top of page

19/4/2022

كيف يمكن إعادة بناء العلاقات الأمريكية الخليجية؟

منذ بدء رئاسة «جو بايدن»، توترت علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها في الشرق الأوسط. ووسط الأولويات الإقليمية المتباينة، والخلافات حول المواقف تجاه روسيا بعد غزوها لأوكرانيا، وبشأن سياسة الطاقة؛ استشهد المراقبون الغربيون بذلك باعتباره فترة غير مسبوقة من التوتر،  وكتبت «كارين يونغ»، و«بلال صعب»، في مجلة «فورين بوليسي»، أن «خلفية الحرب الروسية في أوكرانيا»، قد «كشفت التوترات الكامنة بين واشنطن ودول الخليج».

 

وبالنظر إلى المصالح المشتركة لكلا الجانبين من الحفاظ على تعاون مستمر منذ عقود في السياسة والاقتصاد والأمن؛ فقد ناقش المراقبون كيف يمكن استعادة العلاقات القوية بين «الخليج»، و«واشنطن»، وبشروط تبادل المنفعة، مع اتفاق عام على أن الأخيرة بحاجة إلى الاعتراف بشكل أفضل بالمخاوف الأمنية لشركائها، بينما يمكن لدول الخليج تخفيف هواجس الطاقة في الغرب، وتقديم الدعم الدبلوماسي ضد هجوم موسكو على أوكرانيا. وعليه، يبدو هناك إجماع على إعادة تقويم العلاقات الأمريكية الخليجية، عن طريق الحوار البناء، مع إصرار «يونج»، و«صعب»، على أنه يمكن بالفعل «أن يكون هناك تفاهم جديد بين الجانبين».

 

ووفقا للعديد من المحللين، هناك عدة أسباب وراء تدهور العلاقات بين الجانبين، والتي تكمن في كيفية تعزيز الشراكة. وعلى وجه الخصوص، تعتبر مخاوف كل طرف بشأن الالتزام تجاه المصالح الاستراتيجية للطرف الآخر القضية الأبرز. وإدراكًا لمثل هذه المخاوف من دول الخليج، أوضح «آدم لامون»، من مركز «ذا ناشيونال انترست»، أن «العلاقة متوترة حقا، وليست كما هو معتاد، في ظل بعض التحولات السياسية الأخيرة في «إدارة بايدن»، مع حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، في ضوء الاعتقاد السائد بأن المنطقة تتراجع أهميتها لدى «واشنطن»، وأن هذا يمثل استراتيجية، وليس اتجاها مؤقتا».

 

ومن جانبه، علق «ديفيد ماكوفسكي»، من «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، بأن عدم استجابة السعودية، والإمارات، لطلبات الولايات المتحدة، بزيادة إنتاج النفط في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، هو تذكير برفض منتجي النفط الرئيسيين أقوال وأفعال واشنطن في العام الماضي. واستشهد «مارتن تشولوف»، في صحيفة «الجارديان»، بأن قرار «بايدن»، بالإفراج عن الملايين من براميل النفط من الاحتياطي الاستراتيجي، جعل الرياض وأبو ظبي «يتشككان في أسس علاقتهما بواشنطن». وفيما يتعلق بقلق دول الخليج، أشار «يونغ»، و«صعب»، إلى رد «واشنطن»، «البطيء وغير الفعال»، على الهجمات الصاروخية الحوثية ضد السعودية والإمارات، باعتباره أحدث صدمة للعلاقات الأمريكية الخليجية.

 

من ناحية أخرى، أشار المعلقون أيضًا إلى الصعوبات على صعيد الدبلوماسية الدولية، باعتبارها قضية تحتاج إلى معالجة لتسهيل استعادة شراكة فعالة. وبالنسبة للغرب، فإن تحفظ دول الخليج على إدانة الأعمال الروسية في أوكرانيا والموافقة على عزلة موسكو العالمية، قد أثار القلق. وأعرب «بورزو دراغاهي»، في صحيفة «ذي إندبندنت»، عن أسفه لأنه «في وقت حرج من التاريخ الأوروبي»، فإن حلفاء الغرب الخليجيين «قد ابتعدوا»، مع عدم قدرة واشنطن على تأمين دعمهم الدبلوماسي والاقتصادي ضد روسيا. ولاحظ موقع «ميدل إيست آي»، أن «جميع دول الخليج الست امتنعت عن التصويت لتعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة». وعلق «محمد العتيق»، نائب المندوب الدائم للسعودية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، عقب امتناعه عن التصويت على أن القرار سيشكل «سابقة خطيرة تهدد العمل متعدد الأطراف».

