top of page

8/4/2022

هل يمكن لأوروبا أن تظل موحدة سياسيا خلال حرب أوكرانيا؟

بدأ الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022. «حقبة جديدة»، من الأزمات لكل من سياسة الدفاع الأوروبية، والتحالف عبر الأطلسي. وفي حين أن الأخير تعرض لضغوط كبيرة في السنوات الماضية، نتيجة الإجراءات الأمريكية الدولية أحادية الجانب، والتصور العام لواشنطن، بأن حلفاءها الأوروبيين لم يساهموا بشكل كاف في الإنفاق الدفاعي المشترك؛ فإنه يبدو أن هذه الحرب، قد قضت على خلافات الماضي، وجددت مبادئ الوحدة والعمل الجماعي.

 

وفاجأ النهج السريع والموحد للدول الغربية، بفرض عقوبات على روسيا، فضلاً عن توفير الدعم العسكري لأوكرانيا، العديد من الخبراء الأمنيين والسياسيين الغربيين. وأشار «مارك لاندلر»، و«كاترين بينهولد»، و«ماتينا جريدنيف»، في صحيفة «نيويورك تايمز»، إلى أنه في أعقاب الغزو الروسي مباشرة، «تخلص التحالف الغربي من نهجه المعتاد لعقود في الإذعان لمثل هذه الاستفزازات، وبدلاً من ذلك، أبدى «وحدة، وتضامنا»، ضد العدوان.

 

وفي حين أن الأوكرانيين قدموا دفاعًا قويًا عن وطنهم، فإن احتمالات نشوب صراع طويل الأمد على حدود «الناتو»، تتزايد كل يوم، حيث لم يُظهر أي من الجانبين القدرة العسكرية لتحقيق نصر مباشر وسريع، ما أثار أسئلة حول مدى التزام الدول الغربية بنهجها الحالي ضد روسيا، لا سيما عندما تصبح التأثيرات الاقتصادية «أكثر وضوحًا».

 

وفي ندوة عقدتها «مؤسسة كارنيجي للسلام»، بعنوان «الغزو الروسي لأوكرانيا.. هل يمكن لأوروبا أن تبقى متحدة؟»، وصفت «روزا بلفور»، مظاهر الوحدة عبر الأطلسي خلال هذه الأزمة بـ«المفاجئة»، بالنظر إلى مدى الانقسام السابق تجاه روسيا، مشيرة إلى أن الاتفاقات المتعلقة بالعقوبات الاقتصادية، والأسلحة، واللاجئين، وتنويع الطاقة، تمثل «إنجازا كبيرا»، فضلا عن أنها تحافظ على «تقدم استراتيجي» لواشنطن تجاه موسكو، وهو أمر لم يكن من المسلمات مسبقًا. ورأى «ستيفان لين»، أن الولايات المتحدة، حققت حتى الآن مهمتها في إقناع حلفائها بالانضمام إلى إجراءاتها المناهضة لروسيا.

 

ودعما لهذه الخطوات، أجرى القادة السياسيون والعسكريون الأوروبيون، مناقشات مع الرئيس الأمريكي، الذي قام بجولة أوروبية في 23 مارس 2022. ووفقًا لشبكة «فرانس 24»، فإن «الدبلوماسية المكثفة»، لبايدن مع الحلفاء الأوروبيين، والتي تشمل اجتماعات مع المجلس الأوروبي ومجموعة السبع، «تمثل لحظة حاسمة في المواجهة»، بين التحالف عبر الأطلسي «المعاد تنشيطه»، وموسكو.

