top of page

23/12/2021

هل تؤدي زيادة الضغوط السياسية على «بوريس جونسون» إلى استقالته؟

تمر حكومة المحافظين البريطانية حاليا، بقيادة رئيس الوزراء، بوريس جونسون, بفترة من الضغط السياسي الشديد، ولا تعد هذه هي المرة الأولى، حيث تأتي بعد سلسلة من الجدالات العامة؛ تشمل الهزيمة الانتخابية، وتمرد نواب مجلس العموم، ومزاعم بالفساد، واحتفالات عيد الميلاد.

 

وفي الواقع، أدى التشريع المقترح لحكومة المملكة المتحدة بإعادة فرض تدابير الوقاية من فيروس كورونا، لمواجهة المتحور الجديد، أوميكرون، إلى تمرد عدد من النواب من شاغلي المقاعد الخلفية في مجلس العموم، فضلا عن توجيه النقد إلى الحكومة في إدارتها للأزمة الصحية، وإثارة مزاعم بالفساد، وكانت الكارثة الأخيرة، هي الهزيمة في الانتخابات الجزئية، وخسارة مقعد برلماني شغله الحزب لما يقارب قرنين من الزمان، الأمر الذي قوض سلطة جونسون إلى حد كبير.

 

وكان السبب في إجراء الانتخابات الجزئية -المذكورة أعلاه- في دائرة شمال شروبشاير، هو استقالة النائب المحافظ المخضرم، والوزير السابق، أوين باترسون من البرلمان، بعد ما أثير من جدل حول تقاضيه أموالا نظير أعمال استشارية. وشغل المحافظون المقعد سابقا، بأغلبية كبيرة بلغت 23000 صوت، لكنهم كانوا ضحايا التأرجح الهائل في الأصوات بنسبة 34% لصالح المرشحة الديمقراطية الليبرالية، هيلين مورجان، والتي حسمت المعركة الانتخابية لصالحها، بأفضلية في الأصوات، بـ5925 صوتًا، فيما وصفته هيذر ستيوارت، و بيتر ووكر، في صحيفة الجارديان، بأنه نصر استثنائي للحزب اليساري الوسطي.

 

ووفقا للعديد من المعلقين الغربيين، فإن حكومة جونسون، تتعرض لتهديد كبير في الوقت الحالي، يقربها من الانهيار في ظل ارتفاع أعداد المصابين بفيروس كورونا، قبل عطلة عيد الميلاد. ومع ذلك، وبحسب شبكة، بي بي سي نيوز، لم يصرح رئيس الوزراء علنا بتفكيره في الاستقالة، فضلا عن أنه بعد هذه الانتكاسة الأخيرة، امتنع أعضاء حزب المحافظين عن انتقاد زعيم حزبهم.

 

وفي أعقاب هزيمة الانتخابات الجزئية، كانت تفسيرات رئيس الوزراء وغيره من قادة حزب المحافظين متباينة، حيث صرح أوليفر دودن، الرئيس المشارك لحزب المحافظين، بأن الناخبين قد انفضوا من حول الحكومة، بينما تحمل رئيس الوزراء المسؤولية الشخصية، وأعرب عن تفهمه لإحباط الناس. ومع ذلك، فقد أوضح أيضًا أن قائمة طويلة من الأمور السلبية حول السياسة والسياسيين، قد حجبت رسائل حكومته بشأن جائحة فيروس كورونا. وبينما أقرت لورا كوينزبرج، في شبكة بي بي سي، برأي الحكومة القائل، بأن هذه الهزيمة تمثل بؤسًا انتخابيا تقليديا في متوسط أجل الحكومة القائمة، فقد أوضحت أنها نتيجة مروعة بالنسبة إلى المحافظين، كما توقعت أنه في حين أن جونسون، قد أظهر سابقًا قدرة استئنائية على الخروج من الأزمات، إلا أن هذه المرة قد تكون مختلفة.

 

ومن المنطلق نفسه، علق آخرون بأن الأحداث الأخيرة قوضت سلطة رئيس الوزراء بشدة، داخل وخارج حزبه السياسي. ووصف ستيفن بوش، في مجلة نيو ستيتسمان، الخسارة بأنها نتيجة صادمة ستبعث رجفات من الرعب داخل حزب المحافظين، وقد تؤدي إلى إنهاء رئاسة رئيس الوزراء. وفي تأييد لهذا، أوضح جورج باركر، في صحيفة الفاينانشيال تايمز، أن الهزيمة الانتخابية تمثل ضربة قاضية أخرى لسلطة جونسون السياسية. وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء قد حقق فوزًا كبيرًا على حزب العمال بقيادة، جيريمي كوربين في الانتخابات العامة في ديسمبر 2019، فإن بوش، يرى أن نواب حزب المحافظين سيشعرون الآن أيضًا بالخوف، بشأن مستقبلهم في الدوائر الانتخابية، التي تحتدم فيها المعركة بين المحافظين والعمال، وإضافة إلى مخاوفهم في هذا الصدد، فإن هذه الهزيمة هي ثاني خسارة لهم في الانتخابات الفرعية في العام الماضي، حيث سيطر الديمقراطيون الأحرار أيضًا على مقعد باكينجهامشير، في دائرة تشيشام وأميرشام في يونيو.

