top of page

8/9/2021

انقسامات في بريطانيا حول معالجة وزير الخارجية للأزمة الأفغانية

تصاعدت التداعيات السياسية داخل الحكومة البريطانية منذ سقوط أفغانستان بيد طالبان، حيث يواجه وزير الخارجية، «دومينيك راب»، ضغوطًا متزايدة على إدارته من مختلف الأطياف السياسية، بعد أن أثارت وتيرة ردود فعل الحكومة على الأحداث انتقادات غاضبة؛ نتيجة الارتباك وعدم اليقين، فيما سلطت وسائل الإعلام الضوء على الانقسامات داخل مجلس الوزراء نفسه. علاوة على ذلك، أدى ظهور «راب»، مؤخرًا، أمام لجنة الشؤون الخارجية في جلسة استجواب إلى صحة التوقعات بوجود انقسامات حادة داخل وزارته.

 

وحتى الآن، قامت المملكة المتحدة بإجلاء أكثر من 17000 شخص من أفغانستان، منهم حوالي 5000 مواطن بريطاني. وبالنظر إلى الإطار الزمني القصير للأزمة، ونقص المعلومات الاستخبارية الملموسة حول عدد الأشخاص الراغبين في الفرار والموارد المحدودة المتاحة، لا ينبغي التقليل من شأن هذا الجهد ونجاحه في منع عدة آلاف من الأشخاص من الأذى المحتمل على أيدي طالبان. وعلى الرغم من أن عمليات الإجلاء الشاملة للأفراد من مطار كابول قد انتهت الآن كثّف «راب» والحكومة البريطانية جهودهما لتأمين إجلاء أكبر عدد ممكن من الأشخاص من البلاد، سواء عن طريق الجو أو البر.

 

ونظرًا إلى طبيعة سقوط أفغانستان في أيدي طالبان، وتقدم التنظيم بسرعة في جميع أنحاء البلاد بما يتعارض مع تقديرات معظم أجهزة الاستخبارات؛ ليس من المستغرب أن تلقى جميع الحكومات الغربية -ولا سيما الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة- انتقادات كبيرة لعدم توقع الأحداث أو الاستجابة في وقت أقرب. وفي حالة بريطانيا، يجدر ذكر أن القرار الأمريكي بالانسحاب من أفغانستان اتخذه الرئيس «جو بايدن» من جانب واحد في أبريل 2021، من دون استشارة حلفائه في الناتو. ومنذ ذلك الحين، يعترض رئيس الوزراء البريطاني «بوريس جونسون» بصورة علنية على القرار بشكل مستمر، محذرا من «كارثة ستؤتي ثمارها في النهاية».

 

وخلال ذروة الأزمة، تم تقويض رد فعل الحكومة البريطانية؛ بسبب قضاء وزير الخارجية عطلته الصيفية خارج البلاد، حيث لم يقم بإجراء مكالمة هاتفية مهمة مع وزير الخارجية الأفغاني «حنيف أتمار»، لطلب المساعدة منه لنقل المترجمين الأفغان جوا من كابول؛ وبدلا من ذلك قام بتكليف وزير المحيط الهادئ والبيئة «زاك جولد سميث» بذلك. وأدى قيامه بتكليف شخص آخر بإجراء المكالمة إلى توجيه اتهامات بأن جهود الإجلاء من أفغانستان التي تقوم بها المملكة المتحدة قد تراجعت، وبالتالي زادت الانتقادات الموجهة للحكومة.

 

وردا على هذه الأحداث، وقف «راب» أمام لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني -والتي تتألف من زملائه النواب من جميع الأحزاب- خلال ما وصفته «كاثرين نيلان»، في صحيفة «التلجراف»، «بجلسة استجواب عنيفة لمدة ساعتين»، حيث تحدث بصراحة عن إخفاقات استخباراتية من قبل الغرب في أفغانستان، بالإضافة إلى الاعتراف بحقيقة أنه لا يعرف عدد الرعايا البريطانيين المتبقين الآن داخل أفغانستان، أو كم عدد الأفغان الذين مازالوا يسعون للفرار من حكم طالبان.