 

وفي إشارة إلى الآثار طويلة المدى للخلافات الاقتصادية والدبلوماسية بين الجانبين، أوضح «أمبروز بريتشارد»، في صحيفة «التليجراف»، أن «الرياض ودول أوبك الخليجية رفضوا حتى الآن الاستفادة من طاقتهم الاحتياطية التي تُقدر بمليوني برميل يوميًا»، كما حذر من أنهم «إذا استمروا «فهم يعرضون مظلة الدفاع الأمريكية للخطر»، ومن ثم «سيتعين عليهم إلى أي جانب يقفون».

 

وإقليميًا، يُعد استمرار المفاوضات مع إيران بشأن عودة «الاتفاق النووي»، نقطة خلاف أخرى، لا سيما فيما يتعلق باحتمال رفع اسم «الحرس الثوري» من القائمة الأمريكية للمنظمات الإرهابية.

 

وعلقت «باربارا سلافين»، من «المجلس الأطلسي»، بأن الاتفاق الجديد، «يجب أن يحسن المناخ من أجل وقف دائم لإطلاق النار، وإيجاد حل سياسي نهائي للحرب في اليمن، والتي يرى أنها ستساعد على تقليل أو وقف الهجمات الصاروخية الحوثية ضد السعودية، والإمارات، مضيفة أنه «بدون هذا الاتفاق، ستستمر التوترات الإقليمية في التصاعد بشكل شبه مؤكد»، وسيتعين على القوات الأمريكية المتمركزة في المنطقة «البقاء بحالة تأهب قصوى».

 

ومع ذلك فشلت نقاط الحوار هذه في إقناع دول الخليج، التي لا تزال هدفًا لهجمات الحرب بالوكالة الإيرانية. وأوضح «يونغ»، و«صعب»، أنه «بغض النظر عن محاولة المسؤولين الأمريكيين تبديد فكرة أن واشنطن تسترضي إيران»، فإن دول الخليج تظل مرتابة من نوايا الولايات المتحدة، تجاه طهران».

 

وتعود العلاقات المتوترة بين واشنطن ودول الخليج إلى القلق من سياسة «إدارة بايدن»، تجاه إيران وأوضح «ديفيد ماكوفسكي»، أن «الدول العربية ترى أن الولايات المتحدة قللت من مخاوفها بشأن كون الشرق الأوسط مصدر قلق لا يستهان به نوعًا ما»، وبالتالي فإن قمة النقب كانت فرصة «للدول العربية الرئيسية لتذكيرها بعدم المضي في هذا الاعتقاد».

 

وبالإضافة إلى ذلك، أشار «جورجيو كافيرو»، من «جلف ستيت أناليتيكس»، إلى أن هناك دليلا قويا على أن دول الخليج «تبحث عن مصالحها الاستراتيجية الخاصة وتضع أمنها واقتصادها قبل رغبات واشنطن». وصرح «كريج»، أنه بالنسبة لدول الخليج، فإن «الولايات المتحدة ليست جديرة بالثقة»، لأنها «تقوم بتغيير مسارها ونهجها السياسي كل أربع سنوات، بسبب دورة الانتخابات الرئاسية، وعدم الاتساق بين أجندات السياسة الخارجية للجمهوريين والديمقراطيين».

 

ومع وضع مخاوف كلا الجانبين في الاعتبار؛ قدم المحللون الغربيون بعض الاقتراحات حول ما يمكن فعله لاستعادة الثقة المتبادلة، وتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية بينهما. ويدرك الطرفان أن الشراكة تتطلب إعادة تقويم لمواجهة التحديات الجديدة. و«للمضي قدمًا» بتلك الشراكة، يشير «يونغ»، و«صعب»، إلى أنه يجب تحديد ملامح المصالح المشتركة بين واشنطن، ودول الخليج، والمتمركزة في تحرير السوق، ورأس المال البشري، والابتكار».

