top of page

5/1/2022

مشروع الصين التنموي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

نظرا إلى مكانة الصين المتزايدة كقوة عظمى عالمية تنافس الولايات المتحدة في الاقتصاد والسياسة والمسائل الأمنية، فإن اهتمامها المتزايد بالشرق الأوسط ليس غريبا، وخاصة أن وجودها الدبلوماسي الرسمي في المنطقة يعود إلى مؤتمر باندونغ الأفرو - آسيوي عام 1955.

 

وفي السنوات الأخيرة، أدى توسعها في مبادرة «الحزام والطريق» إلى وضع المنطقة بشكل أكبر في الاعتبارات الجيوسياسية لبكين، وخصوصا مع وجود تقديرات تشير إلى أن قيمة المشروع ستبلغ 1.3 تريليون دولار بحلول عام 2027. وذكر تقرير صادر عن «معهد دول الخليج العربي»، أن الاستثمارات الصينية في المنطقة بلغت «196.93 مليار دولار» في الفترة بين 2005 و2020، الأمر الذي سيكون له آثار جيوسياسية مهمة، ليس فقط بالنسبة لبلدان المنطقة، ولكن أيضا علاقاتها مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أيضا.

 

ولمناقشة هذا الأمر، عقد «المعهد الدولي للشؤون الدولية»، بلندن، ندوة، بعنوان «مشروع الصين التنموي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا»، أدارتها «سنام وكيل»، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالمعهد وشارك فيها «ستيلا تشانغ»، من «جامعة جونز هوبكنز»، و«تين القاضي»، من برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالمعهد، و«صوفي زينسر»، من برنامج آسيا والمحيط الهادئ بالمعهد.

 

في البداية، شرحت «تشانغ»، نهج الصين بشأن التنمية الدولية، وأوضحت أنها فكرة «مركزية» في استراتيجيتها لـ«تعزيز الشرعية والهوية»، حيث إنها «طريقة فعالة» لإثارة الكبرياء الوطني، وإن الحزب الشيوعي يستخدم مكانة البلاد كأكبر دولة نامية في العالم لإضفاء السلطة على نفسه عند «انتقاده» لـ«النظام الدولي القائم» بقيادة الغرب، وإن نهج بكين في التنمية الدولية «يحتاج أن يفُهم» في «سياق العولمة التي تتوجه إليها الدولة»، والتي ميزت مسارها في التنمية، موضحة أنها كانت «المستفيد الأكبر من العولمة» خلال «الأربعين عامًا الماضية»، كما أن هناك اعتقادًا بين صانعي السياسات فيها أن «التنمية المستمرة» للبلاد لا يمكن تحقيقها إلا من خلال «روابط أكبر بدون عوائق» مع بقية العالم؛ لذلك ترى أن سعى الصين باستمرار إلى «تنويع وتقوية» علاقاتها الاقتصادية الدولية له أهمية قصوى، وأنه من خلال سماحها لهذه «التبادلات الاقتصادية الكبيرة»، فإنها تسعى على المدى البعيد لـ«الانتقال إلى موضع أكثر مركزية» في الاقتصاد العالمي، واحتلال موضع أفضل في «سلاسل القيمة» الخاصة بها، مما سيجعلها أكثر «أمانًا» و«أقل مرونة» في التعامل مع ما وصفته بـ«الاضطرابات الخارجية».

 

وحول نهج الصين في التنمية الخارجية، أوضحت «القاضي»، أن التنمية هي «تحول هيكلي» تنتقل فيه المجتمعات من «أنشطة منخفضة الإنتاجية» إلى «أنشطة عالية الإنتاجية»، وفي ضوء هذا اعتبرت الصين «طرفا اقتصاديا فعالا للعديد من البلدان في المنطقة»، مع كون تفاعلاتها عبارة عن صفقات «قائمة على التجارة والاستثمار» في المقام الأول. ومن وجهة نظرها، فإن أحد العوامل المهمة لهذه «الصفقة»، هو أنها تأتي «بدون تدخل في الشؤون الداخلية للدول، مع نظرة الدول الأقل تقدمًا اقتصاديًا إلى الصين على أنها» قصة نجاح «يمكن محاكاتها». ولذلك فإن هذا العامل يجعل تأمين تكامل اقتصادي أعمق مع القوة العظمى، فرصة جذابة لدول الشرق الأوسط، موضحة أنه منذ إعلان مبادرة «الحزام والطريق»، كان هناك «اهتمام متجدد» بالمنطقة بين مسؤولي الحزب الشيوعي الصيني، على الرغم من عدم وجود استراتيجية «فردية» أو «نهج» نحو المنطقة.

