top of page

15/10/2022

الاتفاق النووي الإيراني بين ضغوط الخارج واحتجاجات الداخل

بينما‭ ‬تتعرض‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي‭ ‬لضغوط‭ ‬خارجية،‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬منع‭ ‬امتلاكها‭ ‬سلاحا‭ ‬نوويا؛‭ ‬شهدت‭ ‬المدن‭ ‬الإيرانية‭ ‬موجات‭ ‬احتجاجية‭ ‬كبيرة،‭ ‬اختلطت‭ ‬فيها‭ ‬الدوافع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاجتماعية؛‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬التساؤلات‭ ‬حول‭ ‬هل‭ ‬تدفع‭ ‬هذه‭ ‬الضغوط‭ ‬والاحتجاجات،‭ ‬‮«‬طهران‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬قبول‭ ‬صيغة‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬2022،‭ ‬بشأن‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي،‭ ‬أم‭ ‬تستمر‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬سياسة‭ ‬الصبر‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬حتى‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬الحد‭ ‬الأقصى‭ ‬فيما‭ ‬تبتغيه‭ ‬من‭ ‬المفاوضات،‭ ‬وهو‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الاتفاق‭ ‬القديم،‭ ‬أم‭ ‬ستفاجئ‭ ‬العالم‭ ‬بامتلاكها‭ ‬القدرات‭ ‬النووية،‭ ‬وعندها‭ ‬سيكون‭ ‬للحديث‭ ‬بعد‭ ‬آخر‭.‬

ومن‭ ‬المعلوم،‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بعد‭ ‬انسحابها‭ ‬من‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي‭ ‬عام‭ ‬2018،‭ ‬انتهجت‭ ‬سياسة‭ ‬‮«‬الضغوط‭ ‬القصوى‮»‬،‭ ‬ضد‭ ‬طهران،‭ ‬وفرضت‭ ‬حزمة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتجارية‭ ‬والعسكرية،‭ ‬والتي‭ ‬قلصت‭ ‬بشدة‭ ‬عائداتها‭ ‬النفطية،‭ ‬وفضت‭ ‬الروابط‭ ‬بين‭ ‬بنوكها‭ ‬والنظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي،‭ ‬واستهدفت‭ ‬وصول‭ ‬معدل‭ ‬صادراتها‭ ‬النفطية‭ ‬إلى‭ ‬الصفر‭.‬

وحتى‭ ‬مارس‭ ‬2019،‭ ‬تراجع‭ ‬حجم‭ ‬تجارة‭ ‬إيران‭ ‬الخارجية،‭ ‬بحوالي‭ ‬25%،‭ ‬وفقدت‭ ‬عملتها‭ ‬ثلثي‭ ‬قيمتها‭. ‬وفي‭ ‬يونيو‭ ‬2020،‭ ‬انخفضت‭ ‬قيمة‭ ‬العملة‭ ‬إلى‭ ‬80%،‭ ‬وبلغ‭ ‬معدل‭ ‬التضخم‭ ‬40%‭. ‬وحتى‭ ‬يناير‭ ‬2021‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬خسرت‭ ‬نحو‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬جراء‭ ‬العقوبات‭ ‬الأمريكية؛‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬بيع‭ ‬نفطها‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬العالمي،‭ ‬فيما‭ ‬كان‭ ‬مؤشر‭ ‬تدفق‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬المباشر‭ ‬سلبيًا‭ ‬مع‭ ‬خروج‭ ‬كبرى‭ ‬الشركات‭ ‬العالمية‭ ‬من‭ ‬البلاد،‭ ‬وتعطيل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المشاريع‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬تنفيذ‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العقود،‭ ‬ما‭ ‬أثر‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الطيران‭ ‬المدني،‭ ‬وخسر‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الإيراني‭ ‬نحو‭ ‬108‭ ‬مليارات‭ ‬دولار،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬هجرة‭ ‬الكفاءات‭ ‬البشرية،‭ ‬وتراجع‭ ‬تجارتها‭ ‬مع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬وتجميد‭ ‬أصولها‭ ‬في‭ ‬الخارج‭.‬

