top of page

29/12/2021

مستقبل تحالف مجموعة «أوبك بلس» في ظل تقلبات سوق النفط العالمية

نشط تحالف «أوبك بلس»، للدول المصدرة للطاقة، والمكون من منظمة «أوبك» الحالية، بالإضافة إلى عشر دول بقيادة روسيا، خلال جائحة كورونا، وذلك في محاولة لخلق توازن بين المصالح الاقتصادية القصيرة الأجل لأعضائها، مع الحقائق المالية الطويلة الأجل الناجمة عن تأثير الوباء على الاقتصاد العالمي، ومستويات الطلب الحالية على مبيعات الطاقة في الصناعات العالية القيمة.

 

ومع انخفاض أسعار النفط بشكل حاد في بداية الوباء، وارتفاعها بوتيرة ثابتة طوال النصف الأخير من عام 2020، والنصف الأول من عام 2021، ثم صعودها إلى مستويات قياسية في وقت لاحق من العام؛ زادت الأهمية السياسية لـ«أوبك بلس»، بشكل ملحوظ، وإلى جانبها، زادت أيضا التوترات الاقتصادية بين قادتها والولايات المتحدة، حيث سعى كل منهما إلى التأثير بشكل أكبر على عملية صنع القرار في «أوبك بلس»، بحسب رغباته واحتياجاته، لذا أصبحت العوامل الجيوسياسية بين هذه الدول تحدد توجهات «أوبك بلس». وجاء أبرز مثال على هذه التوترات في الثاني من ديسمبر 2021، عندما اجتمع أعضاء «أوبك بلس» عبر الإنترنت، لتقرير ما إذا كانوا سيستمرون في مسارهم الحالي لزيادة إجمالي إنتاج النفط بمقدار400 ألف برميل يوميًا كل شهر أم لا. وبينما تم الاتفاق على القيام بذلك، فإن السعودية، جادلت لتوجيه قرار التحالف نحو إتاحة الخيار أن يقوم بـ«إجراء تعديلات فورية لزيادة الإنتاج»، إذا تغيرت ظروف السوق.

 

وفي هذا الصدد، يرى «نيكولاي كوزانوف»، من «معهد الشرق الأوسط»، أن أعضاء أوبك «فاضلوا بين ثلاثة سيناريوهات مختلفة؛ إما مواصلة «الزيادة التدريجية في حجم الإنتاج»، وإما «خفض وتيرته»، أو «تعليقه بشكل مؤقت»، مع الحاجة إلى التركيز على الخيارين الأخيرين، والتي أرجعها إلى «زيادة العروض المتوقعة في أوائل النصف الأول 2022»، وظهور متحور كورونا، «أوميكرون»، وكذلك قرار المستوردين الرئيسيين، مثل الولايات المتحدة بـ« ضخ كميات إضافية من النفط إلى السوق من احتياطياتهم الاستراتيجية».

 

ومع ذلك، فإن التعاملات الجيوسياسية والدبلوماسية يجدر النظر إليها بعين الاهتمام، وذلك بالتأكيد على الدور والتأثير الذي تشغله كل من الرياض وموسكو داخل تحالف «أوبك بلس». وبالنسبة للأولى، فهي أكبر مصدر للنفط داخل التحالف، وقد تمكنت مع الأعضاء الخليجيين الآخرين في «أوبك»، من زيادة مستويات إنتاجها من النفط الخام؛ وبالتالي تعظيم الإيرادات وقتما ارتفعت الأسعار. ووفقًا لـ«بلومبرج»، أدى ارتفاع أسعار النفط خلال عام 2021، إلى تحقيق أسرع نمو اقتصادي في المملكة منذ عام 2011. وبالنظر إلى وضعها، فليس من المستغرب أن تلعب الرياض بحكم الواقع، دورًا قياديًا داخل منظمة «أوبك»، وكما يؤكد «كوزانوف»، فإن المملكة لديها «حساسة بشكل تقليدي لأسعار النفط» في المناقشات بين المنظمات، فضلا عن أنها «تتعامل بقوة مع أي تهديد قد يزعزع الاستقرار».

 

أما بالنسبة لموسكو، فهي ثاني أكبر منتج للنفط في «أوبك بلس». ووفقًا لـ«كوزانوف»، فإن «لديها الثقل الكافي لإقناع الأعضاء الآخرين بقبول وجهة نظرها». وفيما يتعلق بأي قرار محتمل من جانب «أوبك»، حول التراجع عن اتفاقها بوقف أو خفض أو زيادة الإنتاج؛ أشار إلى أنه «من المحتمل أن موسكو قد لعبت دورًا في هذا الأمر»، نظرًا لأنها «تود أن تضخ قدر المستطاع من مخزونها في ظل ارتفاع الأسعار»، موضحا أيضًا أنه مع تعثر النفط الروسي وهبوط سعره عند حوالي 40 دولارًا للبرميل -وهو أقل بكثير من سعر النفط السعودي 75 دولارًا للبرميل في عام 2021- فقد سمح هذا العامل لها «بجني المزيد من الإيرادات من دون الحاجة إلى زيادة أسعار النفط، التي قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار بالسوق».