 

ومن بين جميع علاقات الصين في الشرق الأوسط، رأت أن دول الخليج هي «أكثر الشركاء أهمية»، بسبب إمدادها لها بالمواد الهيدروكربونية. وتتجلى هذه الأهمية في حقيقة أن هذه الدول هي الوحيدة في المنطقة التي «تتمتع بفائض تجاري» معها، حيث نمت قيمة التبادل التجاري بينهما من 10 مليارات دولار في عام 2000 إلى ما يقرب من 115 مليار دولار بحلول عام 2016. كما أبرزت أيضًا أن مبادرة «الحزام والطريق»، قد شهدت تحول أنماط الاستثمار الصيني في الشرق الأوسط من تلك «التي تُركز على صناعة الهيدروكربونات» إلى اهتمام أكبر بـ«المنتجات ذات القيمة الأعلى»، مثل مشاركتها في بناء العاصمة الإدارية الجديدة في مصر.

 

وعلى الرغم من ارتفاع مستوى الاستثمار الصيني الذي تلقته منطقة الشرق الأوسط خلال العقد الماضي، فإن «القاضي»، حذرت من أن «موارد بكين ليست لانهائية»، وأن هناك أيضًا «رغبة منخفضة» لديها للاستثمار على نطاق واسع في البنية التحتية» خلال السنوات الأخيرة، وأن العديد من المشاريع المهمة في شمال إفريقيا «تتباطأ»، ولم تكن بمنأى عن مكابدة النزاعات بين الشركات الصينية وحكومات المنطقة، مضيفة أنه على الرغم من المستويات المرتفعة للنشاط الاقتصادي لها في المنطقة، كان هناك «القليل من نقل التكنولوجيا» للمساعدة في التنمية طويلة الأجل لدول المنطقة، مع كون معظم «المكونات المطلوبة في التنمية هي مستوردة مباشرة» من الصين نفسها.

 

ومن جانبها، ناقشت «زينسر»، الطريقة التي تغيرت بها مشاركة الصين في «فضاء التنمية»، موضحة أنه من منظور غربي، من المهم «دراسة افتراضاتنا الخاصة» بأننا «ننظر إلى التنمية والأمن القومي» لإدراك «الفروق الدقيقة التي تتم على أرض الواقع» بشكل أفضل. ومع وضع ذلك في الاعتبار، أبرزت أولاً أنه منذ مجيئه إلى السلطة، عمد الزعيم الصيني «شي جين بينغ»، إلى «ترسيخ التنمية كأساس للأمن»، وكذلك وجود الأمن «كشرط للتنمية». وفي تقديرها، يختلف هذا عن المفاهيم الغربية التي ترى أن المسألتين منفصلتان، وبالتالي، فإن مشاركة الصين في الشرق الأوسط تضمنت مساهماتها «بخيارات عسكرية محدودة للغاية نحو المنطقة».

 

وبالتركيز على موضوع دبلوماسية اللقاحات، علقت بأن «جميع العوامل الرئيسية»، التي تؤثر على «مستقبل النظام الدولي»، مثل التوترات المتصاعدة بين واشنطن وبكين، وفشل المبادرات الدبلوماسية متعددة الأطراف «أصبحت تحل محل المصالح الوطنية»، وقد «تضافرت» جميعها لتقريب الصين ودول الشرق الأوسط. ومع ذلك، أشارت أيضًا إلى أن «هذا لم يأتِ من فراغ»؛ لأنه منذ عام 2018، كان لجميع دول المنطقة باستثناءات محدودة تبادلات تجارية ثنائية أكبر مع الصين مقارنة بالولايات المتحدة.

 

ومن ناحية أخرى، رأت «زينسر»، أن تطوير دبلوماسية اللقاحات بين الشرق الأوسط والصين، قد جعل الأخيرة تقدم نفسها على أنها لاعب اقتصادي «تنافسي ورابح، يقوم بالتواصل عبر تقديم المساعدات». وأقرت أيضًا بأن جهودها الأخيرة آتت ثمارها، حيث أظهر استطلاع للرأي أجراه «المعهد الملكي للشؤون الدولية»، اتجاهًا لزيادة التأييد تجاه الصين في شمال إفريقيا خلال فترة انتشار الوباء.

