top of page

19/04/2023

تحديات أمن الطاقة في العلاقات الدولية... رؤية غربية

التحكم‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬وتعظيمها‭ ‬كان‭ ‬ومازال‭ ‬عنصرًا‭ ‬مهيمنًا‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬وكذلك‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمي،‭ ‬الذي‭ ‬قدّرت‭ ‬وكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬الدولية‭ ‬قيمته‭ ‬بـ‭ (‬2.4‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭) ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬ومثَّل‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬عنصرًا‭ ‬ثابتًا‭ ‬وحاضرًا‭ ‬في‭ ‬المنافسة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الدولية‭. ‬

وقد‭ ‬ازدادت‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬السوق‭ ‬عقِب‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬2022،‭ ‬حيث‭ ‬أحدثت‭ ‬الخلافات‭ ‬حولها‭ -‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬المواقف‭ ‬المتباينة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأعضاء‭ ‬‮«‬أوبك‮»‬‭ (‬لاسيما‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭)- ‬توترًا‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الشركاء‭ ‬الأمنيين،‭ ‬وسط‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬بشأن‭ ‬الطلب‭ ‬والعرض‭ ‬المستقبلي‭ ‬على‭ ‬النفط‭.‬

وأمام‭ ‬هذه‭ ‬التطورات،‭ ‬التي‭ ‬جسدت‭ ‬حقيقة‭ ‬‮«‬عصر‭ ‬انعدام‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‮»‬،‭ ‬قال‭ ‬‮«‬جيسون‭ ‬بوردوف‮»‬،‭ ‬مدير‭ ‬مركز‭ ‬‮«‬سياسات‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‮»‬‭ ‬بجامعة‭ ‬كولومبيا،‭ ‬و«ميغان‭ ‬أوسوليفان‮»‬،‭ ‬أستاذة‭ ‬الشؤون‭ ‬الدولية‭ ‬بجامعة‭ ‬هارفارد،‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬بمجلة‭ ‬‮«‬فورين‭ ‬أفيرز»؛‭ ‬إن‭ ‬زيادة‭ ‬المنافسة‭ ‬العالمية‭ ‬على‭ ‬موارد‭ ‬الطاقة،‭ ‬أحدثت‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬‮«‬الانقلاب‭ ‬الجيوسياسي‮»‬‭ ‬في‭ ‬نسق‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬وسجل‭ ‬الكاتبان‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬والعقوبات‭ ‬الانتقامية‭ ‬بين‭ ‬الغرب‭ ‬والكرملين‭ ‬بشأن‭ ‬إمدادات‭ ‬الطاقة،‭ ‬غيّبا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«أمن‭ ‬الطاقة‮»‬‭ ‬العالمي‭.‬

وذكر‭ ‬المجلس‭ ‬الأوروبي‭ ‬للعلاقات‭ ‬الخارجية،‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬‮«‬قطعت‭ ‬أشواطًا‭ ‬كبيرة‮»‬‭ ‬نحو‭ ‬تقليل‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬واردات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬الروسي،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬التضخم‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يُلقي‭ ‬بظلاله‭ ‬على‭ ‬اقتصادات‭ ‬دول‭ ‬القارة،‭ ‬وتوقع‭ ‬‮«‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‮»‬‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬ذلك؛‭ ‬ألّا‭ ‬يزيد‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬عن‭ ‬0‭.‬8%‭ ‬فقط‭ ‬عام‭ ‬2023،‭ ‬وأن‭ ‬ينكمش‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬بنسبة‭ ‬0‭.‬3%‭. ‬

