top of page

8/7/2021

دلالات تحسن أسعار النفط للاقتصادات الخليجية

مع عودة اقتصادات دول العالم إلى العمل، مدفوعة بتزايد تحصينات الأفراد ضد كوفيد-19، أخذ الطلب على النفط الخام في التعافي، ليسجل مزيج برنت سعرًا فوق 76 دولارا للبرميل في أوائل يوليو، لأول مرة منذ أكتوبر 2018، وامتد الارتفاع أيضًا إلى خام غرب تكساس، ليتم تداوله عند قرابة 74 دولارا. عزز هذا الاتجاه هبوط مخزونات الخام في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوى لها من مارس 2020، وقدر تراجع هذا المخزون بمقدار 7.6 ملايين برميل في الأسبوع المنتهي في 18 يونيو الماضي.

 

ونتيجة ذلك، كان اجتماع «أوبك بلس» في أول يوليو 2021، لبحث تخفيف القيود على الإنتاج بمقدار400 ألف برميل يوميًا، اعتبارًا من أول أغسطس حتى سبتمبر 2022. ولكنه أرجئ 72 ساعة ليكون الاثنين 5 يوليو. وخلص الأمر إلى تأجيل الاجتماع إلى أجل غير مسمى بسبب عدم الوصول إلى اتفاق حول زيادة الإنتاج.

 

ومن المعلوم أن «أوبك بلس» هي تحالف مكون من 23 دولة تقوده السعودية وروسيا، ويقضي الاتفاق بتحديد حصص إنتاج كل دولة مع تخفيف القيود المشار إليها، وكان هذا التحالف قد اتفق في العام الماضي على خفض الإنتاج بنحو 10 ملايين برميل يوميًا بدءًا من مايو 2020 في أعقاب جائحة كورونا، مع خطط لإلغاء القيود تدريجيًا بحلول نهاية أبريل 2022.

 

وفي اليوم الأول من يوليو 2021، عقد ثلاثة لقاءات متتالية، شملت اجتماع الدول الـ13 الأعضاء في أوبك في التحالف بقيادة السعودية، ثم اجتماع تقني للتحالف بمشاركة 10 دول أخرى، واجتماع ثالث شاركت فيه الدول الـ23. ومن المعلوم أن الاقتصادات الخليجية التي تعتمد بصفة أساسية على إنتاج وبيع النفط الخام تعاني من تدهور أسعاره منذ منتصف يونيو 2014، مدفوعة بزيادة إنتاج النفط الصخري، وتخمة المعروض النفطي، وقوة الدولار الأمريكي، وتأثير نشاط المضاربين، هذا فضلاً عن ضعف النمو في منطقة اليورو، وتباطؤ هذا النمو في الصين، وزيادة مخزون النفط الخام في الولايات المتحدة، وبلوغ الصادرات النفطية لكل من روسيا والعراق مستويات قياسية، هذا مع استمرار إنتاج الأوبك عند مستواه البالغ 30 مليون برميل يوميًا من دون تخفيض، في اتجاه لتحجيم إنتاج النفط الصخري ذي التكلفة المرتفعة (70 - 85 دولارا للبرميل مقابل 5 دولارات للنفط التقليدي)، وكان هذا الإنتاج قد بلغ في الولايات المتحدة في أبريل 2014 قرابة 8.3 ملايين برميل يوميًا.

 

ووفق تقرير مؤسسة «استاندرد آند بورز للتصنيف الائتماني»، في نوفمبر 2014، فإن استمرار انخفاض أسعار النفط فترة طويلة يؤدي إلى تباطؤ الاقتصادات الخليجية وتأجيل مشاريعها في مجال البنية التحتية، إذ تشكل العائدات النفطية في المتوسط نحو 49% من العائدات في دول المجلس الست، في حين تشكل الصادرات النفطية ثلاثة أرباع الصادرات. ومع انخفاض الإيرادات تتجه دول الخليج المتضررة إلى تسريع خطوات خفض دعم أسعار الطاقة، وأن ذلك يلحق ضررًا بالصناعات المعتمدة على النفط كالبتروكيماويات.

 

وفي الحقيقة، فإن تراجع أسعار النفط ينعكس في تراجع الإيرادات النفطية، ثم ينعكس بذلك على الموازنات وحجم الإنفاق العام، إذ وضعت دول المجلس موازناتها على سعر برميل النفط أعلى بقليل من السعر الذي وصل إليه الخام في يناير 2015 وهو 50 دولارا. وكانت السعودية والإمارات قد وضعتا موازنتهما لعام 2014 على أساس سعر برميل النفط 97 دولارا، والكويت 54 دولارا، ومثلها قطر، ومملكة البحرين 132 دولارا، وسلطنة عُمان 99 دولارا، وبذلك تكون كل دول مجلس التعاون الخليجي قد دخلت في إشكالية عجز الموازنة العامة.