 

وفيما يتعلق بالخطوات الأمريكية، أوصى الباحثان بضرورة تراجع واشنطن عن حديثها عن معالجة قضايا المناخ، وتخفيف حدة «المطالب الأخرى للمنتجين الخليجيين بأوبك بلس بإدراجهم في المناقشات حول التكيف مع ظاهرة تغير المناخ» من قبل الولايات المتحدة، فضلاً عن العمل على «معالجة المخاوف الأمنية الخليجية من خلال تقديم «حماية أكثر فعالية ضد هجمات إيران ووكلائها في المنطقة»، فضلا عن زيادة مساعدتها في اعتراض الهجمات الصاروخية الحوثية، وتوفير معلومات استخباراتية «حول الأنشطة التي قد تكون تمهيدية لشن هجمات مستقبلية». ومن الناحية العملية، اقترح الخبيران أن توفر للدول الخليجية «طائرتان أو ثلاث طائرات مسيرة طراز «بريداتور»، للكشف عن «معلومات استخباراتية عالية الجودة، وتحذير من مغبة هجمات مخططة أو وشيكة» من وكلاء إيران. وعلى المدى الطويل، أشار يونغ»، و«صعب»، إلى أن «تعزيز الدفاعات الجوية، والصاروخية المتكاملة»، يعتبر دافعا رئيسيا للعلاقات الأمنية الأمريكية الخليجية المستقبلية، وهو ما يتطلب «التزامًا من واشنطن لمساعدة شركائها في المنطقة ومتابعة الإصلاحات الدفاعية اللازمة لتطوير قدراتهم العسكرية الفعالة».

 

وبالنسبة للاقتراحات الخاصة بتشكيل «تحالف دفاعي أوسع» على غرار حلف الناتو في المنطقة بين «واشنطن»، و«دول الخليج»، فقد رفض الخبيران ذلك، باعتباره «غير فعال عمليًا»، ولا «يمكن تحقيقه سياسيًا»، لكنهما عرضا بديلاً «أكثر واقعية»، وهو «إطار دفاع استراتيجي جديد»، يحدد «أهدافًا واضحة وقابلة للتحقيق للعلاقة الدفاعية الثنائية والمتعددة الأطراف». وعلى وجه الخصوص، دعيا إلى «التخطيط المشترك للطوارئ»، بشأن إيران، وأوضحا أن «القيادة المركزية الأمريكية، لديها فرصة لإشراك شركائها الخليجيين»، في «عمليات التخطيط الاستراتيجي للاستفادة من أسلحة أكثر قوة وتطورًا».

 

ومن أجل إعادة تقويم العلاقة الخليجية الأمريكية على المدى الطويل، استشهدت «ياسمين فاروق»، من «مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي»، و«أندرو ليبر»، من جامعة «هارفارد»، بـ«المنح التعليمية، والتبادلات الثقافية، والمشروعات السياحية»، باعتبارها تُظهر أن واشنطن تولي اهتماما حقيقيا بحلفائها.

 

على العموم، قدم المحللون الغربيون العديد من الاقتراحات لاستعادة العلاقات الأمنية والسياسية القوية بين الخليج والولايات المتحدة، وذلك في ضوء توتر الشراكة الاستراتيجية بينهما خلال السنوات الأخيرة. وفي ختام تعليقاتهما، أعرب «يونغ»، و«صعب»، عن اعتقادهما بأنه «من الممكن تحسن العلاقات، لكن للقيام بذلك، يجب على واشنطن «الاعتراف بالتهديدات الأمنية الحقيقية التي تواجهها دول الخليج من إيران ووكلائها، وبالمقابل تحتاج دول الخليج إلى» تبني كافة الفوائد والمخاطر السياسية المحلية المحتملة للدخول في اقتصاد سياسي عالمي مفتوح». ولتسهيل ذلك، تم التأكيد على ضرورة إجراء مزيد من المناقشة المفتوحة والتعبير عن مخاوف كلا الجانبين بهذا الصدد، حيث رأى الخبراء أن «الحوار الأكثر فعالية وشفافية وشمولاً بين الجانبين، هو الذي يمكن أن يجعل الشراكة الأمريكية-الخليجية على مسار جديد».

{ انتهى  }
bottom of page