 

ونظرًا إلى وجود عدد كبير من العقوبات تم إصدارها بالفعل ضد روسيا، فإن الدور المحدد لهذه المحادثات غير واضح. وكتب «مايكل شير»، في صحيفة «نيويورك تايمز»، أن «الهدف الرئيسي للقمم»، قد يكون «إعلانا عامًا آخر، بأن الغزو لن يؤدي إلى إحداث خلاف بين الحلفاء». وأشار «جيك سوليفان»، مستشار الأمن القومي لبايدن، إلى أن الرئيس الأمريكي، «سافر إلى أوروبا لضمان بقائنا متحدين، ولتقوية العزيمة الجماعية»، وكذلك «لإرسال رسالة قوية مفادها أننا مستعدون وملتزمون بالوحدة مهما طال الأمر». وأشار «شير»، إلى أن تلك الاجتماعات «ذات أهمية»، نظرًا إلى وجود «قلق بشأن الخطوة التالية لبوتين»، واحتمالية استخدامه أسلحة بيولوجية، أو كيميائية ضد الأوكرانيين.

 

وتطرح هذه المحادثات مسألتين خلافيتين رئيسيتين؛ الأولى، كيفية فرض مزيد من العقوبات على روسيا، والثانية، ما يمكن أن يفعله التحالف الغربي لمساعدة أوكرانيا بشكل أفضل. وبحسب «شير»، فإن «بايدن»، يضغط على القادة الغربيين لاتخاذ إجراءات اقتصادية أكثر قوة، ضد روسيا. ومع ذلك، نظرًا إلى أن الدول الغربية «دفعت بأقصى حدود العقوبات الاقتصادية»؛ فإن هذا يترك لواشنطن وحلفائها، «خيارات أقل»، مما يمكن تقديمه في هذا الشأن، مضيفا، أنه داخل الاقتصاد الروسي، كانت هناك «علامات مبكرة على أن هناك ثغرات قد أضعفت تأثير الضربة التي كان من المفترض أن تتسبب فيها العقوبات على البنك المركزي الروسي، والمؤسسات المالية الكبرى»، موضحًا أن «موسكو»، لم تتخلف عن سداد ديونها السيادية، وأن الروبل قد «استقر» سعره.

 

وعلى الرغم من تجميد نصف الأصول الأجنبية الروسية، «فقد تمكنت موسكو من تعويض ذلك من خلال الاستمرار في بيع الطاقة إلى أوروبا، وأماكن أخرى». وأشار «سوليفان»، إلى أن حزمة الإجراءات الاقتصادية المقبلة ضدها، ستركز على «ضمان وجود جهد غربي مشترك»، للقضاء على التهرب من العقوبات». ومع ذلك، رأى «كيفين ليبتاك»، من شبكة «سي إن إن»، أن «حقيقة الوضع»، هي أن المزيد من العقوبات، «من غير المرجح أن يكبح حرب بوتين».

 

ومن جانبه، علق «لين»، بأنه بينما كان من السهل بالنسبة إلى واشنطن، أن تفرض حظرًا على الطاقة لروسيا، فإن الأمر «صعب للغاية»، بالنسبة إلى الدول الأوروبية، مثل ألمانيا، معتبرا أن اتخاذ إجراءات بشأن النفط الروسي، «خطوة جيدة إلى الأمام»، وكذلك بداية متماسكة لاستهداف الغاز الروسي. وأشارت «جودي ديمبسي»، من «مركز كارنيجي»، إلى أن الأشهر المقبلة «ستسرع» تنويع الطاقة. في حين رأت «بلفور»، أن تكوين خطة لإخراج روسيا من أوكرانيا «يجب أن يكون الغاية النهائية» لهذه المحادثات. وبالمثل، اعتبر «كورت فولكر»، السفير الأمريكي السابق لدى الناتو، والمبعوث الخاص لأوكرانيا، أن هذه الاجتماعات «مهمة»، من أجل إرسال إشارة إلى «بوتين»، باستمرار وحدة الصف.