 

وفي الواقع، كانت تعليقات وأفعال وزير الخارجية البريطاني موضع تساؤل أعضاء البرلمان، إذ أشار النائب المحافظ رئيس لجنة الشؤون الخارجية «توم توجندهات» إلى وجود سجل للمخاطر الرئيسية في وزارة الخارجية، وقد حذر من أن طالبان يمكن أن تسيطر على البلاد بشكل أسرع مما كان متوقعًا. وتساءلت «أليسيا كيرنز»، العضو عن حزب المحافظين: «إذا لم يكن أحد يتوقع ذلك، فكيف كان الإجلاء الفرنسي للرعايا أكثر نجاحًا من البريطاني؟»، كما أصر النائب «ستيوارت ماكدونالد»، من الحزب الوطني الاسكتلندي، على أن يقدم «راب» تفاصيل حول كيف غاب عن المشهد في مثل هذا الوقت الحرج. كما انتقدت وزيرة الخارجية في حكومة الظل عن حزب العمال «ليزا ناندي» قيادته نفسها، واصفة وزارة الخارجية باعتبارها «الحلقة الأضعف» في سلسلة إخراج الأفراد بأمان من أفغانستان.

 

علاوة على ذلك، لم تنل تعليقات «راب»، أمام لجنة الشؤون الخارجية، رضا المعلقين من وسائل الإعلام، وكذلك إدارته لوزارة الخارجية. واتهمت «زوي ويليامز»، من صحيفة «الجارديان»، الوزير الذي يواجه هجوما عاتيًا بـ«ترديد نفس العبارات عن ظهر قلب»، كما وصفته افتتاحية الصحيفة بأنه «يفتقد السيطرة، وليس لديه خطة ولا يشعر بالخجل». وبينما أقرت بأنه «لا يستطيع السيطرة على تقدم طالبان في كابول»، رأت أن هذا «لا يعفيه من المسؤولية عن تنفيذ إخلاء يتسم بالفوضى وغير مكتمل».

 

وكجزء من ذلك، أجرت وسائل الإعلام مقارنات حادة بينه وبين نظرائه في الحكومات الأوروبية. وأشارت «نيلان» في «التليغراف» إلى أن وزير الخارجية «كان غير موفق عند مقارنته بوزير الخارجية الألماني «هايكو ماس»، الذي «بنى جسورًا مع العديد من دول آسيا الوسطى» لتمكين «ممر آمن عبر الحدود البرية إلى أوزبكستان لأولئك الذين مازالوا يسعون إلى الفرار من طالبان».

 

ومع ذلك، فإن مثل هذه المقارنات تظل «غير مُنصفة»، إذ بدأ «راب» بنفسه الآن جولة إلى عدة بلدان؛ بهدف تأمين الإجلاء الآمن للأفغان الذين يريدون الخروج من البلاد. وفي هذا الصدد، اختتم مؤخرًا زيارة لقطر، كما نقلت المملكة المتحدة سفارتها في أفغانستان لكي تبدأ في ممارسة مهامها من الدوحة، وأكد راب باستمرار أن «الأولوية القصوى» للحكومة تظل استئناف عمليات الإجلاء، ومحاولة بناء تحالف إقليمي «لممارسة أقصى قدر من النفوذ المعتدل» على طالبان.

 

ودعما لهذه الخطوات، قامت «الخارجية البريطانية» بعدة أعمال إنسانية فيما يتعلق بأفغانستان، بما في ذلك حزمة مساعدات بقيمة 30 مليون جنيه إسترليني لمساعدة أزمات اللاجئين في البلدان المجاورة لأفغانستان؛ منها «باكستان»، التي تستضيف بالفعل حوالي 3 ملايين لاجئ أفغاني. وعندما توجه «راب» إلى «إسلام أباد»، أجرى سلسلة من الاجتماعات «لتغطية تطورات الوضع في أفغانستان والمسائل الثنائية».

 

وهكذا، بعيدًا عن التغيب عن الأزمة والكارثة الإنسانية في أفغانستان، يقود وزير الخارجية الآن الجهود الغربية لضمان إيصال المساعدات وإخراج أكبر عدد ممكن من الأفراد من البلاد، بعيدا عن بطش طالبان. بالإضافة إلى ذلك، فقد دافع بقوة عن أدائه وأداء وزارته، مشيرًا في 31 أغسطس إلى أنه «لم يكن أداء وزارة أخرى أفضل من وزارة الخارجية البريطانية»، وأن المزاعم التي تشير إلى عكس ذلك تعوزها «المصداقية».

