top of page

14/1/2022

قراءة في زيارة وزراء دول الخليج للصين

نظرًا إلى كونها أبرز القوى الاقتصادية والسياسية الصاعدة في العالم، فليس من المفاجئ أن يكون للصين الآن دور اقتصادي رئيسي في كل من الخليج والشرق الأوسط الأوسع، حيث نمت مشاركتها في المنطقة بشكل مطرد في العقد الماضي، وكان الدافع وراء ذلك إلى حد كبير عددا من المشاريع الاستثمارية المربحة وسلسلة من الشراكات الاستراتيجية مع العديد من البلدان.

 

ووفقًا لـ«تشارلز دن»، من «المركز العربي واشنطن دي سي»، فإن الصين قد استثمرت بالفعل «ما لا يقل عن 123 مليار دولار» في مشاريع تتعلق بمبادرة الحزام والطريق في الشرق الأوسط، كما دأبت على إظهار الاهتمام بتطوير المزيد من العلاقات في جميع أنحاء المنطقة. وإدراكًا للفوائد الاقتصادية الضخمة لهذه الاستثمارات على مواردها المالية، فضلاً عن أهمية السوق الصينية كمستهلك رئيسي للمواد الهيدروكربونية، فقد أبدت دول الخليج أيضًا اهتمامًا بتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع بكين.

 

وبهذا الصدد، كان آخر التطورات هو عقد سلسلة من المحادثات متعددة الأطراف بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي والصين على مدار خمسة أيام في الفترة من 10 إلى 14 يناير 2022؛ بهدف تعزيز المصالح المشتركة في ظل استمرار تعافي الاقتصاد العالمي من الانكماش الناجم عن جائحة الفيروس التاجي، وذلك بحضور وزراء خارجية المملكة العربية السعودية، والبحرين، والكويت، وسلطنة عمان، والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، «نايف الحجرف».

 

وبحسب موقع «المونيتور»، فقد التقى وزير الخارجية السعودي، الأمير «فيصل بن فرحان آل سعود»، بنظيره الصيني، «وانغ يي»، قبل المحادثات متعددة الأطراف، حيث «ناقشا تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين». وحول الاجتماعات المقبلة، قالت وزارة الخارجية الصينية، إن بكين تأمل في أن تؤدي المحادثات القادمة إلى «تعميق العلاقات بين الجانبين».

 

وتأتي زيارة وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في خطوة مماثلة لجولة وزير الخارجية الصيني، «وانغ يي»، في الشرق الأوسط في مارس 2021. ووفقًا لـ«جوناثان فولتون»، من «المجلس الأطلسي»، فإن هذه الجولة «سلطت الضوء على مدى اهتمام بكين بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا»، على الرغم من أنها -بشكل غير متوقع- لم تقدم سوى القليل حول الكيفية التي سيتم بها تطوير علاقاتها في المنطقة.

 

 

وفي واقع الأمر، شهد العِقد الماضي تميز العلاقات الخارجية للصين في المقام الأول، بمبادرة الحزام والطريق، والتي تضمنت على وجه الخصوص، مشاريع البنية التحتية واسعة النطاق. ووفقًا لـ«دن»، كانت «سرعة وتصميم» بكين في هذه المشاريع «أكثر وضوحًا في الشرق الأوسط»، حيث أشار إلى أنه منذ إطلاق المبادرة في عام 2013. ارتفعت استثماراتها في المنطقة بشكل مطرد، وصارت «أكبر مستثمر أجنبي» بها بحلول عام 2016. وتعليقًا أيضًا على نهج الصين، الذي يركز على الاستثمار في العلاقات في الشرق الأوسط، قال «إيك فرايمان»، من شركة الاستشارات الاقتصادية «جرين مانتل»: إن بكين تسعى «للقيام بدور مؤثر من دون انزلاقها إلى صدام»؛ في تناقض صارخ مع تورط الولايات المتحدة المطول في الصراعات الإقليمية طيلة العقود الثلاثة الماضية.

 

وحول دور دول الخليج في ذلك، أشار «دن»، إلى أن «مشاريع الموانئ والبنية التحتية الكبرى»، جارية في المملكة العربية السعودية، والإمارات، وسلطنة عمان، بينما وقعت بكين أيضًا اتفاقيات بشأن شبكات تكنولوجيا الجيل الخامس مع جميع أعضاء مجلس التعاون الخليجي. ولإيضاح هذه الأشكال المتعمقة والمتنوعة من التعاون بشكل أكبر؛ أعلنت الإمارات والصين في مارس 2021. مشروعا مشتركا؛ يهدف إلى الحصول على 200 مليون جرعة كل عام من لقاح فيروس كورونا «سينوفارم»، الذي تنتجه شركة أدوية مقرها أبو ظبي.