 

من ناحية أخرى، فإن انخفاض أسعار النفط يؤثر أيضا على القطاع الخاص من خلال تأثيره على نمو القروض الممنوحة في دول مجلس التعاون الخليجي التي تدعم نمو نشاط القطاع الخاص في المجالات غير النفطية، بل إن تراجع أسعار النفط أيضًا قد ترتب عليه خسارة كبيرة في البورصات الخليجية؛ بسبب بيع أسهم الشركات المرتبطة بالنفط في شهري نوفمبر وديسمبر 2014.

 

ومع استمرار تراجع أسعار النفط، وتأثيراته الضارة على المنتجين، جاءت ضرورة التنسيق في سياسة الإنتاج طبقًا لظروف السوق النفطية، ما أنتج التحالف السابق الإشارة إليه «أوبك بلس» في نوفمبر 2016 (يضم إضافة إلى دول أوبك روسيا وأذربيجان والبحرين وبروناي وكازخستان وماليزيا والمكسيك وعُمان وجنوب السودان والسودان)، وقد أثمر هذا التنسيق تحسن أسعار النفط وخاصة مع التزام الأطراف.

 

لكن جاءت أزمة كورونا لتضرب مجددًا أسعار النفط، الذي فقد في مارس 2020 قرابة 50% من قيمته، وخاصة بعد إخفاق «أوبك بلس» في التوصل إلى تسوية بشأن خفض معدلات الإنتاج وقتها بواقع 1.7 مليون برميل، وخلال تعاملات الاثنين 23 مارس 2020 تراجعت أسعار النفط العالمية إلى أدنى مستوى لها في 18 عاما، فبلغ سعر خام برنت 24.7 دولار للبرميل، وهذه الأسعار هي نصف ما كانت عليه في 2007.

 

ويأتي هذا فيما كان الإنفاق العام في الاقتصاد الخليجي يحقق زيادة في المتوسط سنويًا من 15 إلى 20%، وهو ما هدد بتراجع إجمالي ما ادخرته الاقتصادات الخليجية في صناديقها السيادية، فضلاً عن زيادة الدين الخارجي والمحلي.

 

ووفقًا لوكالة «ستاندرد آند بورز للتصنيف الائتماني»، فإن مجموع عجوزات الموازنات الخليجية الست المتوقع لعام 2021 ينخفض إلى 80 مليار دولار، بينما كان 143 مليار دولار في 2020، ويعزى هذا إلى تداعيات أزمة كورونا وإجراءات الصحة والسلامة المرتبطة بها.

 

وفضلاً عن انخفاضات عجز الموازنات الخليجية، فإن التأثير المباشر لارتفاع أسعار النفط هو في ارتفاع أسواق الأسهم الرئيسية، كما يؤدي تحسين الإيرادات إلى إرجاء اتخاذ فرض ضرائب جديدة، والشروع في تنفيذ المشروعات التي سبق إرجاؤها بسبب  انخفاض الأسعار، كمشروع نيوم السعودي -المدينة التي تحوي أنشطة اقتصادية متطورة تقوم على الابتكار والتكنولوجيا- وتبلغ ميزانيته 500 مليار دولار، ومشروع الربط الخليجي بالسكك الحديدية، وتنفيذ الرؤى الاقتصادية الخليجية 2030 في موعدها.

 

وكان «صندوق النقد الدولي» في تقريره في أبريل الماضي قد رفع توقعاته لتعافي اقتصادات دول مجلس التعاون الست بوتيرة أسرع مما ذكره في يناير، إذ توقع معدل نمو للاقتصاد السعودي أكبر الاقتصادات الخليجية 2.9%، بينما في يناير كان يتوقع أن يكون هذا النمو 2.6%، بعد أن انكمش هذا الاقتصاد بنسبة 4.1% خلال 2020 بسبب جائحة كورونا، وانخفاض أسعار النفط، بينما ينمو الاقتصاد الإماراتي بمعدل 3.1% وكان قد انكمش بنسبة 5.9% العام الماضي. وينمو الاقتصاد العُماني بنسبة 1.8%، بينما الاقتصاد البحريني بنسبة 3.3%، والاقتصاد الكويتي 0.7% والاقتصاد القطري بنسبة 2.4%.

 

على العموم، فإنه وفقًا لوكالة «أيه أم بوست الأمريكية للتصنيف الإئتماني»، من المتوقع أن تسهم جهود التحفيز الحكومية نتيجة تحسن الإيرادات النفطية في نمو القطاع النفطي بنسبة 1.6% في 2021، وأن يتجاوز النشاط الاقتصادي للقطاع غير النفطي مثيله في القطاع النفطي. ومع انحسار جائحة كورونا، قد تظهر قطاعات السياحة والسفر نموًا كبيرًا في 2021، ومع تحسن أداء القطاعات غير النفطية متزامنًا مع تحسن العلاقات الخليجية الخليجية، فإنه من المتوقع زيادة حجم التجارة البينية عن مستواه البالغ 90 مليار دولار في 2019، وتنفيذ مشاريع التكامل الاقتصادي التي أقرت قمة العلا التعجيل بتنفيذها بحلول عام 2025.

{ انتهى  }
bottom of page