 

وإلى جانب المحادثات بشأن العقوبات، فإن ما سيفعله الغرب لمساعدة أوكرانيا بشكل أفضل، هو مصدر آخر لانقسام محتمل. وكتب «شير»، إن القادة السياسيين سيعلنون أيضًا قريبًا «المرحلة التالية»، من المساعدة العسكرية الغربية لكييف، بالإضافة إلى الخطط المحدثة لتعزيز دفاعات «الناتو»، في البلدان المتاخمة لروسيا. وبالفعل، شهد الغزو الروسي تحولات كبيرة في السياسات الدفاعية داخل التحالف الغربي. وجاء التحول الأكثر بروزًا في السياسة الدفاعية بأوروبا عبر ألمانيا، التي كشفت عن 110 مليارات دولار لبرنامج إعادة تسليح، وبدأت في تزويد أوكرانيا بآلاف الصواريخ المضادة للدبابات والطائرات.

 

ومع ذلك، فإن ما يرغب التحالف الغربي في القيام به -خاصة إذا لم يتم هزيمة روسيا على المدى القصير- يظل «غير واضح». وكتبت «إليزابيث براو»، في مجلة «فورين بوليسي»، أن الدور الأوسع الذي سيلعبه الاتحاد الأوروبي، غير واضح، حيث تتبنى كل دولة «رأيا مختلفا بشكل كبير حول هذه المسألة». وتاريخيا، يُعد الدفاع الأوروبي من اختصاص الناتو. وكما رأى «ويسلي كلارك»، القائد السابق لقوات حلف الناتو، فإنه سيتعين على القادة الغربيين التفكير، فيما سيحدث إذا فُقدت أوكرانيا، وكذلك التفكير فيما يمكن القيام به أكثر للحفاظ على مواصلة «كييف»، القتال أثناء ما اعتبره «مخاطرة في التعامل مع بوتين».

 

ومنذ الغزو، يتمركز حوالي 20 ألف فرد من الناتو -غالبيتهم من الأمريكيين- في دول الحلف المتاخمة لروسيا. ووفقًا لـ«جوليان بورجر»، في صحيفة «الجارديان»، فإن عمليات الانتشار هذه تهدف إلى «إبلاغ رسالة لموسكو، أن تلك الدول سترسل تعزيزات كبيرة» في حالة العمل العسكري.

 

وقبل «قمة الناتو»، دعت «خارجية إستونيا»، إلى تكوين قوة غربية دائمة في أوروبا الشرقية لردع غزو روسي محتمل بشكل أفضل. وأوضح السكرتير الدائم للخارجية الإستونية، «جوناتان فسيفيوف»، أنه سيكون «هناك بيئة أمنية جديدة تمامًا، وستكون هناك أوروبا جديدة». وعلق «مارك مونتجومري»، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، على هذه الدعوة، بأن هذا يوضح «خطة البلطيق لمحاولة جعل «واشنطن»، أكثر اندماجًا مع مجموعات أكبر بشكل متزايد»، مضيفا أن هذا هو «القرار الصائب»، لردع الأعمال العسكرية الروسية بحق أعضاء الناتو.

 

ودبلوماسيا، هناك نقطة أخرى للخلاف المحتمل بين «الولايات المتحدة»، و«أوروبا»، وهي كيفية إدارة العلاقات مع الصين، حيث رفضت إدانة الغزو الروسي. وأجرى «بايدن»، بالفعل محادثة هاتفية مع  الرئيس الصيني، «شي جين بينغ»، حيال هذه المسألة، أوضح خلالها، «تداعيات وعواقب» الدعم الصيني لروسيا، وهو ما علق عليه «سوليفان»، بقوله: إن «واشنطن تعتقد أن هناك توافقا في الرأي مع شركائها الأوروبيين».

 

وفيما يتعلق بالصين، أوضحت «بلفور»، أنها تأمل في أن تراقب بكين، كيف احتشد الغرب ضد بوتين، وأنه مهما كان الأمر «بهدوء»، فإن هذا «ليس هو الحال»، وأن الديمقراطيات يمكن أن تكون «مرنة للغاية»، والاستجابة بشكل فعال للعدوان. وفي غضون ذلك، علق «لين»، أنه على الرغم من أهمية «موسكو»، لبكين، لكن العقوبات الغربية تظهر «الهيمنة الكبيرة»، للتحالف على الاقتصاد العالمي، وهو أمر رأى أنه من شأنه أن يجعل الصين، «تتوقف مؤقتًا»، وتتدبر سياساتها المستقبلية.