وفي‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬روسيا‭ ‬عانت‭ ‬بشكل‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنكاره‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬اقتصادية‭ ‬سلبية‭ ‬كبيرة،‭ ‬جرّاء‭ ‬حربها‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬وما‭ ‬تلاها‭ ‬من‭ ‬عقوبات،‭ ‬فإن‭ ‬وضعها‭ ‬كمُصدِّر‭ ‬رئيسي‭ ‬للطاقة،‭ ‬أكسبها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬انتكاسات‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬التحالف‭ ‬الغربي،‭ ‬وبالتالي‭ ‬زيادة‭ ‬الجدل‭ ‬في‭ ‬دوائر‭ ‬السياسة‭ ‬الغربية‭ ‬حول‭ ‬الثمن‭ ‬الذي‭ ‬سيدفعه‭ ‬التحالف‭ ‬عبر‭ ‬الأطلسي‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إنزال‭ ‬الهزيمة‭ ‬بروسيا‭ ‬عسكريًا،‭ ‬أو‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الأوكرانيين‭ ‬لقبول‭ ‬تسوية‭ ‬سياسية‭.‬

ورأت‭ ‬‮«‬فورين‭ ‬أفيرز‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬التنافس‭ ‬الدولي‭ ‬المتزايد‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬يلقي‭ ‬بظلاله‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬على‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية،‭ ‬حيث‭ ‬وصفته‭ ‬بأنه‭ ‬صراع‭ ‬‮«‬أكثر‭ ‬أهمية‮»‬‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬العالمية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬كلا‭ ‬البلدين‭ ‬‮«‬يؤسسان‭ ‬استقلالهما‮»‬‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الطاقة،‭ ‬ويسعيان‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬مصالحهما‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬وتنويع‭ ‬وبناء‭ ‬شراكات‭ ‬قوية‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭.‬

ويُرجح‭ ‬أن‭ ‬تؤثر‭ ‬هذه‭ ‬التغيرات‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬ببقية‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬المملكة‭ ‬السعودية‭ ‬وحدها‭ ‬تزود‭ ‬الصين‭ ‬بما‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬18%‭ ‬من‭ ‬احتياجاتها‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬الخام،‭ ‬وسط‭ ‬قلق‭ ‬تبديه‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬بشأن‭ ‬الطموحات‭ ‬السياسية‭ ‬الصينية‭ ‬المستقبلية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أشار‭ ‬إليه‭ ‬موقع‭ ‬‮«‬بارونز‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أكد‭ ‬أنه؛‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬هناك‭ ‬‮«‬مجال‭ ‬هائل‭ ‬للنمو‮»‬‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الخليجية‭ ‬ـ‭ ‬الآسيوية‭.‬

يأتي‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬أحدث‭ ‬تقرير‭ ‬صادر‭ ‬عن‭ ‬السوق‭ ‬النفطية‭ ‬لـ‮«‬وكالة‭ ‬الطاقة‮»‬‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬2023،‭ ‬الذي‭ ‬توقع‭ ‬أن‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬‮«‬سيتسارع‭ ‬بشكل‭ ‬حاد‮»‬‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬المقبل،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬قيام‭ ‬روسيا‭ ‬بتخفيض‭ ‬إنتاجها‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬الخضوع‭ ‬لسقف‭ ‬الأسعار‭ ‬الدولي،‭ ‬وفي‭ ‬وقت‭ ‬‮«‬يتقلص‮»‬‭ ‬فيه‭ ‬احتياطي‭ ‬النفط‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الأمريكي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أيدت‭ ‬إدارة‭ ‬‮«‬بايدن‮»‬‭ ‬عمليات‭ ‬سحب‭ ‬متعددة‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2022‭.‬

بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬المتغير‭ ‬والمتسارع،‭ ‬أكدت‭ ‬‮«‬فورين‭ ‬أفيرز‮»‬‭ ‬على‭ ‬الموقف‭ ‬السياسي‭ ‬القوي‭ ‬للمملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬باعتبارها‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬لديها‭ ‬‮«‬قدرة‭ ‬إنتاج‭ ‬نفط‭ ‬إضافية‭ ‬فعالة‮»‬،‭ ‬وأقرت‭ ‬‮«‬الدورية‮»‬‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬الرياض‭ ‬‮«‬أصبحت‭ ‬الآن‭ ‬أقل‭ ‬اهتمامًا‭ ‬بكثير‭ ‬بتلبية‭ ‬طلبات‭ ‬واشنطن‮»‬‭ ‬بشأن‭ ‬السياسة‭ ‬النفطية،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يتضح‭ ‬من‭ ‬قيادتها‭ ‬تخفيضات‭ ‬إنتاج‭ ‬‮«‬أوبك‭ ‬بلس‮»‬‭ ‬عامي‭ ‬2022‭ ‬و2023،‭ ‬مقابل‭ ‬الرغبات‭ ‬المعلنة‭ ‬لـ«البيت‭ ‬الأبيض‮»‬،‭ ‬وآخرها‭ ‬تخفيض‭ ‬أبريل‭ ‬2023‭ ‬بمقدار‭ ‬1‭.‬66‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬يوميًا‭.‬

