top of page

9/11/2021

القوى الآسيوية ومنطقة الخليج.. علاقات متعددة الجوانب في مشهد عالمي متغير

أثار التنويع العالمي في موارد الطاقة بعيدا عن الوقود الأحفوري، والتساؤلات حول مدى استمرارية التزام الولايات المتحدة طويل الأمد بأمن الشرق الأوسط، وأهمية العلاقات بين الدول الخليج والقوى الآسيوية العظمى كالهند والصين واليابان، والتي ستصبح ذات تأثير بالغ على ما يحدث في المنطقة في المستقبل؛ العديد من التساؤلات لدى المحللين والخبراء. وعلى الرغم من أن العلاقات التاريخية بين الخليج وآسيا قوية اقتصاديا وسياسيا، فقد أدت وفرة موارد الطاقة التي يتعين على الخليج تصديرها مؤخرًا إلى إقامة علاقات أكثر قوة.

 

ونظرًا إلى أن حركة التجارة الخليجية تزداد شرقا وليس غربا، فقد عقد «المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية»، بلندن ندوة، بعنوان «القوى الآسيوية ومنطقة الخليج.. علاقات متعددة الجوانب في مشهد عالمي متغير»؛ بهدف بحث العلاقات الخليجية الآسيوية، أدارها أميل حكيم، من قسم أمن الشرق الأوسط بالمعهد، وشارك فيها يوكا كوشينو، وحسن الحسن، وفيراج سولانكي، زملاء أبحاث بالمعهد في لندن، وكميل لونز، من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، بالبحرين.

 

في البداية، شرح الحسن، نهج التعاون وشكل العلاقات بين دول الخليج وبعض دول آسيا، سياسيا واقتصاديا، موضحا كيف سعت دول الخليج منذ نهاية الحرب الباردة إلى تكوين علاقات وطيدة مع القوى الآسيوية الكبرى، وكان هذا السعي جليا في زيارة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز، آنذاك إلى الصين عام 2006. مشيرًا إلى أنه في أعقاب أحداث 11 سبتمبر وغزو العراق، أصبح هناك حافز جيوسياسي لدول الخليج لتنويع علاقاتها الدولية بعيدًا عن الغرب، والبحث عن شراكات جديدة في آسيا، علاوة على ذلك، أشار إلى الاعتراف المبكر، بأن الاقتصادات الآسيوية المتنامية في الهند والصين، إلى جانب القوة الراسخة لليابان، ستشكل الأسواق الرئيسية لتصدير الغاز والنفط، وأن الصادرات إلى هذه الدول ستساعد في توطيد العلاقات الدبلوماسية معها.

 

وحول أكثر الدول الخليجية توطيدًا لعلاقتها مع آسيا، أوضح، أن الإمارات تأتي في صدارة دول مجلس التعاون، نظرًا إلى أنها لديها بالفعل اتفاقيات شاملة مع كل من الهند والصين في الأمور المتعلقة بالاقتصاد والتكنولوجيا وصادرات الطاقة، وفي المقابل، فإن الكويت تخلفت عن الركب بشكل كبير، في حين أن الدول العربية الأخرى، مثل السعودية والبحرين وعمان وقطر تتمتع بعلاقات جيدة مع كل من الهند والصين.

 

وعندما سُئل عن أن دول الخليج تواجه معضلة، بالنظر إلى أن الازدهار الاقتصادي المستقبلي يكمن في الشرق، لكن الضمانات الأمنية تكمن في الغرب، علق الحسن، أنه مع اشتداد التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين، فإن المفاضلة بين الاثنتين ستبدأ في الظهور بشكل أكبر في الخليج، لكن مع ذلك، فإن الدول العربية في المنطقة تمتلك مقاومة قوية يمكنها ترجيح كفتي التعاون مع كل منهما في آن واحد ضمن سيناريو الخيارات الصفرية، التي يتم الترويج لها الآن، مؤكدا أنه في الوقت الذي أصبحت فيه إدارة التوازنات الأمريكية والصينية أكثر صعوبة قليلا، تمكنت دول الخليج حتى الآن من الحفاظ على علاقات قوية مع كليهما، مرجعا ذلك إلى جهود هذه الدول في محاولة لعقلنة صورة مصالحها الاقتصادية والأمنية مع كلا البلدين.

