top of page

15/9/2021

الانسحاب من أفغانستان.. ومصداقية الحليف الأمريكي

في أعقاب سقوط «كابول» في أيدي طالبان، ازداد الجدل بين الخبراء والمحللين الغربيين حول الدور المستقبلي للولايات المتحدة في «الحرب على الإرهاب»، وتدخلها في الدفاع والأمن بالعديد من الدول، وخاصة في الشرق الأوسط، بما في ذلك دول الخليج، وذلك عند وضعهم في الاعتبار خططها الموضوعة مسبقًا لخفض مستويات القوات وأنظمة الأسلحة في جميع أنحاء المنطقة.

 

وبالنسبة إلى دول الخليج، فإن المسار المستقبلي للتدخل الأمريكي في الشرق الأوسط، يحظى بأهمية كبيرة لاعتباراتها الأمنية وتخطيطها على المدى الطويل. وعلى الرغم من أن الانسحاب المتسرع كما حدث في أفغانستان، لا يتوقع حدوثه في الخليج، إلا أن حالة عدم اليقين بشأن ما يمكن أن تفعله «واشنطن»، في المنطقة، بعد حربين فاشلتين في فيتنام والعراق، ينبغي أن يثير مخاوف بشأن إرادتها السياسية لمواصلة وجودها العسكري على نحو دائم، وخاصة مع انشغالها بشكل متزايد بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ.

 

وتتعلق أهم عوامل حالة عدم اليقين بالضربة التي تلحق بسمعة أمريكا كجهة فاعلة خارجية قوية، وحليف عسكري ودبلوماسي، والاحتمال المتجدد بأن تصبح أفغانستان «ملاذا آمنا» للإرهابيين، وتداعيات تشجّع إيران على التدخل، حيث ستسعى إلى الاستفادة من الأزمة، خاصة مع تمتعها بعلاقات ودية مع طالبان على حدودها الشرقية.

 

ومن هنا، ثار جدل بين المحللين، حول ما إذا كان مأزق واشنطن الأخير في أفغانستان، وانهيار الحكومة الحليفة لها، يُنذر بإضعاف مستمر للقوة العسكرية والدبلوماسية لها في الشرق الأوسط، وما إذا كانت لا تزال هناك إرادة لديها على مواصلة الالتزام بوجود القوات والتمويل؛ لحماية حلفائها في المنطقة. ولاحظت «ليز سلاي»، من صحيفة «واشنطن بوست»، كيف أن استيلاء طالبان على كابول، قد «أثار قلقًا عالميًّا»، وأعاد الشكوك حول «مصداقية وعود السياسة الخارجية للولايات المتحدة»، حتى من أقوى حلفائها الإقليميين. في حين تساءل «مارفين كالب»، من «معهد بروكنجز».. «هل أمريكا لم تعد حليفًا موثوقًا به؟»، وهل ما زالت «قادرة على حشد العالم لتحقيق أهداف مشتركة ومرغوبة؟».

 

أما داخل دول الخليج، فقد تمت الإشارة مباشرةً إلى القلق بشأن مستقبل أمريكا في المنطقة. ونقلت صحيفة «واشنطن بوست»، عن «رياض قهوجي»، من شركة «إنجما للاستشارات الأمنية» في الإمارات، قوله: «ما يحدث في أفغانستان يدق أجراس الإنذار في كل مكان، كما أن مصداقية الولايات المتحدة كحليف كانت موضع شك منذ فترة».

 

تقترن هذه المخاوف بواقع قيام الإدارات الأمريكية المتعاقبة بتحويل المزيد من الاهتمام الاستراتيجي إلى شرق آسيا في ظل تسجيل انخفاض في أعداد القوات والمعدات بمنطقة الشرق الأوسط منذ رئاسة باراك أوباما. علاوة على ذلك، يمكن اعتبار قرار بايدن بسحب القوات من أفغانستان، وترك الجيش الأفغاني ليواجه مصيره، جزءًا من نمط تخلي واشنطن ببطء عن الحلفاء الإقليميين، مع سحب الدعم الأخير لكابول، والذي يماثل وقف إدارة ترامب دعم الفصائل الكردية التي تقاتل داعش عام 2019.

