top of page

2/12/2021

منع التطرف العنيف.. كيف؟ الدروس المستفادة خلال عقدين من الحرب على الإرهاب

تُعد الجهود المبذولة لمنع التطرف العنيف ومكافحته والمعروفة أكاديميا باسم «P / CVE»، عنصرًا حاسما في مكافحة التطرف العالمي ومكافحة الإرهاب، سواء كانت عبر الإنترنت للوصول إلى الأفراد الأكثر عرضة للتطرف، أو العمل الميداني على أرض الواقع لمنع الشباب من الانضمام إلى العصابات والجماعات العنيفة. ويشمل برنامج مكافحة التطرف العنيف قسما بعنوان: «الحرب على الإرهاب»، يتناول أساليب المكافحة المنفصلة عن الأساليب التقليدية التي تتبعها أجهزة الأمن القومي.

 

ولمناقشة هذا الأمر، عقد «المعهد الملكي للخدمات المتحدة»، بلندن، ندوة عبر الإنترنت، بعنوان: «منع التطرف العنيف.. الدروس المستفادة خلال عقدين من الحرب على الإرهاب»؛ بهدف مناقشة النجاحات والإخفاقات في منع التطرف العنيف خلال العشرين عامًا الماضية، ومتطلبات التأكد من عدم ضياع الفرص وضمان أن الجماعات المتطرفة لن تعمل من دون اعتراض، أدارها «إريك روزاند»، المدير السابق لمشروع المنع التابع للمعهد، وشارك فيها «مايكل جونز»، من قسم أبحاث الإرهاب والصراع بالمعهد، و«أثينا تسيمبرين»، من شركة «مونشت لمكافحة التطرف»، و«فاطمة بدرالدين»، من جامعة «مومباسا التقنية».

 

في البداية، تحدث «روزاند» عن أفكاره حول التحديات الحالية لجهود مكافحة التطرف، في إشارة إلى العمل «المكثف» الذي قام به مشروع المنع بالمعهد خلال السنوات القليلة الماضية حول فهم آليات انتشار التطرف العنيف في جميع أنحاء العالم، مستشهدا بالذكرى العشرين لهجمات 11 سبتمبر الإرهابية باعتبارها فترة تحليلات كثيرة من المنظرين الغربيين حول «الجيد والسيئ والبغيض» لعمليات مكافحة الإرهاب الغربية خلال «الحرب على الإرهاب».

 

وأثناء عرضه لبعض أفكاره، شدد على أن «عبء» معالجة التطرف العنيف سيُنظر إليه بشكل متزايد على أنه مسؤولية محلية وليست دولية، ولذلك فإن فهم «نهج المجتمع بأسره» لمواجهة التطرف عليه أن يكون «أكثر أهمية من أي وقت مضى»، خاصة أن العمليات العسكرية والأمنية لمكافحة الإرهاب وحدها «لم تُنهِ أبدًا» التطرف العنيف، وتعد أفغانستان دليلا على ذلك. وعلى الرغم من مقتل واعتقال الآلاف من الإرهابيين والمتطرفين خلال هذه الفترة من «الحرب على الإرهاب»، فقد بُذل جهد أقل بكثير في فهم «دوافع» التطرف، وفي هذا الصدد، أشار إلى أن بعض الإجراءات «المُتخذة باسم مكافحة الإرهاب» كانت النية الحقيقية من ورائها، هو استهداف الأعداء السياسيين، وبالتالي أدت إلى توسيع دائرة العنف.

 

وعلى الرغم من ذلك، زعم أن فهم السياقات المحلية هو «عامل رئيسي» لمواجهة التحديات الأمنية، حيث إن التطرف كظاهرة تتأصل جذوره محليًا بشكل متزايد، حيث يعمل القائمون بالتجنيد على تعظيم المظالم الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق أهدافهم الخاصة، ومن ثمّ، أوضح أن تقدير دور السياق المحلي هو «لب الحل» لمعالجة «جميع أشكال العنف»، بما في ذلك تلك المتعلقة بالسياسة وحقوق الإنسان، داعيا إلى مزيد من «تكامل الجهود» في مكافحة التطرف، مشيرًا إلى الدور المحتمل لوكالات التنمية التي تم تهميشها سابقًا من عملية مكافحة التطرف، وكونها «على استعداد لتقديم خبراتها ومواردها» لبرنامج مكافحة التطرف العنيف.