من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬أثرت‭ ‬العقوبات‭ ‬في‭ ‬علاقات‭ ‬إيران‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬صورتها‭ ‬الخارجية‭ ‬مقترنة‭ ‬بدعم‭ ‬الإرهاب‭ ‬والأعمال‭ ‬الإرهابية،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬لديها‭ ‬علاقات‭ ‬متعددة‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬تقلصت‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬الحركات‭ ‬والدول‭ ‬الفقيرة،‭ ‬فيما‭ ‬حذر‭ ‬‮«‬المنتدى‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‮»‬،‭ ‬‮«‬ديفوس‮»‬،‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬2022‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬الركود‭ ‬الاقتصادي‭ ‬طويل‭ ‬الأمد،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬فقدان‭ ‬التنوع‭ ‬البيولوجي‭ ‬وانهيار‭ ‬النظام‭ ‬البيئي،‭ ‬والارتفاع‭ ‬المفرط‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الأسعار،‭ ‬وانخفاض‭ ‬التجارة‭ ‬الخارجية‭. ‬وقبل‭ ‬سبتمبر‭ ‬2022،‭ ‬فرضت‭ ‬‮«‬واشنطن‮»‬،‭ ‬عقوبات‭ ‬على‭ ‬كيانات‭ ‬إيرانية‭ ‬متورطة‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬إرهابية‭ ‬ضد‭ ‬المنشآت‭ ‬النفطية‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬المجاورة‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬العقوبات‭ ‬الأمريكية‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬أوجه‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي؛‭ ‬فإن‭ ‬رفعها‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬الأرصدة‭ ‬والموارد‭ ‬الإيرانية‭ ‬المجمدة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬يمثل‭ ‬أقوى‭ ‬إغراء‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬‮«‬طهران‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬قبول‭ ‬صيغة‭ ‬تحفظ‭ ‬ماء‭ ‬الوجه‭ ‬لاتفاق‭ ‬نووي،‭ ‬فيما‭ ‬تحتاج‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬إلى‭ ‬نفط‭ ‬وغاز‭ ‬إيران‭ ‬لتعويض‭ ‬أوروبا‭ ‬عن‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬الروسي‭.‬

وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬الذي‭ ‬يرعى‭ ‬‮«‬مباحثات‭ ‬فيينا‮»‬‭ ‬لإحياء‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي،‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬من‭ ‬أبريل‭ ‬2021،‭ ‬ولم‭ ‬ييأس‭ ‬من‭ ‬إخفاق‭ ‬جولات‭ ‬هذه‭ ‬المباحثات،‭ ‬بل‭ ‬قدم‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬2022،‭ ‬صيغة‭ ‬نهائية‭ ‬للتفاوض‭ ‬حولها؛‭ ‬فإن‭ ‬مصالحه‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬سواء‭ ‬مشترياته‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬أو‭ ‬فرص‭ ‬الاستثمار،‭ ‬تمثل‭ ‬أيضًا‭ ‬أحد‭ ‬مصادر‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬طهران‭. ‬وفي‭ ‬مارس‭ ‬2021،‭ ‬قدمت‭ ‬‮«‬فرنسا‮»‬،‭ ‬و«ألمانيا‮»‬،‭ ‬و«بريطانيا‮»‬،‭ ‬مشروع‭ ‬قرار‭ ‬إلى‭ ‬مجلس‭ ‬محافظي‭ ‬‮«‬الوكالة‭ ‬الدولية‭ ‬للطاقة‭ ‬الذرية‮»‬،‭ ‬بشأن‭ ‬التدابير‭ ‬الإيرانية‭ ‬التي‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬تحركات‭ ‬المفتشين‭ ‬الدوليين‭ ‬في‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬برنامجها‭ ‬النووي‭. ‬وفي‭ ‬ديسمبر‭ ‬2021،‭ ‬أطلقت‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬تحذيرات‭ ‬جعلت‭ ‬المواقف‭ ‬الأوروبية‭ ‬والأمريكية‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬التطابق،‭ ‬ومنها‭ ‬تحذير‭ ‬‮«‬الخارجية‭ ‬البريطانية‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬أمام‭ ‬طهران‭ ‬فرصة‭ ‬أخيرة‭ ‬للعودة‭ ‬للاتفاق‭ ‬النووي‭. ‬وبعد‭ ‬اندلاع‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬طالبت‭ ‬وزيرة‭ ‬الخارجية‭ ‬الألمانية‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬سبتمبر‭ ‬2022،‭ ‬بعقوبات‭ ‬أوروبية‭ ‬على‭ ‬طهران‭.‬