 

وبالفعل، شرعت واشنطن في تقليص وجودها العسكري في الشرق الأوسط قبل الانسحاب من أفغانستان. ففي يونيو 2021. ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، أن الولايات المتحدة «تخفض بشكل حاد عدد أنظمتها المضادة للصواريخ في الشرق الأوسط»، كجزء من عملية إعادة تنظيم رئيسية». ويشمل ذلك سحب بطاريات باتريوت المضادة للصواريخ من السعودية، والكويت، والأردن، والعراق. كما خفضت نشر قواتها في العراق إلى 2500 جندي فقط، على ما يبدو لاعتقادها في تشابه وضع البلاد مع أفغانستان، حيث يُمكن أن يؤمن الجيش العراقي البلاد. وبحسب الصحيفة، فإن هذه القرارات، قد اتُخذت بسبب المفاوضات النووية الجارية مع طهران، حيث «يرى مسؤولو البنتاجون انخفاضًا في خطر نشوب الحرب بعد أن استخدمت حملة الضغط القصوى لإدارة ترامب سياسة حافة الهاوية العسكرية مع طهران بشكل أكبر».

 

علاوة على ذلك، فإن المخاوف بشأن القدرات المستقبلية للولايات المتحدة، -وبالتالي الغرب- في الشرق الأوسط لم يساعدها الرد المُخزي حتى الآن على انتصار طالبان. وعلقت مجلة «الا يكونوميست»، على سياسة «التأثير المعتدل»، التي حددها وزير الخارجية البريطاني، «دومينيك راب»، باستخدام عاملين؛ هما المساعدة والاعتراف الدولي، حيث «من غير المحتمل أن يكون أي منهما فعالاً، وخاصة أن روسيا والصين «تستمتعان بإذلال أمريكا، وهما الآن أكثر صداقة مع طالبان دبلوماسيًّا مما كانا عليه في السابق».

 

ومع ذلك، رُفضت هذه المخاوف من قبل بعض المحللين، بما في ذلك «جريجوري جوس»، من جامعة «تكساس أيه. أند إم»، الذي قال: إنه لا يوجد حاليًا «مؤشر على رغبة إدارة بايدن بالانسحاب من العراق، أو تغيير الهيكل الأساسي لقواعدها فعليًّا في الخليج». مضيفا، أن «أفغانستان كانت دائمًا متداخلة مع المصالح الأمريكية طويلة المدى في الخليج، كما أن الوجود العسكري في الخليج يوفر رادعًا محتملاً لأي أعمال إرهابية مستقبلية».

 

وفي الواقع، لم يكن لسقوط أفغانستان -حتى الآن- تأثيرٌ كبير على الإجراءات الأمريكية الفورية لتأمين منطقة الخليج. فلا يزال الأسطول الخامس رابضًا في منطقة الخليج. وكالمعتاد، تواصل البوارج وحاملات الطائرات التابعة له القيام بدورياتها. وبالتالي، فإن القضية التي تشغل بال الدول الخليجية تتعلق بإعادة انتشار القوات الأمريكية والانتقال التدريجي للمعدات الدفاعية من الشرق الأوسط إلى مواقع أخرى في العالم يرى البيت الأبيض أنها تحظى بأولوية أمنية كبرى.

 

وعلى المدى القصير، يشكل خطر تصعيد التهديدات الإرهابية الناشئة عن «الملاذ الآمن»، الجديد في أفغانستان خطرًا أمنيًا خطيرًا على دول الشرق الأوسط. وفي ظل غياب الوجود الأمريكي، أو الناتو لردع طالبان عن الانخراط مع الجهات الإرهابية الدولية، يمتلك مقاتلون من مجموعات، مثل القاعدة، وداعش القدرة على السفر إلى أفغانستان، وإعادة بناء قواعد قوتهم وشبكاتهم الدولية. وفي حين يتبدى خطر واضح لحدوث نشاط إرهابي متسارع في سوريا والعراق، إلا أنه بالنسبة إلى دول أخرى، مثل الأردن ومصر، يجب أن تكون هناك أيضًا مخاوف من أن الجهاديين سوف يسعون للحصول على التمويل والتدريب في أفغانستان لتنفيذ أعمال التدمير الإقليمية والدولية.