 

وحول ما إذا كانت العلاقات بين دول الخليج ودول جنوب آسيا، وأبرزها الهند وباكستان، لا تزال تبادلية وأحادية البعد، أو ما إذا كانت هذه العلاقات الآن أكثر تعقيدًا بالنظر إلى التطورات الجيوسياسية. أوضح سولانكي، أن كلا من الهند وباكستان مؤخرا قامتا بتنويع أوجه العلاقة مع دول الخليج خارج إطار الطاقة وعمالة المغتربين، مشيرًا إلى أنه منذ أن تولى رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي منصبه في عام 2014. نالت منطقة الخليج تركيزًا سياسيا أكبر، ولا سيما أن الهند وباكستان تسعيان إلى جلب استثمارات؛ من أجل تحفيز النمو الاقتصادي، مستشهدا بزيارات مودي إلى الإمارات عام 2015. والبحرين عام 2019. وكذلك تعهدات السعودية والإمارات باستثمار 100 مليار دولار، و75 مليار دولار في الاقتصاد الهندي كدليل على سعيهما إلى الاستفادة من توثيق التعاون الاقتصادي. وبالنسبة إلى باكستان، ذكر أنها أقامت علاقات دفاعية وأمنية قوية مع الخليج، كما وصلت مؤخرًا إلى تعاون مالي متنامٍ مع المنطقة بعد تلقي قروض من كل من الرياض وأبو ظبي، وأن أفغانستان تعد ساحة رئيسية للتعاون السياسي الباكستاني الخليجي، ولكن لم يتضح بعد إلى أي مدى ترغب إسلام أباد في الانخراط خارجيا في هذا الشأن.

 

من جانبها، استعرضت كاشينو، وجهة نظر اليابان حول علاقاتها مع دول الخليج، حيث شددت على العلاقات الاقتصادية المهمة جدًا بينهما، والتي تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما دافعت اليابان عن الاستقرار في المنطقة، موضحة أن 88% من واردات اليابان النفطية لا تزال تأتي من دول الخليج؛ وبالتالي يظل أمن الأخيرة هدفا مهما من أهداف السياسة الخارجية لطوكيو. وفي هذا الصدد، أشارت إلى أنه على الرغم من أن الدور الأمني  لليابان في الخليج محدود، نظرا إلى بعد المسافات الجغرافية، فقد نما الدور الدبلوماسي والسياسي لها في المنطقة خلال العقد الماضي، خلال حقبة رئيس الوزراء السابق، شينزو آبي، الذي تبنى موقفًا أكثر نشاطًا. وحول مستقبل العلاقات اليابانية الخليجية، أشارت إلى أن متابعة تقنيات الطاقة الخضراء تزداد أهمية بالنسبة إلى الاقتصاد الياباني، وأن إمكانية استيراد الطاقة الهيدروجينية المنتجة في الخليج ستغري طوكيو. فيما تطرقت إلى أهمية تقدم التقنيات ودور القوة الناعمة لليابان؛ مع تزايد اهتمام الخليج بالثقافة والسياحة اليابانية.

 

واستكمالا للمناقشة، أوضحت لونز، أن ملف الطاقة هو جوهر العلاقات الخليجية الصينية؛ مع سعي الأخيرة إلى تأمين احتياجاتها من الطاقة من دول الخليج، في مقابل سعى هذه الدول إلى الاستفادة من عائدات المبيعات المُربحة للصين. وبسبب هذه الديناميكية، قالت إن الصين ستظل معتمدة بشكل كبير على نفط الخليج لبعض الوقت، لكنها حذرت من أن عدم الاطمئنان بشأن الاتجاهات المستقبلية في الاقتصاد الصيني، وكذلك محاولة بكين تطوير مصادر الطاقة الخاصة بها، وهو ما يهدد العلاقة التي أضحت غير متكافئة قليلا لصالح الصين.