 

وعلى الرغم من أن السعوديين والروس داخل «أوبك بلس» وجدوا أنفسهم خلال السنوات الخمس الماضية في مواجهة خلافات كبيرة حول سياسة إنتاج النفط، فقد أصبحت الاختلافات في الآراء مع الولايات المتحدة أكثر وضوحًا خلال جائحة كورونا. وبشكل خاص، يرجع ذلك إلى سعي الأخيرة للحصول على أكبر قدر من النفط لتمكين تعافيها الاقتصادي من آثار الجائحة. ويتناقض هذا بشكل ملحوظ مع موقف المصدرين الآخرين في «أوبك بلس»، الذين يشعرون بالقلق من زيادة مستويات إنتاجهم في ظل أنباء عن موجة جديدة من متحور فيروس كورونا، «أومكرون»، ممكن أن تهوي بحجم الطلب العالمي مرة أخرى، مما يحمل ضررا باقتصاد تلك الدول.

 

وفي الواقع، كانت ذروة التصعيد بين «أوبك بلس»، والولايات المتحدة في نوفمبر2021، عندما قادت الأخيرة عددًا من الدول لفتح احتياطياتها الاستراتيجية من الوقود في مواجهة ارتفاع الأسعار المحلية ونقص المعروض. ووفقًا لـ«كوزانوف»، «أصبح قرار واشنطن بالاستفادة من احتياطي البترول الاستراتيجي بعد المطالبة المتكررة بأن تزيد «أوبك+» من حجم الإنتاج لخفض الأسعار؛ إعلانا جادًا حول استعدادها لاتخاذ إجراءات للدفاع عن مصالح مستهلكيها»، ونجم عن ذلك زيادة حالة التوتر بينها وبين موسكو وبقية أعضاء «أوبك بلس».

 

ومن وجهة نظر «سايمون هندرسون»، من «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، فإنه بدلاً من أن يتسم ببعد النظر أو يكون مؤشرا على حكمة وخبرة وزراء النفط؛ كان القرار الأولي لـ«أوبك بلس» بمواصلة الزيادات في إنتاج النفط الخام؛ نتيجة الدبلوماسية الاقتصادية «المتشددة» من الولايات المتحدة. وبحسب صحيفة «فاينانشال تايمز»، أرسلت واشنطن ثلاثة مسؤولين حكوميين بارزين، هم «داليب سينغ»، نائب مستشار الأمن القومي للاقتصاد الدولي، و«دون غريفز»، نائب وزير التجارة، و«آموس هوكستين»، كبير مستشاري الخارجية الأمريكية لشؤون أمن الطاقة العالمي، للقاء كبار المسؤولين في دول الخليج، في محاولة لإقناعها بتخفيف الضغط على ارتفاع أسعار الوقود الأمريكي ونقصه. وسلطت «أمريتا سين»، من شركة «انيرجي أسبكتس» للاستشارات، الضوء على «الزاوية السياسية»، التي تلعب دورها في هذه الزيادة الأخيرة، وليس فقط متحور أوميكرون».

 

ووفقًا لـ«كوزانوف»، فإنه من الجدير بالذكر في تفاعلات الولايات المتحدة مع «أوبك بلس»، أن إطلاقها للاحتياطيات البترولية الاستراتيجية تم تنسيقه جنبًا إلى جنب مع أكبر اقتصادات آسيا، وهي الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، فيما أسماه «جزء من حرب أسعار عالمية مُنسقة»، مضيفا، أنه لم يكن مفاجئًا أن قرار «أوبك بلس» في ديسمبر «كانت تحركه مصلحة سياسية محددة»، وخاصة مع تزايد وعي دول الخليج بأهمية مبيعاتها للشرق العالمي، بدلاً من الغرب.

 

وفي الواقع، تعد واشنطن أكبر مستفيد سياسي من قرار «أوبك بلس» في ديسمبر2021، بزيادة إنتاج النفط، حيث قلل ذلك الضغط على إدارة بايدن، جراء ارتفاع الأسعار والنقص في محطات الوقود. ويعكس هذا استجابة لالتزام أوبك بالزيادة الأولية.