 

بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن التقليل من انتصار الدعاية لكل من طالبان والجماعات المتطرفة العنيفة الأخرى في سقوط أفغانستان. وكتب «مايكل يانسن»، في صحيفة «ذا ايريش تايمز»، أن «انتصار طالبان عزز من الروح المعنوية والتصميم على الاستمرار في المهمة الجهادية لغزو أراضٍ جديدة، وفرض ممارسات وقوانين دينية صارمة». مضيفا، أنه «منذ رفض طالبان احترام الاتفاق مع إدارة ترامب لوقف أنشطة القاعدة وداعش في الأراضي الواقعة تحت سيطرتها، مقابل الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية، لا يمكن توقع أن تكبح الحركة حلفاءها»، وبدلاً من ذلك يمكن للمسلحين منحهم حرية «تدريب وتصدير المقاتلين إلى ساحات القتال في العراق وسوريا واليمن وليبيا «من بين وجهات أخرى محتملة. وبالمثل، قال «حيان دخان»، من جامعة «سانت أندروز»، إن «مشروع الخلافة الفاشل لداعش في سوريا والعراق سيشجع إحياؤه ما يعتبر هزيمة للولايات المتحدة في أفغانستان».

 

وفي إطار هذا الواقع، فإن أي جهد تقوده الولايات المتحدة الآن لكبح مثل هذه الأعمال من أفغانستان سيكون مُحدودا؛ نظرًا إلى افتقارها إلى أي قاعدة عسكرية قريبة. وبالفعل، أشارت مجلة «الا يكونوميست»، إلى أن أي عمل من هذا القبيل، وبالأخص توجيه ضربة جوية ضد طالبان، أو المتطرفين في البلاد «لا يمكن أن يحدث من دون تجاوز إيران، وهو احتمال غير مرجح لاستحالة رجوع واشنطن إليها في هذا الشأن، أو تجاوز حتى باكستان، بإذن منها أو من دونها»، ما يجعل مثل هذه الضربات أمرًا بعيد المنال في الوقت الراهن.

 

من ناحية أخرى، لا يمكن تجاهل المكاسب التي ستعود على إيران جراء الإطاحة بحكومة أفغانستان، وذلك عند مناقشة مستقبل التدخل الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، وأمن الخليج. وبالنظر إلى الاختلافات الدينية بين كلا الطرفين -لكون إيران شيعية، وطالبان سنية، قد يفترض أن التعاون بين كليهما سيكون مستحيلا. ولكن، نظرًا إلى أن الواقع السياسي يؤكد أن كلاهما يعارضان بشدة الوجود الأمريكي في أفغانستان، فربما هذا التعاون غير المحتمل قد يحدث بالفعل مستقبلا.

 

وبهذا المعنى، كان هناك دعم إيراني سري لطالبان، والذي تراوح -وفقًا لما أكده ضابط الجيش البريطاني السابق «مايك مارتن»- «من تقديم الأموال الطائلة، إلى إمداد الحركة بالأسلحة، وطرق وأساليب تهريب المخدرات»، على الأقل خلال العقد الماضي، وعلى الأرجح بدأ هذا الدعم بعد وقت قصير من الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام2001. فضلا عن توفير «ملاذات آمنة»، لشخصيات رئيسية من كل من طالبان والقاعدة. وفي هذا الصدد، أوضحت «شيلي كيتلسون»، في مجلة «فورين بوليسي»، أن «عددا من عناصر القاعدة وطالبان، قد عبروا منذ فترة طويلة إلى إيران وعملوا من أراضيها». وفي عام 2021. أعلنت «الخارجية الأمريكية»، أن «ياسين السوري»، أحد كبار داعمي تنظيم القاعدة ماديًّا، لا يزال يعيش في طهران ويحميه النظام هناك.