 

علاوة على ذلك، جاءت الهزيمة في أعقاب تمرد 118 من أعضاء البرلمان المحافظين خلال تصويت على فرض قيود جديدة على فيروس كورونا في إنجلترا؛ بهدف وقف انتشار متغير أوميكرون. وأمام هذه القضية، وجد جونسون، نفسه في موقف صعب، حيث عارض العديد من أعضاء حزبه المزيد من الإغلاق لحماية الشركات، في حين شجب المنتقدون من خارج المجلس عدم وجود تدابير تم اتخاذها بالفعل للحد من الإصابات. وبالنسبة إلى «إستر ويبر»، و«أليكس ويكهام» من مجلة بوليتيكو، كانت هذه ضربة قوية لمكانة جونسون بين نوابه. ووفقًا لـ«بوش»، فإن جزءًا من أسباب تمرد الحزب يعود إلى القيود الجديدة التي فرضها رئيس الوزراء بشأن فيروس كورونا، فضلا عن الاستياء العام من أسلوبه في القيادة. وعليه، رأى روجر غيل، النائب عن حزب المحافظين، أن جونسون قد واجه استفتاءً على أدائه كرئيس للوزراء، وحذره نواب من حزبه، بأن أمامه ضربة واحدة أخرى وسيخرج من الحكومة.

 

وفي إطار هذا الواقع، بدأ المعلقون السياسيون في التكهن بما سيكون عليه مستقبل حزب المحافظين، وما إذا كان جونسون، سيبقى رئيسًا للوزراء بعد العام الجديد. وأشار مات ماذرز، في صحيفة الاندبندنت، إلى أن حزب المحافظين يتخلص من قادته بلا رحمة عندما لم يعد يُنظر إليهم على أنهم ثوابت انتخابية.

 

ومن الجدير بالذكر أن أخر رئيسي وزراء، تيريزا ماي، وجونسون نفسه، قد ارتقيا إلى رئاسة الحكومة بعد فوزهما في المنافسات على قيادة الحزب عقب استقالة أسلافهما؛ بدلا من الحصول على أغلبية برلمانية عبر صناديق الاقتراع.

 

وحتى قبل خسارة الانتخابات الفرعية، كان هناك تذمر من تحدٍ محتمل للقيادة في حزب المحافظين. ورأى جيفري براون، النائب المحافظ أنه يجب أن يكون التناحر على الورق؛ إثر رفض بعض النواب اتباع تصويت للحكومة، الأمر الذي قوض المصداقية الانتخابية لجونسون بشكل كبير في أذهان العديد من المعلقين السياسيين. وادعى روبرت شريمسلي، في صحيفة فاينانشال تايمز، أن العامل الرئيسي في خسارة المحافظين في شمال شروبشاير كان بقاء الناخبين المحافظين في المنزل. ووفقًا لـ«بوش»، فإن أكبر عواقب فورية لخسارة الانتخابات الفرعية ستكون زيادة تقليل احتمالية حدوث إغلاق جديد. ومن وجهة نظره، سوف يدرك جونسون الآن حقيقة أن أي شكل من أشكال القيود الإضافية يمكن أن يؤدي إلى أزمة نهائية لقيادته.

 

ومع ذلك، وعلى الرغم من القضايا السابقة، لا يزال جونسون، يتمتع بالدعم العام من قبل نواب حزبه. وأوضح النائب تشارلز ووكر، أن رئيس الوزراء قام بعمل جيد حقًا بشكل رئيسي، مضيفًا أنه لن يراهن ضده. وعلى الرغم من أن جورج باركر، قد ذكر أن عددًا من أعضاء البرلمان المحافظين يُعتقد أنهم قدموا استجوابات خطية تطالب بالتصويت بحجب الثقة، لكن تجدر الإشارة إلى أن هذا العدد ليس قريبًا من الـ54 نائبًا المطلوبين لإجراء مثل هذا التصويت.