 

ومع ذلك، فإن المنظمة تستطيع تغيير قرارها في أي وقت، وخاصة أن التطورات المتعلقة بمتحور «أوميكرون»، تشير إلى أن التداعيات لم تنته بعد. والأهم من ذلك، ربما تجد واشنطن نفسها قريبًا أكثر إحباطًا مرة أخرى إذا قامت «أوبك بلس»، بخفض الإنتاج قبل تراجع الطلب العالمي. وأشار «براد وادينجتون»، من شركة «لونجفيو إيكونوميكس»، للاستشارات، إلى أن «الرغبة داخل أوبك بلس لتغيير خططها» آخذة في النمو، وأن «القرارات والتغييرات المهمة والمقنعة خلال الأسابيع القليلة المقبلة، ستكون مفتاحا يحدد اتجاه أسعار النفط في الأسواق العالمية».

 

وتجذب التهديدات المتزايدة من متحور كورونا «أوميكرون»، لأسواق النفط العالمية، انتباه الكثير من الخبراء، لا سيما مع التحذيرات التي أطلقتها «أوبك بلس». وعلى الرغم من أن المنظمة، قد أوضحت في تقريرها الشهري في ديسمبر 2021، أن تأثيرات المتحول الجديد «من المتوقع أن تكون ضعيفة وقصيرة الأجل»، فقد كانت هناك بالفعل تأثيرات على الأسواق العالمية لا يمكن تجاهلها. وعلى سبيل المثال، انخفضت أسعار خام برنت بنسبة 12% يوم 26 نوفمبر2021 وحده، لتصل إلى 72 دولارًا للبرميل. وكان هذا الانخفاض من تداعيات انتشار متحور «أوميكرون»، هو أكبر انخفاض في سعر البرميل منذ أن انخفض مستوى تداول خام غرب تكساس إلى ما دون الصفر دولار للبرميل في أبريل عام 2020، خلال ذروة الاضطرابات الاقتصادية للوباء.

 

ولعل العامل الأكثر أهمية، والذي يجب مراعاته من جانب «أوبك بلس»، هو نقص الإنتاج لدى العديد من أعضاء أوبك، وبالأخص الدول الإفريقية، مثل أنجولا، ونيجيريا. وأوضح «كوزانوف»، أنه «في معظم الحالات، يكون نقص الإنتاج بسبب أسباب طبيعية، ومرتبط بمسائل فنية». ورغم أن مسحًا حديثًا أجرته «رويترز»، وجد أن «أوبك بلس»، ضخت حوالي 27.74 مليون برميل يوميًا في نوفمبر، بزيادة 220 ألف برميل عن شهر أكتوبر السابق، لكنه لا يزال أقل من زيادة الـ254 ألف برميل الإضافية، التي اتفقت عليها المنظمة سابقًا.

 

 علاوة على ذلك، فإنه على الرغم من الاتفاق على زيادة مستويات الإنتاج بمقدار 400 ألف برميل يوميًا في شهري سبتمبر وأكتوبر 2021؛ صرحت «وكالة الطاقة الدولية»، أن «أوبك بلس»، فشلت في تلبية إنتاجها المخطط بمقدار700 ألف برميل يوميًا خلال هذين الشهرين. وعليه يتضح أنه في حين أن أكبر الأعضاء ضمن التحالف قد استعادوا مستويات إنتاجهم، فإن الأعضاء الأصغر والأقل تطورًا اقتصاديًا لا يزالون يتخلفون كثيرًا عن الركب.

 

على العموم، من الواضح أنه منذ انتشار جائحة كورونا، بدءًا من أبريل2020 فصاعدًا، هيمن على تحالف «أوبك بلس»، بروز دور ثلاث جهات فاعلة، هي السعودية، وروسيا من داخله، والولايات المتحدة خارجه. وفي حين حاولت المنظمة إبقاء نفوذ الأخيرة بعيدًا عنه من خلال رفض جميع محاولاتها لضمان إضافة حصص إنتاجية أكبر من قبل أعضاء أوبك؛ فإن اتفاقها في ديسمبر 2021، على تلبية الزيادات الإنتاجية الإضافية،  أظهر أن ديناميكية التغيير يدير دفتها كل من مصدري النفط والمستهلكين أيضا، وهو الأمر الذي علق عليه، «كوزانوف»، بقوله إننا بصدد «نموذج جديد لأسواق النفط العالمية، فعلى الرغم من أن منتجي ومصدري النفط ليسوا مستعدين بعد لتقديم تنازلات كبرى للمستهلكين، فمن المحتمل قريبًا أن يضطروا إلى أخذ مصالح الدول المستوردة للنفط في الاعتبار عند صنع القرارات الجماعية الخاصة بهم.

{ انتهى  }
bottom of page