وأوضحت‭ ‬‮«‬كارين‭ ‬إي‭ ‬يونج‮»‬‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬فورين‭ ‬بوليسي‮»‬‭ ‬الأمريكية‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الرياض‭ ‬أظهر‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬‮«‬ملامح‭ ‬الطموحات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬السعودية‮»‬،‭ ‬وعزز‭ ‬التصورات‭ ‬بأن‭ ‬المملكة‭ ‬‮«‬تتبع‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬استراتيجية‭ ‬دبلوماسية‭ ‬لعدم‭ ‬الانحياز‮»‬‭.‬

لكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الموقف‭ ‬الحالي‭ ‬القوي‭ ‬للرياض‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬الأخرى،‭ ‬والازدهار‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الإيرادات‭ ‬جراء‭ ‬مبيعات‭ ‬الطاقة،‭ ‬يعتبر‭ ‬أمرًا‭ ‬مضمونًا،‭ ‬فبينما‭ ‬ازدهرت‭ ‬معدلات‭ ‬أرباح‭ ‬صادرات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬وسط‭ ‬حالة‭ ‬التعافي‭ ‬العالمية‭ ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬كوفيد‭-‬19،‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين‭ ‬بشأن‭ ‬إمدادات‭ ‬الطاقة‭ ‬الغربية‭ ‬بعد‭ ‬بداية‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬أشارت‭ ‬‮«‬فورين‭ ‬أفيرز‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السنوات‭ ‬السابقة‭ ‬شهدت‭ ‬‮«‬عوائد‭ ‬ضعيفة‮»‬‭ ‬للدول‭ ‬المصدرة،‭ ‬وحالة‭ ‬من‭ ‬‮«‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬بشأن‭ ‬حجم‭ ‬الطلب‭ ‬المتوقع‭ ‬على‭ ‬الطاقة‮»‬‭. ‬

ولا‭ ‬تزال‭ ‬هناك‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬المستمرة‭ ‬بشأن‭ ‬وضع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الدول،‭ ‬لاسيما‭ ‬مع‭ ‬احتمال‭ ‬عودة‭ ‬عمليات‭ ‬الإغلاق‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬انتشار‭ ‬موجة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬جائحة‭ ‬فيروس‭ ‬كوفيد-19،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬احتمال‭ ‬انخفاض‭ ‬الطلب‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الصادرات‭ ‬النفطية‭ ‬الرئيسية‭.‬

هناك‭ ‬عنصر‭ ‬آخر‭ ‬أصبح‭ ‬يتحدى‭ ‬المكانة‭ ‬الرائدة‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية،‭ ‬وهو‭ ‬تركيز‭ ‬الغرب‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬صافي‭ ‬انبعاثات‭ ‬صفرية‭ ‬بحلول‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الحالي،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الحرب‭ ‬الأوكرانية‭ ‬وتداعياتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الدولية،‭ ‬أجبرت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬الأهداف‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬للتصدي‭ ‬لتغير‭ ‬المناخ‭ ‬‮«‬خلف‮»‬‭ ‬الاحتياجات‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭ ‬الخاصة‭ ‬بالحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬لتلبية‭ ‬متطلبات‭ ‬الطاقة،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الوقود‭ ‬الأحفوري‭ ‬قد‭ ‬يفقد‭ ‬أهميته‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬ولن‭ ‬يكون‭ ‬موجودًا‭ ‬بحلول‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬الحالي،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬المورد‭ ‬سيظل‭ ‬هدفًا‭ ‬جيوسياسيًا‭ ‬رئيسيًا‭ ‬للدول‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭ ‬والمستقبل‭ ‬المنظور‭.‬