 

ومن منظور صيني، فإن السعي إلى إبرام اتفاقية تجارة حرة بين دول الخليج والصين سيكون مفيدًا. وكما ذكرت وكالة «أسوشيتد برس»، فإن السنوات الأخيرة شهدت قيام الشركات الصينية باكتشاف «أسواق للسلع والخدمات تتراوح من إنشاء الطرق السريعة إلى الطائرات العسكرية المسيرة» في الخليج، ما يزيد من أهمية المنطقة في نظر صناع السياسة في بكين. وكما أفاد موقع «المونيتور»، فقد شهدت جهود التنويع الاقتصادي لدول الخليج أهمية لدى الاستثمار الصيني، ونمو أسواقه في السنوات الأخيرة.

 

ومن ناحية أخرى، يدرك المسؤولون الصينيون أيضًا أهمية النفط والغاز في الشرق الأوسط في تعافيهم الاقتصادي من كوفيد-19. حيث تمثل المملكة العربية السعودية وحدها 17% من واردات الصين النفطية، كما أن 92.4% من صادرات النفط العمانية عام 2018 ذهبت إلى القوة الآسيوية. ومع ذلك، فقد أدى الاعتماد على نفط الشرق الأوسط أيضًا إلى احتفاظ الصين بعلاقات وثيقة مع إيران، ومن المرجح أن يظل هذا الجانب نقطة شائكة في المباحثات بينهما. وبالفعل، من المتوقع أن يزور وزير الخارجية الإيراني، «حسين أمير عبداللهيان»، الصين فور اختتام المحادثات بين دول مجلس التعاون الخليجي والصين. بالإضافة إلى ذلك، خلال جولة «وانغ يي» -المذكورة أعلاه- في الشرق الأوسط، تم توقيع اتفاق مدته 25 عامًا بين الصين وإيران، وافقت فيها الأخيرة على مواصلة بيع النفط إلى بكين، مقابل المساعدة في إعادة بناء اقتصادها المتضرر من العقوبات الدولية.

 

علاوة على ذلك، فإن اللقاءات التي تمت بين مسؤولي دول مجلس التعاون الخليجي ونظرائهم الصينيين لها أبعاد سياسية. وأوضح «كريم سجادبور»، من «مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي»، أن البلدان المشاركة في المفاوضات النووية الجارية في فيينا تعتبر «الصين هي الفاعل الوحيد الأكثر أهمية في هذا الصدد»، بالنظر إلى «التبعية الاقتصادية والاستراتيجية التي تتمتع بها طهران لدى بكين». ومع ذلك، حذر من أن الصين تشعر بـ«التردد» في الضغط على إيران لعدد من الأسباب؛ من بينها «التوترات الثنائية التي بين إيران والولايات المتحدة»، على الرغم من أنه «من مصلحتها كثيرًا أن يتم حل هذه القضية».

 

 

وبالمثل، أشار «جاكوبو سيتا»، من جامعة «دورهام»، إلى أن الصين «هي الطرف الأكثر ملاءمة وقدرة» على «ممارسة نفوذ فعال لإعادة طهران إلى الامتثال للاتفاق النووي»، موضحًا أنه، حتى تاريخه، لم تكن بكين «تتبنى بحماس ممارسة دورها المحتمل في الوساطة في هذا الشأن». لذلك، بدا واضحًا أن توثيق العلاقات بين دول الخليج والصين قد يقنع الأخيرة، بأنها بحاجة إلى ضمان عودة إيران إلى الاتفاق لحماية مصالحها الاقتصادية في منطقة الخليج.

 

وفي الواقع، لاحظ بعض المعلقين حدوث تحول في موقف الصين، مقارنة بما كان يجرى في المفاوضات السابقة. ومن جهته، أكد «علي فايز»، من «مجموعة الأزمات الدولية»، أن بكين الآن «تلعب دورًا أكثر أهمية» في التأثير في طهران. وبالمثل، لاحظ كل من «لورانس نورمان»، و«بريان سبيجيل»، من صحيفة «وول ستريت جورنال»، أن الصين «زادت من مستوى تعاونها في محادثات فيينا النووية»، وذلك اعتبارًا من ديسمبر2021. ومع ذلك، أكدا، أن الإسهام الصيني الحاسم، فيما يتعلق بالاتفاق النووي «لا يزال منخفضًا». ولكن مع ذلك، ربما يتغير الوضع مع سعي الصين إلى تحقيق التوازن بين «مجموعة معقدة من مصالحها الوطنية»، بما في ذلك تعزيز علاقاتها مع دول الخليج الأخرى.

 

على العموم، تمثل زيارة وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي إلى الصين، فرصة لتلك الأطراف لتوسيع قنوات التعاون القائمة لديهم من أجل تعزيز المصالح الاقتصادية المتبادلة. ولا تزال الصين واحدة من أهم المستثمرين في منطقة الشرق الأوسط، حيث تشارك في عدد من مشروعات البنية التحتية الرئيسية، بينما تُعد بدورها مستهلكًا رئيسيًا للنفط القادم من الخليج، ولعل هذا الأمر يبرز مدى أهمية المصالح الاقتصادية المشتركة بينهما.

 

ومع ذلك، سيتعين على دول الخليج أن تظل حذرة من حقيقة أن الصين لا تزال داعمًا مهمًا للنظام الإيراني، بعد أن وقعت اتفاقا كبيرًا مدته 25 عامًا مع طهران.

{ انتهى  }
bottom of page