top of page
1/11/2019

النفط والأطماع الأمريكية وراء تشكيل سياساتها تجاه سوريا

مازالت سياسة الرئيس الأمريكي ترامب تجاه سوريا متقلبة في قراراتها وأبعادها وأهدافها؛ فقرارته دائما غير متوقعة، ولا يمكن التنبؤ بها، وتنطلق بناءً على خطة غير واضحة المعالم؛ إذ إن تغريدته على تويتر وقراره الأخير بانسحاب قواته المتمركزة في الداخل السوري كان مثيرا للدهشة؛ نظرًا إلى تخليه عن قوات سوريا الديمقراطية، تاركا لهم مواجهة القوات التركية، ويبدو أن مرض ترامب في اتخاذ القرارات والعدول عنها بين عشية وضحاها صار سمة للرئيس الأمريكي، فهذه الأيام أمر بإعادة مجموعة صغيرة من القوات لحماية مواقع حقول النفط شرق سوريا، ما جعل بعض الخبراء يصفون الاستراتيجية الجديدة للرئيس الأمريكي في سوريا بالبعيدة عن الواقع والمشكوك في شرعيتها.
لاشك أن نفط منطقة الشرق الأوسط ظل بمثابة الأمن القومي لرؤساء الولايات المتحدة المتعاقبين؛ فالمحافظة على حقول النفط، وتأمين الإمدادات الأمريكية، ومسارات الطاقة العالمية، يعدُّ أمنا قوميا أمريكيا دائما متجددا في سياساتها، يحرص عليه كل رئيس أمريكي، ومنهم ترامب.
ولعل هذه الأهمية التي يحتلها النفط باعتباره موردا مهما هو أحد أدوات تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية تجاه العالم عموما والشرق الأوسط خصوصا، وهذا يفسر تراجع ترامب في قراراته وإرساله قوات طوارئ صغيرة، مكونة من 200 جندي و30 دبابة من طراز أبرامز لحماية معمل «غاز كونيكو»، بالقرب من مدينة دير الزور، ومواقع نفطية أخرى، لكن التساؤل محل النظر هو: هل يمكننا حصر وقصر التراجع الأمريكي في كون النفط يمثل بالنسبة إلى أمريكا أهمية قصوى، وأنه الداعي لهذا التراجع الفعلي للسيطرة على النفط السوري؟! أم أن الهدف هو الحيلولة دون وقوع حقول النفط في يد داعش؟!
لقد علل الرئيس الأمريكي منطقه من انسحاب قواته من سوريا وعودتها مرة أخرى بالخوف من عودة داعش للسيطرة على حقول النفط؛ وعبر عن هذا التخوف في تغريدة له على تويتر فقال: « لن نسمح لداعش بإعادة سيطرتها على هذه الحقول»، وهو نفس الدافع الذي أعلنه وزير الدفاع الأمريكي «مارك إسبر» حينما قال: «نحن نتخذ إجراءات لتعزيز موقعنا في دير الزور لمنع وصول «جهاديي تنظيم الدولة الإسلامية» إلى الحقول النفطية».
وقد ازدادت الغيوم ضبابية حول الأسباب الحقيقية لهذا التراجع مع تصريحات السيناتور الجمهوري «ليندسي غراهام»- المقرب من ترامب- فقد طفق يشرح الأهداف الأمريكية، حاصرا إياها في منع داعش وإيران من الاستيلاء على النفط، قائلا: «هناك خطة قيد الإعداد من هيئة الأركان المشتركة، أعتقد أنها قد تنجح، وقد يمكننا ذلك منع داعش من العودة للظهور، ومنع إيران وداعش من الاستيلاء على النفط»، إلا أنه أشار لوجود خطة تعدُّ قائلا: «أشعر إلى حد ما بأن خطة يتم إعدادها ستلبي أهدافنا الجوهرية في سوريا».
ومع ظهور هذه الدوافع، فإنه لا مفر من انتقاد قرار ترامب لنقله القوات الأمريكية من شمال سوريا إلى شرقها لعدة أسباب، إذ يمكن اعتباره خيارا سيئا؛ لأنه من المحتمل أن يفشل في تحقيق أهدافه المعلنة، المتمثلة في منع داعش ونظام الأسد من الوصول إلى النفط، كما أنه من المشكوك فيه وصول الحكومة السورية إلى الغاز وحقول النفط في الشرق من أجل تلبية احتياجاتها من الطاقة، فتقرير صحيفة واشنطن بوست، المنشور في 21 أكتوبر، يشير إلى أن سوريا تحتاج فقط إلى 150 ألف برميل يوميا لتتمكن من البقاء، وهو ما يزيد قليلا عن ضعف الـ60 ألف برميل التي تنتجها حقول النفط المحيطة بدير الزور، ومع ذلك، يُعتقد أن إيران، الحليف الوثيق وداعم نظام الأسد، توفر لسوريا كل الطاقة التي تحتاجها لتعمل بها تقريبا، نظرًا إلى عدم تمكن الحكومة من الوصول إلى حقول النفط بسبب الحرب الأهلية.