 

وبالنظر إلى «الجانب السياسي» في معادلة برنامج مكافحة التطرف العنيف، وصف «روزاند»، التقدم الذي تم إحرازه حتى الآن بأنه «سطحي إلى حد كبير»، فوجوده مرتبط بـ«وثائق» و«برامج» المنظمات الكبيرة، مثل الأمم المتحدة، أو في استراتيجيات برنامج مكافحة التطرف العنيف على المستوى المحلي، والتي أكد أنها «غالبًا ما يكون لديها تمويل قليل»، نظرًا إلى عدم منحها الأولوية كعمليات أمنية، على عكس مكافحة الإرهاب، معربا عن أسفه لوجود «نقص صارخ في تعريف» التطرف العنيف، وهو الأمر الذي يسمح لبعض الحكومات «بإساءة استخدام» أجندات مكافحته، مؤكدا أن ضمان ثقة الحكومات في مواطنيها بالشكل المناسب «هو في صلب» التأكد من نجاح جهود منع التطرف ومكافحته على المدى الطويل.

 

من جانبه، استعرض «جونز»، نتائج مشروع «المنع»، التابع للمعهد الملكي، بالإضافة إلى «بحث المعهد الأوسع نطاقًا» بين عامي 2005 و2020 «لمحاولة تحديد ما يصلح»، و«ما لا يصلح في جهود مكافحة التطرف»، مشيرًا إلى «مخاوف معلومة»، و«مشكلات مستمرة»، فيما يخص أساليب مكافحة التطرف السابقة والحالية، وهي:

 

«التباين الجغرافي»، مع التركيز على «وجهات النظر الأوروبية» التي تشكل في طياتها خطر سوء فهم حول ضرورات إزالة التطرف في بعض البلدان، فضلا عن الافتراض من دون دليل على أن الأساليب التي نجحت في بلد ما من المرجح أن تنجح في بلد آخر.

 

وعلى الجانب العملي، دعا «جونز»، إلى «تعزيز» التكامل بين برامج الحماية من التطرف العنيف ومكافحة التطرف العنيف، موضحًا كيفية تركيز المشاريع الحالية على «مجموعة محدودة من الأنشطة»، عندما تكون مكافحة التطرف جهدًا مجتمعيًّا أوسع بكثير، حيث شدد على أن النهج المشترك يوفر «فرصة أكبر للنجاح»، لكنه أقر أيضًا أن التعاون المعزز «يصعب ترجمته إلى عمل فعلي»؛ نظرًا إلى «الحواجز اللوجستية»، والمشهد «المجزأ» لعمليات منع التطرف العنيف ومكافحته، مع وجود العديد من الوكالات حاليًا التي لا تتعاون مع بعضها البعض، وبالتالي تولد «فرصًا ضائعة».

 

وبدورها، أوضحت «تسيمبرين»، أن انتشار الآيديولوجيات المتطرفة يتخذ الآن «أشكالاً مختلفة» عن تلك التي كانت قائمة قبل عشرين عامًا، ما يعني أن هناك حاجة إلى استجابات أكثر تطورًا بخلاف تلك التي يتم تنفيذها على أرض الواقع في البلدان الإفريقية والآسيوية. وعلى وجه الخصوص، أكدت الانتشار السريع في السنوات الأخيرة للمساحات على الإنترنت والمواقع الإلكترونية التي يستخدمها المجندون المتطرفون والآيديولوجيون لنشر محتواهم البغيض، بيد أنها أوضحت كذلك أن نفس الآليات التي تسمح للمتطرفين بالعمل توفر أيضًا «فرصًا فريدة» للجهات الفاعلة لاعتراض ومنع عملياتهم الخبيثة. وبالفعل، لاحظت كيف «كافح» الجهاديون المتطرفون لإعادة بناء شبكاتهم على الإنترنت بعد محوها من تطبيق تيليجرام للتراسل في عامي 2019 و2020.