 

وبالنسبة إلى السؤال حول ما إذا كانت الوحدة الغربية، ستصمد مع تصاعد الصراع، أوضحت «ديمبسي»، أنه بشأن مسألة ما إذا كان الغرب «نحى» انقساماته السابقة جانبًا، «فلا يبدو هناك تغيير»، بسبب ما يبدو من «التردد»، لحماية سيادة أوكرانيا، وهو ما أجمع عليه «لين»، بأن المستوى الحالي للوحدة شبه العالمية «لن يبقى»، مشيرًا إلى سياسة الطاقة، واعتماد أوروبا المستمر على الغاز الطبيعي الروسي؛ كسبب رئيسي لذلك.

 

وبشكل عام، أوضحت «ديمبسي»، كيف أن القادة الأوروبيين «غير مدركين»، للتأثيرات طويلة المدى لهذه الحرب، وأن الانشقاقات في العلاقات «تنتظر الظهور» مع مرور الوقت واستمرار الصراع، كما انتقدت القيادة «الغامضة» للمستشار الألماني، «أولاف شولتز»، مؤكدة أنه كان في «الغرفة الخلفية» خلال هذه الأزمة، وبالتالي تساءلت عما إذا كانت هناك «إرادة سياسية» في الدول الأوروبية للحفاظ على الوحدة طويلة المدى ضد روسيا. وخلصت في النهاية، إلى أن الوحدة «ستستمر»، في الوقت الحالي، مشيرة إلى أنها يمكن أن «تتأثر بشكل كبير»، عندما يُظهر ارتفاع أسعار الطاقة، «التأثيرات الكاملة». ومتفقا مع هذا الرأي، قال «بلفور»: إن الأوروبيين بحاجة إلى أن يكونوا على دراية بـ«النهج طويل الأمد»، لـ «الهيكل الأمني بأكمله لأوروبا».

 

وفي المناقشات حول السياسة الأمنية الأوروبية طويلة المدى، هناك مسألة أخرى من المحتمل أن تسبب صعوبات في التحالف الغربي، وهي احتمال وجود «جيش أوروبي موحد»، وهو أمر زاد الحديث عنه جراء الأزمة الحالية. وكتبت «براو»، أن الغزو هو بمثابة «الولادة المفاجئة للاتحاد الأوروبي كلاعب عسكري جاد». بينما أصر «سوليفان»، على أن التحالف الغربي لا يزال «أكثر اتحادا»، و«أكثر تصميمًا، وهدفا»، أكثر من أي وقت مضى.

 

على العموم، لا ينبغي اعتبار الوحدة الغربية الحالية بشكل عام، والأوروبية بشكل خاص، «أمرًا مفروغًا منه»، حيث إن المستقبل البعيد المدى لسياسة الدفاع الأوروبية، والآثار الاقتصادية لارتفاع أسعار الطاقة، وانخفاض الاهتمام العالمي بشأن الحرب، «وهي تتجه نحو طريق مسدود»؛ يجب أن يؤخذ في الاعتبار، عند فهم كيف يمكن أن يتوتر الوضع عبر الأطلسي بعد فترة من الوحدة. وإدراكًا لهذه الديناميكية، أشارت «ديمبسي»، إلى أن هذا التضامن «يجب أن ينعكس» على أوكرانيا، وأنه إذا لم يحدث ذلك، فسوف يفشل النظام الدولي العالمي، وسيتم تحفيز الأنظمة الاستبدادية الأخرى، لتنفيذ أهدافها في جميع أنحاء العالم.

{ انتهى  }
bottom of page