 

وفيما يتعلق بالطريقة التي يمكن بها لبكين أن «تعطي الأولوية لمشاريعها التنموية» للمضي قدمًا، أكدت «تشانغ»، أن الصين ودول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على حد سواء «تدرك» أن عملية التصنيع جزء من «أجندة التنمية» الخاصة بها، كما أنه يتضح في الوقت الراهن أن المصالح طويلة الأجل للمنطقة باتت تتناسب مع «الرؤية الاقتصادية المستقبلية» لـبكين. وفي رأيها، ستشمل «إعادة بناء» سلاسل القيمة أو التوريد العالمية «لصالح» الصين. وعلى هذا النحو، شعرت أن هناك «رؤية ثاقبة» في الطريقة التي تنظر بها بكين إلى المنطقة، لأسباب ليس أقلها أن التقاليد القوية للحزب الشيوعي تحتم ضرورة «التخطيط» في فرض ثقافته وسياسته، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالحوكمة الاقتصادية.

 

علاوة على ذلك، أشارت أيضًا إلى وجود بعض العوائق أمام استمرار النمو في مستوى الاستثمارات الصينية في المنطقة، ومن بينها مديونية بعض البلدان التي أدت بها إلى «عدم قدرتها» على «الاقتراض» لتمويل مشروعاتها الثنائية مع بكين. وفي الواقع، فإنها تعتقد، أن الحزب الشيوعي بصدد «عملية إعادة التفكير» مؤخرًا في التوجه إلى «التمويل المشترك»، أي الاستعانة بجهات فاعلة أخرى في تنفيذ المشروعات الاقتصادية واسعة النطاق.

 

أما فيما يتعلق بمسألة الاتجاهات الناشئة في مجالات التعاون، فقد سلطت «القاضي»، الضوء على أهمية مشروعات البنية التحتية الرقمية بالنسبة لتفاعل الصين مع دول الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي قد لقي مقاومة و«ضغوطا أمريكية متزايدة» للحد من مستوى هذا التعاون، وخاصة مع شركات التكنولوجيا الصينية مثل «هواوي»، موضحة أن دول المنطقة لا ترى أي مبرر لحظر التعامل مع عملاق التكنولوجيا الصيني لمجرد «إرضاء الولايات المتحدة»، وخاصة أن الأخيرة فشلت في وضع «أي اتفاقات تعاون أو مشروعات أخرى على الطاولة» من جانبها. وبالتالي، فمن وجهة نظرها، فإن «الحاجة إلى تطوير مشروعات البنية التحتية الرقمية يمثل أولوية قصوى» لدى دول المنطقة، وهنا أصبح يُنظر إلى تدخلات واشنطن للحيلولة دون ذلك على أنها «غير مجدية»، و«لا تسهم في تعزيز مصالح» دول الشرق الأوسط على حد سواء.

 

وترى «زينسر» أن «التفكير الاستراتيجي» للصين «موجه إلى حد كبير نحو تعزيز التعاون في المجال الاقتصادي»، كما أنه «مختلف تمامًا عن الولايات المتحدة». واتفقت «القاضي» مع ذلك، وأوضحت أن «الغرب يميل إلى الاستقراء والاستنباط» عندما يتعلق الأمر بقضية النفوذ الصيني في المنطقة. وعلقت «تشانغ»، أيضا بأن النفوذ الصيني في المنطقة «يتم المبالغة فيه في بعض الأحيان»، وذلك بالنسبة للبلدان التي «تقترض كثيرًا» من الصين. وذكرت أن الشركات الصينية تدرك عدم تعريض مكانتها للخطر و«حرق جسر التواصل» مع أصحاب المصلحة الرئيسيين في المنطقة.

 

على العموم، قدمت الندوة لمحة شاملة عن التفاعل والتعاون الاقتصادي الصيني داخل منطقة الشرق الأوسط، فضلاً عن الآفاق المستقبلية لحجم المشروعات الاقتصادية التي ترعاها، وعلى وجه الخصوص أتاحت الندوة رؤية مغايرة للافتراضات الغربية الشائعة حول التنمية الدولية والسياسة الخارجية الصينية في المنطقة، وتم تسليط الضوء على ملامح تأطير تفاعلات بكين مع دول المنطقة في ضوء استراتيجيتها التنموية طويلة المدى للتعاون الاقتصادي، فضلا عن تحليل المنافسة المستمرة بين الصين والولايات المتحدة في سياق علاقات كل منهما مع دول منطقة الشرق الأوسط.

 

ومع ذلك، تم الاعتراف بأنه على الرغم من الاندفاع لإنشاء شركات صينية في المنطقة على مدى العقود الماضية، ربما تتضاءل الرغبة في إنشاء المزيد منها في الوقت الراهن.

{ انتهى  }
bottom of page