونقل‭ ‬السفارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬إلى‭ ‬القدس‭ ‬وسحب‭ ‬التمويل‭ ‬المقدم‭ ‬للأونروا‭.‬

وبصورة‭ ‬تراكمية،‭ ‬كانت‭ ‬الممارسات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬سببا‭ ‬مباشرا‭ ‬لدورة‭ ‬أعمال‭ ‬الرفض‭ ‬الأخيرة،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تراجع‭ ‬وضع‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬الاهتمامات‭ ‬الدولية،‭ ‬فهي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬إعطاء‭ ‬القضية‭ ‬حقها‭ ‬من‭ ‬الاهتمام،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬بايدن‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬قرابة‭ ‬نصف‭ ‬العام‭ ‬قد‭ ‬بدت‭ ‬وكأنها‭ ‬تتجاهلها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أكد‭ ‬عليه‭ ‬المتحدث‭ ‬باسم‭ ‬الجامعة‭ ‬العربية،‭ ‬حين‭ ‬وجه‭ ‬من‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬نداء‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬يدعو‭ ‬فيه‭ ‬إدارة‭ ‬بايدن‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تنخرط‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬وأعمق‭ ‬وأكثر‭ ‬تأثيرًا‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يقضي‭ ‬على‭ ‬الأوهام‭ ‬التي‭ ‬خلقتها‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬السابقة،‭ ‬بأن‭ ‬إسرائيل‭ ‬ستحصل‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬ولن‭ ‬يحصل‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬فيما‭ ‬دعا‭ ‬أمين‭ ‬عام‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬عقد‭ ‬المؤتمر‭ ‬الدولي‭ ‬بشأن‭ ‬فلسطين‭ ‬في‭ ‬أقرب‭ ‬فرصة‭ ‬ممكنة‭ ‬لإقامة‭ ‬الدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المستقلة‭ ‬وعاصمتها‭ ‬القدس‭ ‬الشرقية‭.‬

وقبل‭ ‬اندلاع‭ ‬أحداث‭ ‬الحرب‭ ‬الأخيرة،‭ ‬كانت‭ ‬خمس‭ ‬دول‭ ‬أوروبية‭ ‬هي‭ (‬المملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬فرنسا،‭ ‬ألمانيا،‭ ‬إسبانيا،‭ ‬إيطاليا‭)‬،‭ ‬قد‭ ‬أصدرت‭ ‬في‭ ‬6‭ ‬مايو‭ ‬بيانًا‭ ‬مشتركًا‭ ‬دعت‭ ‬فيه‭ ‬إسرائيل‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬التوسع‭ ‬الاستيطاني‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬محذرة‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأنشطة‭ ‬تهدد‭ ‬فرص‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭. ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬ردًا‭ ‬على‭ ‬قرار‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بناء‭ ‬540‭ ‬وحدة‭ ‬استيطانية‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭. ‬وأكد‭ ‬البيان‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬المستوطنات‭ ‬غير‭ ‬قانونية‭ ‬بمقتضى‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وتهدد‭ ‬آفاق‭ ‬الحل‭ ‬السلمي‭ ‬للصراع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬وبينت‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التوسع‭ ‬الاستيطاني‭ ‬وعمليات‭ ‬الإخلاء‭ ‬المستمرة‭ ‬في‭ ‬القدس‭ ‬الشرقية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الشيخ‭ ‬جراح،‭ ‬تقوض‭ ‬أيضًا‭ ‬الجهود‭ ‬المبذولة‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬ودعت‭ ‬الطرفين‭ ‬إلى‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬عمل‭ ‬أحادي‭ ‬الجانب،‭ ‬واستئناف‭ ‬حوار‭ ‬ذي‭ ‬مصداقية‭ ‬وذي‭ ‬مغزى‭ ‬لدفع‭ ‬الجهود‭ ‬لحل‭ ‬الدولتين‭ ‬لإنهاء‭ ‬الصراع‭.‬

ومن‭ ‬نواحٍ‭ ‬عديدة،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬إسرائيل‭ ‬أواخر‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬يجعل‭ ‬حل‭ ‬الدولتين‭ ‬أمرًا‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للتطبيق‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬حيث‭ ‬وافقت‭ ‬على‭ ‬جولة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬توسيع‭ ‬المستوطنات‭ ‬خارج‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالجدار‭ ‬الأمني‭ ‬وليس‭ ‬بداخله‭. ‬وطبقًا‭ ‬للإحصاءات‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الرسمية‭ ‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬المستعمرات‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬151‭ ‬مستعمرة‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬2019‭ ‬فيما‭ ‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬المستعمرين‭ ‬688‭ ‬ألفا‭. ‬وتجعل‭ ‬إضافة‭ ‬وحدات‭ ‬خارج‭ ‬الجدار‭ ‬الأمني،‭ ‬الانفصال‭ ‬عن‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة،‭ ‬حيث‭ ‬يوجد‭ ‬78‭ ‬مستعمرة‭ ‬خارج‭ ‬الجدار‭ ‬الأمني‭ ‬يبلغ‭ ‬عدد‭ ‬سكانها‭ ‬نحو‭ ‬108‭ ‬آلاف‭ ‬مستعمر،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬اللاعودة،‭ ‬إذ‭ ‬يصبح‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬والإسرائيليين‭ ‬وحل‭ ‬الدولتين‭ ‬مستحيلا‭.‬