 

وعلى الرغم من ذلك، حاولت وسائل الإعلام تأكيد حدة الانقسامات داخل مجلس الوزراء البريطاني نفسه، وعلى الأخص بين «راب» ووزير الدفاع «بن والاس»، حول ما إذا كانت تحذيرات الأخير السابقة بشأن السقوط الوشيك لأفغانستان وتفاقم أزمتها تم تجاهلها من قبل الخارجية البريطانية. وفي هذا الصدد، وصف «ستيفن بوش»، في مجلة «نيو ستيتسمان»، ظهور راب أمام لجنة الشؤون الخارجية بأنه «يكشف» عن المشاكل الأعمق في وزارته، حيث إن ظهوره يشير إلى أن الأمور ليست على ما يرام تمامًا بينه وبين أفراد ومسؤولي وزارته». في حين أشارت «كاتي بولز»، في صحيفة «الجارديان»، إلى أنه «يبدو أن ليس لديه مناصرون بوزارته».

 

ومع ذلك، يجب تذكر أن هذه الانتقادات اقترنت بأخرى سابقة بأن قرار مغادرة أفغانستان كان قرارًا أمريكيًا منفردا، وأن الحكومة البريطانية باتت تفتقر إلى القدرة على التصرف من تلقاء نفسها، بدون الدعم الأمريكي. وفي هذا الصدد، أوضح «بوش» أن الانسحاب من أفغانستان أظهر أن لندن «تفتقر إلى القدرة على التصرف بمفردها في ملفات الشؤون الخارجية، وحتى لو كان ذلك ممكنًا، فإن استراتيجيتها في السياسة الخارجية ليست واضحة المعالم في الوقت الراهن».. بينما اعترف «والاس»، أيضًا بأن الأحداث في أفغانستان أثبتت «أن بريطانيا ليست قوة عظمى».

 

وبالنظر إلى هذا الواقع، يبدو الآن أننا أمام حقيقة مفادها أن وزير الخارجية البريطاني هو مجرد «طرف أصبحت توجهه الأحداث العالمية»، وليس شخصية «تتحكم في الأحداث وتوجه دفتها ومسارها بإرادته»، فعندما رفضت الإدارة الأمريكية التعاون مع لندن في ملف السياسة الخارجية للأزمة الأفغانية، أصبحت مسألة عدم وجود أدنى نفوذ لوزير الخارجية البريطاني واضحة للعيان.

 

وبعد كل ذلك، مازال «راب» في الوقت الحاضر يحتفظ بالدعم الكامل من قبل رئيس الوزراء، في ظل تأكيد «بوريس جونسون» «ثقته الكاملة» بوزير خارجيته، الذي يعد أحد أكثر وزرائه المقربين إليه في الحكومة. علاوة على ذلك، ذكرت صحيفة «فاينانشيال تايمز» أن جونسون لا يخطط لإجراء أي تعديلات وزارية إلا بعد قمة تغير المناخ العالمية في نوفمبر، وبالتالي، أشارت «كاتي بولز» في «الجارديان» إلى أنه «سيكون من السابق لأوانه الإطاحة بوزير الخارجية.

 

على العموم، على الرغم من الانتقادات اللاذعة، التي لحقت بوزير الخارجية البريطاني «دومينيك راب»، بشأن أفغانستان وإساءة تقدير حجم الأزمة من جانب وزارته؛ فإن هناك بعض العناصر الإيجابية؛ حيث إن جولته الإقليمية في بعض دول آسيا الوسطى الآن تعتبر دليلاً على جهوده لمساعدة البعثات الإنسانية للحكومات، والمنظمات المعنية بالوضع الحقوقي في أفغانستان، فضلاً عن استمرار جهود إجلاء البريطانيين والأفغان الذين يسعون للفرار من نظام طالبان.

 

علاوة على ذلك، من المهم التأكيد مرة أخرى على المعارضة العلنية للحكومة البريطانية لقرار إدارة بايدن سحب القوات العسكرية من أفغانستان، إذ كان يجب مراعاة الإطار الزمني المحدود والموارد المتاحة لإجراء عمليات الإجلاء، استنادًا على التحليل الوافي للأحداث والتطورات الأخيرة.

{ انتهى  }
bottom of page