 

ومع ذلك، حذرت من «منطقة رمادية» موجودة دائمًا في الفضاء عبر الإنترنت، لا تتعلق بمسألة التفكير الأمني، ولكن بدلاً من ذلك ركزت على الوصول إلى الأشخاص الضعفاء المعرضين لخطر التعرض لمحتوى متطرف من مصادر عبر الإنترنت. ومع وضع هذا في الاعتبار، شرحت بالتفصيل كيف أن مفهوم إخفاء الهوية عبر الإنترنت يسمح لأولئك الذين يدركون أنهم معرضون لخطر التطرف من الوصول إلى المساعدة بطريقة لن تكون ممكنة في حالة عدم وجود اتصال، منتقدة «وصم» الشباب المسلمين بالتطرف، فيما تحدثت عن أهمية أولئك الذين يقومون بعمل منع التطرف العنيف، ومكافحته، حيث «يحاسبون أنفسهم» ولا يتصرفون بشكل متحيز في عملهم.

 

وأخيرا، أشارت «تسيمبرين»، إلى الحاجة إلى توفير مساحة أكبر لمشاركة المجتمعات المحلية في برامج مكافحة التطرف، وكذلك التأكد من أن هذه البرامج تأخذ في الاعتبار «الخصائص والمعايير المتعلقة» باختلاف عناصر الثقافة والدين والحالة الاقتصادية والسياسية على حد سواء، بحيث يكون تلك المجتمعات المشاركة في برنامج منع ومكافحـــة التطرف العنيـــف يتم تزويدها على أرض الواقع بالوسائل والمهارات اللازمة لإحداث فارق على المستوى المحلي بالفعل.

 

ومن جانبها، سلطت «بدر الدين»، الضوء على النقاط التي أكدها «روزاند، مشيرةً إلى أن الصعوبات المتعلقة بتطبيق برنامج منع ومكافحـــة التطرف العنيـــف تعود إلى تعريفه الضيق وفق مفاهيم الأمن الغربي وهي المشكلات الرئيسية، مشيرة إلى أن الخصوم السياسيين وحركات التمرد الثورية في بعض البلدان الإفريقية غالبًا ما تصنفهم الحكومات الوطنية على أنهم «متطرفون عنيفون»، بغض النظر عن صلاتهم بالإرهاب أو التطرف من عدمه.

 

وفي نفس السياق، أثارت أيضًا فكرة أن أحد الدوافع الرئيسية لانتشار التطرف هو «عنصرا التشدد والرديكالية نفسها»، في عدم توجيه الخطاب الأكاديمي والسياسي للحديث عن «القضايا الهيكلية» التي تجعل الشباب يشعرون بالتهميش، كما أثارت دافعًا آخر متمثلا في عدم وجود أدنى فرصة لمثل تلك العناصر الشابة «للحديث» مع شخصيات في السلطة حول مخاوفهم ومخاطر توجههم للتطرف ما لم تعالج قضاياهم.

 

واستمرارًا لحديثها، أوضحت أنه في حين أن تركيز تدابير مكافحة التطرف على الأفراد الضعفاء الأكثر ميلاً لممارسة العنف أمر «جدير بالثناء» و«مهم للغاية»، فإنه يتم إهمال شباب آخرين في مواقف مماثلة لاحقًا ضمن العمليات والأنشطة التي يباشرها «برنامج منع ومكافحـــة التطرف العنيـــف»؛ وبالتالي يرى هؤلاء حافزًا لهم ليصبحوا متطرفين، ربما على أمل أن يجعلهم ذلك الأمر عرضة لتلقي المزايا التي تمنحها لهم برامج مكافحة التطرف.

 

على العموم، قدمت الندوة، التي تمت برعاية المعهد الملكي للخدمات المتحدة، شرحا تفصيليًا للتحديات التي تواجه عمل برنامج منع ومكافحـــة التطرف العنيـــف، وقدمت ملاحظات وأفكار «روزاند» مزيدًا من التفاصيل حول المشكلات الشاملة التي تواجه هذا البرنامج في المستقبل.

{ انتهى  }
bottom of page