وفي‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬سهلت‭ ‬السلطات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬من‭ ‬إجراءات‭ ‬الموافقة‭ ‬على‭ ‬إقامة‭ ‬وحدات‭ ‬استيطانية‭ ‬جديدة‭. ‬وخلال‭ ‬عامي‭ (‬2019‭ ‬و2020‭)‬،‭ ‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬الوحدات‭ ‬التي‭ ‬تمت‭ ‬الموافقة‭ ‬عليها‭ ‬خارج‭ ‬الجدار‭ ‬الأمني‭ ‬ثلثي‭ ‬ما‭ ‬تمت‭ ‬الموافقة‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬وحدات‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬خطط‭ ‬إسرائيلية‭ ‬جديدة‭ ‬لإقامة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬12‭ ‬ألف‭ ‬وحدة‭ ‬استيطانية‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬منها‭ ‬540‭ ‬وحدة‭ ‬في‭ ‬جبل‭ ‬أبو‭ ‬غنيم‭ ‬جنوب‭ ‬مدينة‭ ‬القدس‭.‬

ومن‭ ‬الثابت‭ ‬أنّ‭ ‬الاستيطان،‭ ‬أي‭ ‬السيطرة‭ ‬العملية‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬يمنع‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬تسوية‭ ‬إقليمية‭ ‬فلسطينية‭ ‬إسرائيلية‭ ‬تسمح‭ ‬بإقامة‭ ‬كيان‭ ‬فلسطيني‭ ‬ذي‭ ‬ولاية‭ ‬جغرافية‭ ‬واحدة‭ ‬متواصلة‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬صغر‭ ‬مساحة‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ (‬5844‭ ‬كم2‭)‬،‭ ‬فلا‭ ‬نجد‭ ‬أي‭ ‬منطقة‭ ‬فيها‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬مستوطنات‭ ‬أو‭ ‬كتل‭ ‬استيطانية‭. ‬وبينما‭ ‬يحظر‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬بمقتضى‭ ‬المادة‭ (‬49‭) ‬فقرة‭ ‬‮«‬6‮»‬‭ ‬من‭ ‬اتفاقية‭ ‬جنيف‭ ‬الرابعة‭ ‬على‭ ‬سلطة‭ ‬الاحتلال‭ ‬هذا‭ ‬الاستيطان؛‭ ‬فإن‭ ‬إسرائيل‭ ‬قد‭ ‬ضربت‭ ‬بهذا‭ ‬القانون‭ ‬وقرارات‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬عرض‭ ‬الحائط،‭ ‬وقامت‭ ‬بتشجيع‭ ‬الاستيطان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الحوافز‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬تسمح‭ ‬للمستوطنين‭ ‬بالسكن‭ ‬والإقامة‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬المحتلة‭ ‬وتغيير‭ ‬صفتها‭ ‬الجغرافية‭ ‬والديمغرافية‭.‬

ومن‭ ‬المعلوم‭ ‬أن‭ ‬أحداث‭ ‬الحرب‭ ‬الأخيرة‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬اندلعت‭ ‬إثر‭ ‬قيام‭ ‬قوات‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بمصادرة‭ ‬الأراضي‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬متفرقة‭ ‬من‭ ‬القدس‭ ‬الشرقية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬حي‭ ‬الشيخ‭ ‬جراح،‭ ‬ومواصلة‭ ‬عملية‭ ‬تهويد‭ ‬القدس،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬خيار‭ ‬أمام‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬إلا‭ ‬الصمود‭ ‬والتحدي،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬استفزاز‭ ‬الأفعال‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬والأطراف‭ ‬الدولية،‭ ‬وصار‭ ‬إجبار‭ ‬المواطن‭ ‬الفلسطيني‭ ‬على‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬القدس‭ ‬الشرقية‭ ‬التي‭ ‬عاش‭ ‬فيها‭ ‬عمره‭ ‬عملاً‭ ‬أسوأ‭ ‬من‭ ‬الموت‭.‬

على‭ ‬العموم،‭ ‬فإن‭ ‬بداية‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬حل‭ ‬الدولتين‭ ‬المتفاوض‭ ‬عليه‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬نبذ‭ ‬العمل‭ ‬بخطة‭ ‬ترامب‭ ‬‮«‬السلام‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الازدهار‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬أعلنها‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2020،‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬تعزيز‭ ‬للسيطرة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الدائمة‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬التي‭ ‬احتلتها‭ ‬في‭ ‬1967،‭ ‬والتي‭ ‬تتجاهل‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬وقرار‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬رقم‭ ‬‮«‬2334‮»‬‭ ‬في‭ ‬2016‭ ‬بشأن‭ ‬حظر‭ ‬الاستيطان،‭ ‬وهي‭ ‬الخطة‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬ذات‭ ‬سيادة‭ ‬قابلة‭ ‬للعيش‭ ‬ضربا‭ ‬من‭ ‬المستحيل،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬استمرار‭ ‬طرحها‭ ‬والعمل‭ ‬بها‭ ‬يعني‭ ‬عدم‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬جهود‭ ‬ترمي‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬العلاقات‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬إرساء‭ ‬بيئة‭ ‬مواتية‭ ‬لحل‭ ‬تفاوضي‭ ‬مستدام‭.‬

ومن‭ ‬ثمّ،‭ ‬هناك‭ ‬مطالبة‭ ‬لإدارة‭ ‬بايدن‭ ‬بإلغاء‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬التي‭ ‬اتخذت‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬ترامب‭ ‬والتي‭ ‬تضر‭ ‬بآفاق‭ ‬عملية‭ ‬التسوية،‭ ‬كحجب‭ ‬التمويل‭ ‬عن‭ ‬الأونروا،‭ ‬وإعادة‭ ‬التمثيل‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬مع‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وتوضيح‭ ‬موقفها‭ ‬بشأن‭ ‬القدس‭ ‬والمستوطنات‭.

{ انتهى  }
bottom of page