 

واستند دعم إيران غير الرسمي لطالبان أيضًا إلى بعض الحقائق الجيوسياسية. وأشار «روزبيه بارسي»، من «المعهد السويدي للشؤون الدولية»، إلى أنه «لبعض الوقت»، «قبلت إيران أن طالبان لن تختفي وستقوى شوكتها، وأنه لا يمكن لأي طرف خارجي إلحاق الهزيمة بهم عسكريًّا». كما أضاف «مارتن»، أن النظام في طهران «أنشأ روابط وثيقة على مدى سنوات عديدة مع جماعات مسلحة داخل مقاطعة هلمند جنوب أفغانستان»، وقد «يتغير هذا الدعم الإيراني اعتمادًا على من له اليد العليا في تلك المقاطعة تحديدًا». وفي غضون ذلك، أكدت «كيتلسون»، أن «أحد الأسباب الرئيسية للدعم الإيراني لطالبان، هو حاجة الأولى إلى المياه التي تتدفق إلى البلاد عبر الحدود».

 

ومع ذلك، فإن التعايش السلمي والتفاهم الودي بين طالبان وطهران، ليس أمرًا مفروغًا منه. وأوضح «بارسي»، أن العلاقات المستقبلية بين الطرفين «تتوقف على مدى براجماتية طالبان»، في تعاملها مع السكان الشيعة في أفغانستان. كما أشارت «أسلي أيدينتاسباس»، من «المجلس الأوروبي»، إلى أن «إيران ستخسر أيضًا إذا عادت طالبان إلى أساليبها القديمة ووفرت ملاذًا آمنًا للجهاديين».

 

وتكمن الفائدة الاستراتيجية القصوى لطهران من وراء وجود طالبان على حدودها الشرقية في إزالة أية مخاوف إيرانية بشأن الوجود الأمريكي في هذه المنطقة، وبالتالي، تحويل الانتباه غربًا. ولعل هذا النقطة تحديدا، ستكون مصدر قلق رئيسي لدول الخليج، وسيزداد الوضع سوءًا من الناحية الأمنية إذا لم يكن هناك ضمانات بتوفير الدعم الأمريكي اللازم. وكما أوضحت «كيتلسون»، فإنه «سواء أكان الهدف من الدعم الإيراني لطالبان، هو ضمان إمدادات المياه عبر الحدود، أو لأسباب دينية، أو كان يتم استخدامه كوسيلة للإطاحة بحكومة أفغانية كان يُنظر إليها على أنها حليفة للولايات المتحدة»؛ يبدو في النهاية أن طهران «تعتقد أنها ستستفيد من سيطرة طالبان على مقاليد الأمور في أفغانستان».

 

على العموم، لا يمكن التقليل من تداعيات سقوط كابول على مستقبل التحركات والجهود السياسية الأمريكية الدولية، سواء في الشرق الأوسط أو خارجه. ومع ذلك، فإن الإجراءات التي ستتخذها إدارة بايدن خلال الأشهر المقبلة ستظهر ما إذا كانت هذه الكارثة العسكرية الأمريكية الأخيرة ستؤدي إلى تغييرات جوهرية في المنطقة بشكل عام، ودول الخليج بشكل خاص، كما أن النتائج المباشرة لسقوط أفغانستان بالنسبة إلى الشرق الأوسط ستظل مقلقة للغاية، وذلك عند التفكير مليًا في مخاطر تجرؤ إيران على توجيه أنشطتها العدائية غربًا في المنطقة.

 

علاوة على ذلك، فإن هذه الكارثة من المرجح أن تؤدي إلى تدفق جديد للاجئين الأفغان إلى المنطقة. وفي حين أن العديد من الدول الغربية قد تعهدت بالفعل باستقبال الآلاف من طالبي اللجوء الفارين من طالبان؛ فإن احتمال فرار مئات الآلاف منهم إلى دول الشرق الأوسط، التي تأوي بالفعل أعدادًا كبيرة من النازحين من صراعات أخرى، يمثل في حد ذاته تحديًا أمنيًّا وإنسانيًّا كبيرًا آخر.

{ انتهى  }
bottom of page