وبينما‭ ‬أشار‭ ‬‮«‬بوردوف‭ ‬وأوسوليفان‮»‬‭ ‬في‭ ‬‮«‬فورين‭ ‬أفيرز‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬العالمي‭ ‬إلى‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة،‭ ‬وما‭ ‬يفرضه‭ ‬واقع‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬العالمية،‭ ‬هي‭ ‬قضايا‭ ‬ذات‭ ‬ديناميكيات‭ ‬‮«‬متشابكة‮»‬،‭ ‬فقد‭ ‬أكدا‭ ‬أنه‭ ‬قبل‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬كان‭ ‬صانعو‭ ‬السياسة‭ ‬الغربيون،‭ ‬والكثير‭ ‬من‭ ‬الأكاديميين‭ ‬والمحللين‭ ‬‮«‬يتناولون‭ ‬المزايا‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬لتحول‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬طاقة‭ ‬أنظف‭ ‬وأكثر‭ ‬اخضرارًا‮»‬،‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬لن‭ ‬‮«‬يساعد‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬مكافحة‭ ‬ظاهرة‭ ‬تغير‭ ‬المناخ‮»‬،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضًا‭ ‬‮«‬سيضع‭ ‬حدًا‮»‬‭ ‬لتغيرات‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬الذي‭ ‬يقرها‭ ‬نظام‭ ‬الطاقة‭ ‬التقليدي‮»‬‭. ‬

وفي‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬رؤى‭ ‬بأن‭ ‬الدروس‭ ‬المستفادة‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬ستؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تغييرات‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬التي‭ ‬تحكمها‭ ‬إمدادات‭ ‬الطاقة‭ ‬بين‭ ‬الغرب‭ ‬وبقية‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬فقد‭ ‬كتب‭ ‬‮«‬بوردوف‭ ‬وأوسوليفان‮»‬‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الدروس‭ ‬‮«‬عززت‭ ‬إرادة‭ ‬الكثيرين‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بالابتعاد‭ ‬عن‭ ‬موارد‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬والفحم‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬قانون‭ ‬خفض‭ ‬معدلات‭ ‬التضخم‭ ‬لإدارة‭ ‬‮«‬بايدن‮»‬‭ ‬سيعمل‭ ‬على‭ ‬ضخ‭ (‬400‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭) ‬في‭ ‬برامج‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬وتغير‭ ‬المناخ‭ ‬ورفع‭ ‬كفاءة‭ ‬الإنفاق‭ ‬الحكومي،‭ ‬عبر‭ ‬تقديم‭ ‬إعفاءات‭ ‬ضريبية‭ ‬وضمانات‭ ‬قروض‭ ‬للشركات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تستثمر‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬النظيفة‭ ‬وفي‭ ‬جهود‭ ‬خفض‭ ‬الانبعاثات‭ ‬الكربونية‭. ‬

وتشير‭ ‬تأكيدات‭ ‬وكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬الدولية‭ ‬أنه‭ ‬إذا‭ ‬حقق‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬صافي‭ ‬انبعاثات‭ ‬صفرية‭ ‬عام‭ ‬2050،‭ ‬فسيكون‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬أن‭ ‬نصف‭ ‬استهلاك‭ ‬الطاقة‭ ‬بالكامل‭ ‬سيكون‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬توليد‭ ‬الكهرباء،‭ ‬وعند‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬استهلاك‭ ‬الطاقة‭ ‬بالكامل‭ ‬عبر‭ ‬الكهرباء‭ ‬يقف‭ ‬حاليًا‭ ‬عند‭ ‬20%‭ ‬فقط،‭ ‬فإن‭ ‬الأمر‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬احتمال‭ ‬حدوث‭ ‬أزمات‭ ‬طاقة‭ ‬مستقبلًا‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬العظمى‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬أمال‭ ‬متبقية‭ ‬بتحقيق‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التحول‭ ‬للطاقة‭ ‬النظيفة‭.‬

علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬حدوث‭ ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأخضر‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الغرب‭ ‬سيكتسب‭ ‬سيطرة‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬منافسيه‭. ‬فمع‭ ‬قيام‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬بتسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬استثماراتها‭ ‬في‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة،‭ ‬وهي‭ ‬الطاقة‭ ‬الشمسية‭ ‬وإنتاج‭ ‬الهيدروجين،‭ ‬فقد‭ ‬أولت‭ ‬الصين‭ ‬أيضًا‭ ‬اهتمامًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬لمبادراتها‭ ‬الخاصة‭ ‬بتوليد‭ ‬الطاقة‭ ‬الخضراء،‭ ‬حيث‭ ‬كتب‭ ‬‮«‬سام‭ ‬ميريديث‮»‬‭ ‬من‭ ‬‮«‬سي‭ ‬إن‭ ‬بي‭ ‬سي‮»‬‭ ‬أن‭ ‬بكين‭ ‬‮«‬تُعرف‭ ‬بأنها‭ ‬رائدة‭ ‬العالم‭ ‬بلا‭ ‬منازع‭ ‬في‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‮»‬‭.‬

وسلطت‭ ‬‮«‬فورين‭ ‬أفيرز‮»‬‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬مخاوف‭ ‬المسؤولين‭ ‬الأمريكيين‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الغرب‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬اعتمادًا‭ ‬على‭ ‬الصين‭ ‬بسبب‭ ‬‮«‬هيمنتها‭ ‬على‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬الحالية‭ ‬لتقنيات‭ ‬الطاقة‭ ‬النظيفة‮»‬،‭ ‬ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تسرع‭ ‬فيه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وارداتها‭ ‬من‭ ‬الألواح‭ ‬الشمسية‭ ‬الصينية‭ ‬الصنع،‭ ‬فإن‭ ‬اهتمام‭ ‬وزارتا‭ ‬التجارة‭ ‬والعلوم‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬الصينية‭ ‬بحظر‭ ‬تصدير‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬التقنيات‭ ‬المتقدمة‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬الألواح‭ ‬الشمسية،‭ ‬وفقًا‭ ‬لما‭ ‬ذكرته‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬وول‭ ‬ستريت‭ ‬جورنال‮»‬،‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬‮«‬تأمين‭ ‬هيمنة‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬توليد‭ ‬الطاقة‭ ‬الشمسية‮»‬‭ ‬و«تعطيل‭ ‬الجهود‭ ‬التي‭ ‬تبذلها‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬لبناء‭ ‬سلاسل‭ ‬توريد‭ ‬خاصة‭ ‬بها‮»‬‭.‬

وعلى‭ ‬العموم،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬مرور‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمي‭ ‬بسلسلة‭ ‬من‭ ‬التغييرات‭ ‬الجوهرية،‭ ‬لم‭ ‬يعُد‭ ‬‮«‬التعريف‭ ‬البسيط‮»‬‭ ‬لأمن‭ ‬الطاقة‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬توافر‮»‬‭ ‬الإمدادات‭ ‬النفطية‭ ‬الكافية‭ ‬بأسعار‭ ‬معقولة،‭ ‬‮«‬مناسبًا‭ ‬ومقنعًا‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الغربي،‭ ‬وعليه‭ ‬فقد‭ ‬حثت‭ ‬‮«‬فورين‭ ‬أفيرز‮»‬‭ ‬صانعي‭ ‬السياسة‭ ‬على‭ ‬‮«‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬مفهوم‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‮»‬،‭ ‬وكذلك‭ ‬‮«‬تطوير‭ ‬وسائل‭ ‬جديدة‭ ‬لضمان‭ ‬تحقيقه‮»‬‭ ‬مع‭ ‬تأكيد‭ ‬أن‭ ‬‮«‬أزمات‭ ‬الطاقة‭ ‬المستقبلية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحبط‭ ‬طموحات‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬الانبعاثات‭ ‬الصفرية‭ ‬وجهود‭ ‬معالجة‭ ‬ظاهرة‭ ‬الاحترار‮»‬‭.‬
 

{ انتهى  }
bottom of page