وتعد‭ ‬‮«‬وكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬الذرية‮»‬،‭ ‬المصدر‭ ‬الثالث‭ ‬للضغوط‭ ‬الخارجية‭ ‬على‭ ‬إيران‭. ‬وهو‭ ‬ضغط‭ ‬يصل‭ ‬في‭ ‬حدته‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مصير‭ ‬مفاوضات‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي،‭ ‬قد‭ ‬غدا‭ ‬مرهونًا‭ ‬بأن‭ ‬توقف‭ ‬الوكالة‭ ‬تحقيقًا‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬بدأته،‭ ‬عندما‭ ‬عثر‭ ‬مفتشوها‭ ‬على‭ ‬أثار‭ ‬لوجود‭ ‬مواد‭ ‬نووية‭ ‬في‭ ‬ثلاثة‭ ‬مواقع‭ ‬لم‭ ‬يبلغ‭ ‬عنها،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬قبل‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭. ‬وتفيد‭ ‬تقارير‭ ‬الوكالة‭ ‬أنه‭ ‬إلى‭ ‬الآن،‭ ‬لم‭ ‬تفصح‭ ‬‮«‬إيران‮»‬‭ ‬عن‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬تمكنها‭ ‬من‭ ‬إقفال‭ ‬هذا‭ ‬الملف،‭ ‬فيما‭ ‬تتهمها‭ ‬بعدم‭ ‬احترام‭ ‬التزاماتها‭ ‬بموجب‭ ‬اتفاق‭ ‬الضمانات‭ ‬الشاملة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بمعاهدة‭ ‬انتشار‭ ‬الأسلحة‭ ‬النووية‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تتهم‭ ‬‮«‬إيران‮»‬،‭ ‬الوكالة،‭ ‬بتسييس‭ ‬هذا‭ ‬الملف،‭ ‬وأنها‭ ‬تذعن‭ ‬لإسرائيل‭. ‬وفيما‭ ‬تجعل‭ ‬‮«‬طهران‮»‬،‭ ‬إغلاق‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬شرطًا‭ ‬لقبول‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي،‭ ‬فقد‭ ‬صرح‭ ‬مدير‭ ‬الوكالة،‭ ‬‮«‬رافائيل‭ ‬جروس‮»‬،‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬ضمان‭ ‬الطبيعة‭ ‬السلمية‭ ‬للبرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني،‭ ‬والحل‭ ‬هو‭ ‬تمكين‭ ‬مفتشي‭ ‬الوكالة‭ ‬من‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬هذه‭ ‬الأنشطة‭.‬

أما‭ ‬المصدر‭ ‬الرابع‭ ‬لهذه‭ ‬الضغوط،‭ ‬فهو‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تبغي‭ ‬فقط‭ ‬عدم‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي،‭ ‬لكنها‭ ‬تتبنى‭ ‬خيار‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬البرنامج‭ ‬في‭ ‬مكانه‭ ‬وإنهائه‭ ‬عسكريًا‭. ‬وفي‭ ‬مايو‭ ‬2022،‭ ‬ركز‭ ‬لقاء‭ ‬وزير‭ ‬الدفاع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬مع‭ ‬مستشار‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬على‭ ‬التقدم‭ ‬الذي‭ ‬تحرزه‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬برنامجها‭ ‬النووي‭ ‬مع‭ ‬توقف‭ ‬‮«‬مباحثات‭ ‬فيينا‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬تناول‭ ‬أنشطتها‭ ‬المزعزعة‭ ‬للاستقرار‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وأكد‭ ‬الجانبان‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬بشكل‭ ‬وثيق،‭ ‬والاستعداد‭ ‬لأي‭ ‬سيناريو‭ ‬مستقبلي‭ ‬وتأكيد‭ ‬التعاون‭ ‬الدفاعي،‭ ‬فيما‭ ‬تم‭ ‬التوجه‭ ‬إلى‭ ‬مناورات‭ ‬مشتركة‭ ‬تحاكي‭ ‬توجيه‭ ‬ضربة‭ ‬للمنشآت‭ ‬النووية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬يقوم‭ ‬الجانب‭ ‬الأمريكي‭ ‬فيها‭ ‬بالدعم،‭ ‬والإسرائيلي‭ ‬بالتنفيذ‭ ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬موجهة‭ ‬لطهران‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬قائم‭.‬

وداخليا،‭ ‬تواجه‭ ‬إيران‭ ‬تحديًا‭ ‬آخر‭ ‬لسلطتها،‭ ‬حيث‭ ‬اندلعت‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المدن؛‭ ‬نتيجة‭ ‬تدهور‭ ‬الأوضاع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمعيشية،‭ ‬وارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬البطالة،‭ ‬وأسعار‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية،‭ ‬فيما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬أي‭ ‬تنفيذ‭ ‬لوعود‭ ‬الرئيس‭ ‬الإيراني،‭ ‬‮«‬إبراهيم‭ ‬رئيسي‮»‬،‭ ‬منذ‭ ‬خطابه‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2021‭. ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬منذ‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ،‭ ‬وحتى‭ ‬نوفمبر‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬العام،‭ ‬ارتفع‭ ‬معدل‭ ‬التضخم‭ ‬بنسبة‭ ‬45%،‭ ‬وفقد‭ ‬الريال‭ ‬11%‭ ‬من‭ ‬قيمته،‭ ‬وفقد‭ ‬حوالي‭ ‬مليون‭ ‬إيراني‭ ‬وظائفهم،‭ ‬وبلغ‭ ‬المعدل‭ ‬العام‭ ‬للبطالة‭ ‬10%،‭ ‬وبلغت‭ ‬بطالة‭ ‬الشباب‭ ‬20%،‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬نحو‭ ‬نصف‭ ‬السكان‭ ‬تحت‭ ‬خط‭ ‬الفقر‭. ‬

وفي‭ ‬إطار‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬زادت‭ ‬معدلات‭ ‬الانتحار‭ ‬بين‭ ‬الشباب‭. ‬وسجلت‭ ‬‮«‬الصحة‭ ‬الإيرانية‮»‬‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2021،‭ ‬نحو‭ ‬100‭ ‬ألف‭ ‬محاولة‭ ‬انتحار،‭ ‬كما‭ ‬تواصلت‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬أزمة‭ ‬المياه‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬‮«‬الأحواز،‭ ‬وكرمنشاه،‭ ‬وسيستان،‭ ‬وبلوشسستان،‭ ‬وأصفهان،‭ ‬وأرديل‮»‬،‭ ‬عام‭ ‬2021‭. ‬وهي‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬بعام،‭ ‬ثلاث‭ ‬انتفاضات‭ ‬كبرى‭. ‬ووفقًا‭ ‬لـ«مركز‭ ‬الإحصاء‭ ‬الإيراني‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬14%‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬خيام،‭ ‬كما‭ ‬يعيش‭ ‬ثلث‭ ‬سكان‭ ‬الحضر‭ ‬في‭ ‬أحياء‭ ‬فقيرة،‭ ‬وأن‭ ‬50%‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬العاملة،‭ ‬عمالة‭ ‬غير‭ ‬منتظمة،‭ ‬وما‭ ‬بين‭ (‬10-‭ ‬13‭) ‬مليون‭ ‬إيراني‭ ‬مستبعدون‭ ‬من‭ ‬التأمين‭ ‬الصحي‭ ‬والتأمين‭ ‬ضد‭ ‬البطالة‭.‬

لنأتي‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬التساؤل،‭ ‬وهو‭ ‬كيف‭ ‬تواجه‭ ‬‮«‬إيران‮»‬،‭ ‬تلك‭ ‬الضغوط‭ ‬الخارجية‭ ‬والداخلية‭.. ‬هل‭ ‬تستمر‭ ‬في‭ ‬سياسة‭ ‬المماطلة‭ ‬والتسويف‭ ‬التي‭ ‬تجيدها،‭ ‬حتى‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬مبتغاها‭ ‬في‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الاتفاق‭ ‬القديم،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إضافات‭ ‬أو‭ ‬شروط،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تمتلك‭ ‬السلاح‭ ‬النووي،‭ ‬خاصة‭ ‬أنها‭ ‬تدرك‭ ‬حاجة‭ ‬‮«‬واشنطن‮»‬‭ ‬الآن‭ ‬إلى‭ ‬مخزونها‭ ‬النفطي،‭ ‬تعويضًا‭ ‬لأوروبا‭ ‬عن‭ ‬نفط‭ ‬روسيا‭ ‬وغازها‭.. ‬فيما‭ ‬يقابل‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو،‭ ‬سيناريو‭ ‬قبول‭ ‬اتفاق‭ ‬مؤقت‭ ‬ينفذ‭ ‬على‭ ‬مراحل‭ ‬يكون‭ ‬بنده‭ ‬الأول‭ ‬رفع‭ ‬العقوبات‭.‬