 

من جهة أخرى، نصح بعض المحللين السياسيين بتوخي الدقة والحذر عند تحليل نتائج هذه الانتخابات الفرعية. وقالت جانيت دالي في صحيفة التيلجراف، إن التاريخ مليء بالانتخابات التي مثلت نتائجها صدمة بكل معنى الكلمة، لكن يتضح بعد فترة أنها بلا أدنى تأثير على الحكومة في نهاية المطاف، ولعل الأمر منوط أولاً وأخيرًا بحكمة تقليدية مفادها بأن تلك الانتخابات الفرعية ما هي إلا مجرد فرص للناخبين للتنفيس عن بعض الغضب والاستياء حيال المحافظين. وبالمثل، أشار ماثيو جودوين، من جامعة كنت إلى أن وضع جونسون لا يزال قابلا للإنقاذ؛ حيث إنه على الرغم من بعض الانتصار الذي حققته المعارضة في الانتخابات الفرعية، فإن الحكومة لم تسقط كليا جراء خسارتها وهزيمتها الراهنة.

 

علاوة على ذلك، تبقى مسألة ما إذا كان حزب العمال، المعارض الرئيسي داخل برلمان المملكة المتحدة، سيكون قادرًا على استغلال المأزق الحالي لجونسون، فيما يتعلق بهزيمته الانتخابية على المدى الطويل؛ أمر غير مؤكد. وكما لاحظ شريمسلي، فإن العزاء الوحيد لحزب المحافظين، هو أن نتيجة الانتخابات تُظهر بالفعل درجة من الضعف التي أصابت حزب العمال، رغم أنه كان -بحسب التوقعات- على وشك العودة المحتملة إلى قيادة الحكومة، ولم يكن ليرضى بتقدم حزب الديمقراطيين الليبراليين عليه بأي حال من الأحوال، مضيفا أيضًا أن المخضرمين في حزب المحافظين، لا يعتقدون بعد أن الناخبين حريصون على تنصيب حزب العمال لتولي قيادة الحكومة.

 

وتجدر الإشارة أيضًا إلى أنه على الرغم من هزيمة المحافظين، فإن حزب العمال شهد انخفاضًا في حصته في التصويت في دائرة شمال شروبشاير الانتخابية بنسبة 9.7% فقط، جراء القيادة غير المقنعة إلى حد ما، من جانب كير ستارمر، التي كانت محل جدل على الساحة السياسية البريطانية طيلة العام الحالي.

 

بالإضافة إلى ذلك، لا يقتصر عناصر الإهمال واللامبالاة داخل البرلمان على المحافظين، حيث قام أحد نواب المعارضة أيضًا بخرق للقواعد، مثل «النائبة» الديمقراطية الليبرالية ليلى موران، التي اعترفت باستخدام مكاتبها في مجلس العموم في اجتماعات غير برلمانية مدفوعة تم تنظيمها من قبل شركة محاماة، بما يتعارض مع الأنظمة البريطانية الصارمة.

 

ويبقى واضحًا، أنه في حال ما إذا استقال جونسون، في مواجهة هذا الضغط السياسي المتصاعد، فإن السؤال التالي بالطبع، هو من سيحل محله كرئيس للوزراء؟، حيث لا يوجد مرشح بارز لهذا الأمر. وكما لاحظ ماذرز، فإن الأقاويل المنتشرة، بأن المستشار الحالي ريشي سوناك، سيحل محله تتسم بالتعقيد والغموض؛ بسبب وجود سلسلة من المرشحين المحتملين الآخرين، وهم وزيرة الخارجية التي تمت ترقيتها حديثًا ليز تروس، ووزير الدفاع، بن والاس، وآن ماري تريفيليان، وزيرة التجارة الدولية. علاوة على ذلك، هناك سؤال، وهو هل يرغب أي من هؤلاء المرشحين في أن يحل محل جونسون في مثل هذا الوقت الصعب مع استمرار جائحة فيروس كورونا في السيطرة على اهتمام الحكومة كليًا.

 

على العموم، من الواضح أن حكومة بوريس جونسون المحافظة، ورئيس الوزراء نفسه، يخضعان لضغوط سياسية هائلة، ومن المرجح أن تتصاعد التكهنات بشأن مستقبله ومصيره السياسي في الأيام والأسابيع المقبلة، وخاصة بعد الهزيمة المذلة في الانتخابات الفرعية أمام الديمقراطيين الليبراليين، في شمال شروبشاير، والتي تعد آخر انعكاس أو تقييم سياسي له في البلاد. لكن مع ذلك، لايزال من غير المؤكد ما إذا كانوا سيحاولون فعلا إزاحته من السلطة عن طريق تصويت برلماني بحجب الثقة أم لا، وإذا حدث ذلك سيكون الأمر بمثابة زلزال سياسي، هو الأكبر من نوعه خلال الأيام الأخيرة من عام 2021.

{ انتهى  }
bottom of page