أضف إلى ذلك أن ربط هذا التراجع بالتخوف من عودة داعش غير مقبول واقعيا، ويؤكد «آرون شتاين»- من معهد أبحاث السياسة الخارجية في واشنطن- على ذلك، إذ نوَّه بأن أمريكا سوف تعاني من ضغوط شديدة في محاولة تأمين حقول النفط في هذه المنطقة الكبيرة بمثل هذه القوات الصغيرة؛ ما يجعلهم عرضة للوقوع في أيدي عناصر داعش، وقال «شتاين» عن خطة ترامب: «إن احتلال حقول النفط سيعني عزل شرق سوريا كمنطقة أمريكية يجب عليك حمايتها جويا وبريا، وحمايتها من عناصر داعش في العراق»، ويختم «شتاين» تصوره قائلا: «يمكنك بسهولة رؤية سيناريو، إذ ينتهي بنا المطاف بمزيد من القوات في سوريا أكثر مما بدأنا به»، ولكن هذا السيناريو غير مرجح لرئيس يفضل سياسة الانعزالية؛ فربما يشجع ترامب على التخلي عن المخطط بعد فترة وجيزة من تنفيذه.
وبصرف النظر عن هذه المخاطر، يعدُّ قرار ترامب وفريقه للأمن القومي بتأمين حقول النفط متناقضًا مع سياسته المعتادة حيال الشرق الأوسط، والرامية إلى سحب قواته من المنطقة، وذلك لأن النفط- في رأي صانعي السياسة الأمريكيين- لا يزال يعتبر أولوية استراتيجية مهمة، على الرغم من حقيقة أن البلاد لم تعد تعتمد عليه لدعم الاقتصاد.
وتخوفات ترامب في صيرورة النفط السوري مرة أخرى إلى داعش واعتباره مصدرا لتمويلها، ستجعل من الولايات المتحدة قوة ليست لها محل من الإعراب على الصعيد العالمي، وبخاصة أن وجود داعش سيصبح أمرا محرجا لها، ويلقي «ديفيد باتر»- من مركز «تشاتام هاوس»- الضوء على هذا التخوف قائلا: «سيكون من المحرج للغاية بالنسبة إلى الولايات المتحدة أن يبدأ تنظيم داعش الاستفادة من النفط السوري مرة أخرى»؛ حيث يُمثل ذلك دعما جزئيًا وقيمة عملية لداعش؛ ففي مرحلة ما، كانت داعش تجني حوالي 40 مليون دولار شهريًا من بيع النفط من الآبار التي استولت عليها في سوريا.
ومع العودة الوشيكة لظهور التنظيم عقب إطلاق الجيش التركي سراح معتقلي داعش من السجون التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، بات هناك قلق واسع النطاق من أن يكون هدفهم الأول هو وصول التنظيم إلى حقول النفط السورية، وعلاوة على ذلك، فإن هذا الوجود الداعشي سيمثل هزيمة رمزية لترامب، الذي ادعى مرارًا وتكرارًا أن الجيش الأمريكي قد هزم داعش نهائيًا في كل من سوريا والعراق، وإذا ثبت عدم صحة هذا الادعاء من خلال استعادة داعش لحقول النفط بعد انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، فمن المحتمل أن يلحق بترامب ضرر انتخابي بالغ قبل الانتخابات الرئاسية 2020.
وحقيقة الأمر أن النفط يحظى بأهمية خاصة في صنع السياسة الخارجية الأمريكية، لأسباب تتجاوز دوره المتمثل في تأجيج الإرهاب؛ إذ يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد، ويعدُّ محورا مهما في تشكيل سياستها وفقا لأجندتها الخارجية، ويوضح «هال راندز»- أستاذ الدراسات الدولية بجامعة «جونز هوبكنز»- ذلك بقوله: «في الوقت الحالي، أصبحت الولايات المتحدة مرة أخرى مصدرًا للطاقة ومُنتجًا بديلا في سوق النفط العالمي«، إلا أنها تظل حساسة أمام تقلبات النفط العالمية، الناجمة عن التغيرات في العرض والطلب، ويضيف «براندز» مشيرًا إلى مدى أهمية السيطرة على حقول النفط بقوله: «إنه ما دامت دول الشرق الأوسط تحتفظ باحتياطيات ضخمة من موارد الطاقة التي تضفي ثروة هائلة وقوة على من يسيطر عليها، ستبقى الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط  وضرورة إبقائه بعيدًا عن أي قوى معادية».