وفي‭ ‬السيناريو‭ ‬الأول،‭ ‬أعلنت‭ ‬‮«‬إيران‮»‬،‭ ‬لدى‭ ‬تلقيها‭ ‬المقترحات‭ ‬الأوروبية،‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬عجلة‭ ‬من‭ ‬أمرها،‭ ‬واستمرت‭ ‬تستغرق‭ ‬الوقت‭ ‬في‭ ‬مبادلة‭ ‬الردود‭ ‬مع‭ ‬الجانب‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وحتى‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة‭ ‬لم‭ ‬تحسم‭ ‬الأمر‭. ‬وفي‭ ‬منتصف‭ ‬سبتمبر‭ ‬2022،‭ ‬استبعد‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكي،‭ ‬‮«‬أنتوني‭ ‬بيلينكن‮»‬،‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬نووي‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬القريب‭ ‬العاجل،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أضافت‭ ‬‮«‬طهران‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬المقترحات‭ ‬الأوروبية،‭ ‬شروطا‭ ‬جديدة،‭ ‬فيما‭ ‬تخفي‭ ‬حقيقة‭ ‬ما‭ ‬توصلت‭ ‬إليه‭ ‬بشأن‭ ‬تطوير‭ ‬برنامجها‭ ‬النووي،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تصاعد‭ ‬الخلاف‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬‮«‬الوكالة‭ ‬الدولية‭ ‬للطاقة‭ ‬الذرية‮»‬‭. ‬

وفي‭ ‬أغسطس‭ ‬2022،‭ ‬صرح‭ ‬رئيس‭ ‬‮«‬منظمة‭ ‬الطاقة‭ ‬الذرية‮»‬‭ ‬الإيرانية،‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬إسلامي‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬قنبلة‭ ‬نووية،‭ ‬ولكنها‭ ‬لا‭ ‬تعتزم‭ ‬القيام‭ ‬بذلك‭. ‬وكانت‭ ‬‮«‬طهران‮»‬،‭ ‬قد‭ ‬طورت‭ ‬بالفعل‭ ‬أنشطتها‭ ‬النووية‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬انسحبت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي،‭ ‬فيما‭ ‬حذر‭ ‬مسؤولون‭ ‬غربيون‭ ‬من‭ ‬نفاد‭ ‬الوقت‭ ‬لإحياء‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬برنامج‭ ‬إيران‭ ‬النووي‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إيقافه‭ ‬فيها‭. ‬وفي‭ ‬مايو‭ ‬2022،‭ ‬أعلنت‭ ‬‮«‬وكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬الذرية‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬تمتلك‭ ‬43‭.‬1‭ ‬كجم‭ ‬من‭ ‬اليورانيوم‭ ‬المخصب‭ ‬بنسبة‭ ‬60%،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يمكن‭ ‬صناعة‭ ‬القنبلة‭ ‬النووية‭ ‬من‭ ‬25‭ ‬كجم‭ ‬من‭ ‬اليورانيوم‭ ‬المخصب‭ ‬بنسبة‭ ‬95%‭.‬

لكنّ‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو‭ -‬إن‭ ‬صحت‭ ‬معطياته‭- ‬يضع‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬بؤرة‭ ‬التهديد‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬التلويح‭ ‬به‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة،‭ ‬فهل‭ ‬تغامر‭ ‬بشعبها‭ ‬ومقدراتها‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬ترتفع‭ ‬فيها‭ ‬معدلات‭ ‬خسارتها؟،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تحدث‭ ‬هذه‭ ‬الضربة،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬لإفشال‭ ‬معاهدة‭ ‬عدم‭ ‬الانتشار‭ ‬النووي،‭ ‬ويجر‭ ‬المنطقة‭ ‬كلها‭ ‬إلى‭ ‬سباق‭ ‬تسلح‭ ‬نووي؛‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬الأمان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الردع‭ ‬المتبادل‭ (‬نموذج‭ ‬باكستان‭ ‬والهند‭).‬