 

وعندما سُئلت عن العلاقات الصينية الإيرانية، أشارت إلى أن دول الخليج ترغب في تبني بكين نهجًا أكثر تشددا مع طهران. ولبيان هذه الديناميكية، زعمت أن بكين تسعى علنًا إلى منطقة مستقرة ومتوازنة، لكنها كانت تنتقد النهج الأمريكي للتعامل مع الاعتداءات الإيرانية؛ حيث كان شراء بكين النفط الإيراني بمثابة شريان حياة مقصود لطهران. ومع ذلك، أوضحن أن بكين غير مُرحبة برؤية إيران وقد صارت قوية جدًا، ومن ثَمًّ فلا تزال تعارض سعيها إلى امتلاك أسلحة نووية، وتدعم عودتها إلى الاتفاق النووي. ومع ذلك، قالت إن الصين واضحة بشأن رغبتها في فصل الأمور السياسية عن المسائل الاقتصادية في تعاملاتها مع دول الخليج، بيد أن نقص التواصل بين الاثنين هو مصدر توتر، حيث يحاول كل طرف كشف ما يفعله الآخر من دون نجاح يُذكر.

 

وعن كيفية تأثير التنافس المتزايد بين الولايات المتحدة والصين على الخليج، أشارت لونز، إلى العلاقات الخليجية الصينية المتزايدة باعتبارها نقطة احتكاك مهمة بين الأمريكيين ودول الخليج، حيث تمتلك واشنطن شعورًا متزايدًا بالإحباط، بشأن تعاون الجانبين في مجال التكنولوجيا، ولا سيما اتفاق العديد من دول الخليج على تنفيذ تقنية هواوي الصينية في شبكات اتصالات الجيل الخامس 5G الخاصة بهم. ومع ذلك، وجهت انتقادات إلى الخطوط الحمراء والنقاط الشائكة الأمريكية غير الواضحة، وافتقار واشنطن إلى التواصل مع الخليج.

 

واستمرارًا لهذا الموضوع، سأل حكيم، عما إذا كانت مُشاركة الصين في الخليج تؤثر في سياسات اليابان أيضًا، ووافقت كاشينو، على هذا، مؤكدة  أن تصرفات الصين هي محرك محدد لليابان، بالنظر إلى أن بكين تتحدى النظام القائم على قواعد دوليا، وأن اليابان بدأت في الترويج لفكرتها الخاصة عن نظام دولي حر ومفتوح، بشكل أكثر بروزًا نحو دول الخليج في تعاملاتها الدبلوماسية معها. ومن منظور اقتصادي، أشارت إلى أن النمو التكنولوجي الصيني في الخليج يمثل أيضًا تحديًّا للهيمنة اليابانية طويلة الأمد على سوق التكنولوجيا العالمية.

 

وبالمثل، سُئل سولانكي، عما إذا كانت العلاقات الصينية الخليجية، قد تؤثر سلبًا في علاقة كل من الهند وباكستان بدول الخليج ذاتها. وردًا على ذلك، أوضح أن تعاون كلتا الدولتين يستند في المقام الأول على العلاقات التاريخية بينهما، ولكن مع تزايد حدة الخصومة الراهنة بين الهند والصين سياسيا، بدأت كلتاهما إقامة علاقات مع دول أكثر تشابهًا في الرؤى والأفكار المشتركة، ولعل الهند كانت الأكثر قدرة على القيام بذلك؛ لكونها تتسم بالمرونة في علاقاتها مع الدول الأخرى. وبشكل خاص، سلط الضوء على التحسن التدريجي في علاقة الهند الدفاعية والأمنية مع دول الخليج، حيث أصبح بإمكانها الآن الوصول إلى بعض الموانئ في المنطقة وإجراء تدريبات بحرية مع بعض دول الخليج.