وهذه الاستراتيجية الجديدة تشكل من وجهة نظر «نيك هيراس»- الخبير في النزاع السوري، من مركز الأمن الأمريكي الجديد- تحولا كاملا للولايات المتحدة، التي كانت تبرر وجودها على الأرض السورية رغما عن الرئيس السوري بشار الأسد، بمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية، فهو يرى أن إدارة ترامب تحاول «جعل أفضل الموارد النفطية للبلاد رهينة واستخدامها عملة للمقايضة... من أجل إجبار نظام الأسد وحماته الروس على قبول مطالب الولايات المتحدة» خلال تسوية سياسية للنزاع السوري.
ويضيف «نيك هيراس» موضحا ملابسات التراجع الأمريكي بقوله: «مهمة الولايات المتحدة تحولت من القتال النبيل في مواجهة أكثر منظمة إرهابية مكروهة في العالم إلى مناورة وهمية لإجبار الأسد على تغيير سلوكه عبر مصادرة النفط السوري». وقد يبدو هذا التصور صحيحا مع ظهور التصريحات الروسية المنددة بالتحرك الأمريكي؛ إذ اتهمته بـ«اللصوصية»؛ فقد انتقدت بشدة وزارة الدفاع الروسية يوم السبت 27 أكتوبر- بحسب ما جاء في صحيفة الجارديان البريطانية- قرار الولايات المتحدة بإرسال مركبات مصفحة وقوات مقاتلة إلى شرق سوريا لحماية حقول النفط، واصفة إياه بـ«قطَّاع الطرق».
لقد ظلت السيطرة على نفط منطقة الشرق الأوسط بمثابة الضرورة الاقتصادية المهمة لرؤساء الولايات المتحدة المتعاقبين، رغم ظهور إنتاج النفط الصخري الأمريكي، ويبدو أن ترامب على وجه الخصوص له مصلحة قوية بالسيطرة على نفط المنطقة، ويصف «راف سانشيز»-مراسل شؤون الشرق الأوسط بصحيفة الديلي تليجراف البريطانية- هذا الأمر، مشيرًا إلى أن لدى «ترامب شغف منذ سنوات طويلة بالسيطرة على إمدادات النفط في الشرق الأوسط، ففي وقت مبكر من عام 2011. أشار دونالد ترامب إلى أن واشنطن كان عليها أن تأخذ احتياطيات الخام العراقية لتسديد تكاليف الغزو عام 2003. والذي أسفر عن انهيار نظام صدام حسين». ويبدو أن تصور ترامب- الذي يرى أن غزو الولايات المتحدة للعراق لا بد أن يكون بمقابل نفطي- لم يتغير منذ هذا الوقت، ولذلك وصل الأمر إلى درجة اقتراحه «هذا الأسبوع بضرورة انتقال إحدى شركات النفط الأمريكية الكبرى إلى سوريا، واستخراج النفط من الأراضي التي مازالت تحت السيطرة الأمريكية».
ورغم طموحات ترامب النفطية، البادية قوليا، والظاهرة فعليا، إلا أن بعض الخبراء يرون أنه من غير المرجح أن تكون هناك اهتمامات استثمارية للشركات الأمريكية بالنفط السوري، وفي هذا السياق، يقول «ديفيد باتر»- من المعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتام هاوس»-: «إن الولايات المتحدة باعتبارها قوة نفطية عظمى تعتمد على النفط الصخري لديها، والبحث عن حقول نفط صغيرة للغاية داخل الأراضي السورية لن يكون موضع اهتمام من أي من شركات النفط الأمريكية». 
ومجمل القول: لا يزال من الواضح أن ترامب مفتون بتأمين النفط في الشرق الأوسط والسيطرة عليه، ويمكن تفسير هذه السيطرة بأنها تهدف إلى منع النفط من الوقوع في أيدي النظام السوري أو داعش على أسوأ تقدير، وهنا بات بالإمكان منح الشركات الأمريكية فرص استثمارية واعدة في هذا المجال، ويدل قرار ترامب بتفويض القوات الأمريكية، التي كان من المتوقع حتى وقت قريب مغادرة الأراضي السورية، للاستيلاء على حقول النفط السورية والسيطرة عليها وحمايتها، على أهمية هذا المورد في تشكيل السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه دمشق، وهذا الرأي يتعارض مع تأكيدات العديد من المراقبين في الآونة الأخيرة؛ الذين زعموا في السابق أن نفط الشرق الأوسط لم يعد يلعب هذا الدور المحوري في حماية الأمن القومي الأمريكي.

{ انتهى  }
bottom of page