أما‭ ‬السيناريو‭ ‬المقابل،‭ ‬فيرتبط‭ ‬بحاجة‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬إلى‭ ‬نفط‭ ‬إيران‭ ‬وغازها،‭ ‬تعويضًا‭ ‬لأوروبا‭ ‬عن‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬الروسي،‭ ‬كما‭ ‬يرتبط‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬بحاجة‭ ‬طهران‭ ‬إلى‭ ‬إيرادات‭ ‬هذا‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬والإفراج‭ ‬عن‭ ‬أرصدتها‭ ‬لعلاج‭ ‬مشكلاتها‭ ‬الداخلية‭. ‬ويوقف‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬احتمالية‭ ‬تعرض‭ ‬إيران‭ ‬لضربة‭ ‬إسرائيلية‭ ‬ضد‭ ‬منشآتها‭ ‬النووية،‭ ‬كما‭ ‬يلقى‭ ‬قبولاً‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬أطراف‭ ‬‮«‬مباحثات‭ ‬فيينا‮»‬،‭ ‬المتأهبة‭ ‬للاستثمار‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الإيراني‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يُرضي‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬أطرافا‭ ‬أخرى‭ ‬متأثرة‭ ‬بمصير‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي،‭ ‬وليست‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬‮«‬مفاوضات‭ ‬فيينا‮»‬،‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬دول‭ ‬الخليج؛‭ ‬فاتفاق‭ ‬لا‭ ‬يشمل‭ ‬سلوك‭ ‬إيران‭ ‬الإقليمي‭ ‬والصواريخ‭ ‬الباليستية‭ ‬لا‭ ‬يلقى‭ ‬قبولا‭ ‬لدى‭ ‬هذه‭ ‬الدول،‭ ‬التي‭ ‬تعهدت‭ ‬‮«‬واشنطن‮»‬،‭ ‬بتوفير‭ ‬ضمانات‭ ‬حمايتها،‭ ‬وأكدت‭ ‬ذلك‭ ‬أثناء‭ ‬زيارة‭ ‬‮«‬بايدن‮»‬‭ ‬الأخيرة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬اتفاقا‭ ‬مثل‭ ‬هذا،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬مرجحًا،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يُفقد‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬مصداقية‭ ‬الوعود‭ ‬الأمريكية‭. ‬ويعزز‭ ‬ترجيح‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬إقدام‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬سد‭ ‬ثغرات‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬العقوبات‭ ‬القائم،‭ ‬وهي‭ ‬الثغرات‭ ‬التي‭ ‬أتاحت‭ ‬لإيران‭ ‬بيع‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬نفطها‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬السوق‭ ‬الرسمي،‭ ‬ما‭ ‬أتاح‭ ‬لها‭ ‬الموارد‭ ‬التي‭ ‬اعتمدت‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬سلوكها‭ ‬الإقليمي‭ ‬المزعزع‭ ‬للاستقرار،‭ ‬كما‭ ‬بدا‭ ‬واضحًا‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬وإمدادها‭ ‬الحوثيين‭ ‬بالأسلحة‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬واستخدامها‭ ‬في‭ ‬الأعمال‭ ‬العدوانية‭ ‬ضد‭ ‬جيرانها‭. ‬

على‭ ‬العموم،‭ ‬تواجه‭ ‬إيران‭ ‬ضغوطا‭ ‬خارجية‭ ‬وداخلية،‭ ‬تضع‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬مأزق،‭ ‬وفي‭ ‬حين‭ ‬لم‭ ‬يبادر‭ ‬بخطوات‭ ‬تفتح‭ ‬باب‭ ‬الإنقاذ،‭ ‬إذا‭ ‬به‭ ‬يماطل‭ ‬في‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي،‭ ‬وكأنه‭ ‬قد‭ ‬لمس‭ ‬في‭ ‬رغبة‭ ‬‮«‬بايدن‮»‬،‭ ‬الإشارة‭ ‬التي‭ ‬تجعله‭ ‬أكثر‭ ‬تشددًا‭ ‬حتى‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬المكسب‭ ‬الذي‭ ‬يبتغيه،‭ ‬وهو‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الاتفاق‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬الانسحاب‭ ‬الأمريكي،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يفاجئ‭ ‬العالم‭ ‬بامتلاكه‭ ‬سلاحا‭ ‬نوويا‭. ‬وحتى‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة‭ ‬يظل‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي‭ ‬معلقًا‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يحدث‭ ‬من‭ ‬مستجدات‭.‬

{ انتهى  }
bottom of page