 

وأكد حرص دول الخليج على فصل علاقاتها مع الهند وباكستان عند التعاون والتشاور مع بكين في القضايا المشتركة. وفي الغالب لم تناقش تلك الدول مع المسؤولين الصينيين مخاوفهم بشأن التهديدات التي تمثلها إيران، وذلك بسبب الشعور بأن العلاقات بين كل من الهند وباكستان من جهة، وبكين من جهة أخرى لم تتطور بما فيه الكفاية سياسيا. وخلص إلى أنه من المهم أن تتجنب دول الخليج التورط في ساحات وتحالفات جيوسياسية معقدة. وعلق حكيم، أيضًا أن الأمر يتعلق في المقام الأول بعدم الانحياز إلى طرف ما على حساب الآخر.

 

وحول مسألة الوجود الأمني الآسيوي بكل آلياته العسكرية، وما إذا كان يمكن للدول الآسيوية أن تكون شركاء في الحفاظ على أمن الخليج. بالنظر إلى أن الصين التي أنشأت أول قاعدة عسكرية خارجية لها في جيبوتي عام 2017. لديها الرغبة في وجود عسكري أكثر مباشرة في الخليج؟؛ ذكرت لونز أن هذا ليس في الواقع توقعًا محتملا لأن المنطقة بعيدة كل البعد عن المصالح الأساسية التي توليها الصين بالغ اهتمامها وأولياتها القصوى، وبالتالي فإن الخليج بعيد عن سيناريو تقوم بموجبه الصين بلعب الدور الأمني الذي تمارسه واشنطن. ومع ذلك، أضافت أننا لا نعرف حقًا ما الذي سيحمله المستقبل لتغيير ملامح الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، خاصة وأن قادة الصين لا يترددون طويلا في إبراز مظاهر قوتهم على الصعيد العالمي.

 

وفيما يتعلق بالوجود العسكري لدول جنوب آسيا، مثل الهند وباكستان في الخليج، أوضح سولانكي، كيف أن لدى الدولتين حدودا معينة للمشاركة الأمنية والدفاعية في المنطقة، ولا سيما مشاركة الأخيرة بشكل أساسي في تدريب الضباط الخليجيين، ومن غير المرجح أن يحدث أي تغيير في هذا الأمر بالوقت الراهن. ورغم تمتع الهند بعلاقات دفاعية وأمنية قوية في المنطقة من أجل بناء الثقة بين الجانبين، فإن احتمالات الوجود العسكري لها على الأرض بعيدة عن الواقع حاليًا.

 

وحول ما إذا كانت هناك أي قوة آسيوية قادرة وراغبة في استبدال الدور الأمني  الأمريكي في المنطقة، أشار الحسن إلى أن دول الخليج لا ترى أي بديل حقيقي لواشنطن، باعتبارها شريكًا أمنيا رئيسيا لا يمكن لأحد أن يؤدي دوره، وأن هذه الحقيقة أدت إلى إدراك مفاده أن البديل الحقيقي الوحيد هو تعزيز القدرات الدفاعية الخليجية عبر التحالفات والشراكات.

 

وبالفعل، بدأت دول الخليج هذه العملية من خلال الانضمام إلى مجموعة واسعة من الشراكات مع مختلف البلدان الأوروبية والآسيوية، وكذلك روسيا.

 

على العموم، قدمت الندوة وصفًا مفصلا للعلاقات بين دول الخليج والدول الآسيوية مثل الهند والصين واليابان، وبالإضافة إلى تناولها العلاقات الأمنية والدفاعية الحالية والمستقبلية، فقد غطت الروابط الاقتصادية بين آسيا ودول منطقة الشرق الأوسط، وكيف تطورت هذه الروابط خلال العشرين عامًا الماضية، فضلا عن تحليل تلك الكيفية. ومع ذلك، فإن إحدى القضايا الرئيسية التي لم تتم مناقشتها بالتفصيل هي كيف أن مسألة تحول الطاقة على المدى البعيد، للاعتماد على الطاقة النظيفة من دون الوقود الأحفوري، سيؤثر في العلاقات بين دول الخليج وآسيا.

{ انتهى  }
bottom of page