top of page

10/07/2023

هل يمكن إصلاح مجلس الأمن الدولي؟

ما بين عام 1945 في نهاية الحرب العالمية الثانية، حين قامت «منظمة الأمم المتحدة»، كوريث لعصبة الأمم؛ وعام 2023 -أي عبر نحو 78 عاما- حدثت تطورات جوهرية عديدة في بنية النظام الدولي، كان على نظام الأمم المتحدة حتى يكون نظامًا «مؤثرًا وفاعلاً»، أن يستوعبها، وإلا يصبح عاجزًا عن إقرار وتنفيذ أي توجه، وهو ما بينته أحداث الحرب الروسية الأوكرانية، المهددة للأمن والسلم الدوليين، وانفتاحها على العديد من الاحتمالات، بما فيها احتمال الحرب النووية، فضلاً عن تداعياتها الاقتصادية التي تعاني العديد من دول العالم ويلاتها.

ويقف في مقدمة نظام الأمم المتحدة، الذي يحتاج إلى إصلاح وتغيير، نظام «مجلس الأمن». فإذا كانت تركيبة هذا المجلس تعكس ميزان القوة في عام 1945، التي تهيمن فيه الدول الخمس الدائمة العضوية صاحبة حق الفيتو، التي خرجت منتصرة في الحرب العالمية الثانية على ألمانيا واليابان؛ فإن إصلاح هذا النظام لا بد أن يعكس موازين القوة الجديدة في العالم، وخاصة أن هذا النظام ظهر من ممارسته أنه يحمي القوي، ويتجاهل حق الضعيف، ويحبس مصير الإنسانية في قرارات هذه الدول الخمس، التي صارت ترسم وتدير سياسات العالم.

علاوة على ذلك، فإن دعاوى دمقرطة السياسة الدولية، كأحد أوجه الإصلاح، تقتضي في تركيبة مجلس الأمن، تمثيل قوى مختلفة من القارات المختلفة. فليس من المعقول أن تبقى إفريقيا أو أمريكا اللاتينية أو المنطقة العربية غير موجودة في شغل المقاعد الدائمة. وحيث أثبتت العديد من الأزمات الدولية تعطل مجلس الأمن وعجزه عن إصدار قرار، بسبب إعمال حق الفيتو؛ فإن من أهم قرارات الإصلاح، هو إزالة هذا الحق، فلا يجوز أن يمتلك البعض حق تعطيل قرارات الأغلبية، وقد يكون البديل نظاما للتصويت، يكفل أحجامًا وأوزانًا مختلفة، تعكس نوعًا صارمًا من الرقابة وحماية مصالح الأعضاء الضعفاء غير الممثلين فيه.

وفي اجتماع «الجمعية العامة للأمم المتحدة»، في 2022، أعلن الرئيس الأمريكي، «جو بايدن»، دعمه لضم مقاعد دائمة للمجلس، بما فيها حصص لدول إفريقية، ودول من أمريكا اللاتينية، كما دعا الدول الأعضاء إلى الحد من استخدام حق الفيتو، وتحديده في أوضاع نادرة وغير عادية. وقبيل انعقاد «الجمعية العامة للأمم المتحدة»، في الخريف القادم؛ تسعى الدبلوماسية الأمريكية لخلق توافق حول توسعة مجلس الأمن، بإضافة 6 مقاعد جديدة، دون أن يكون لها حق الفيتو. وكانت «واشنطن»، قد عبرت عن دعمها لضم «اليابان»، و«ألمانيا»، و«الهند»، كأعضاء دائمين. فيما دعمت «بريطانيا»، و«فرنسا»، ضم «اليابان، والهند، وألمانيا، والبرازيل، ودولة إفريقية واحدة على الأقل»، غير أن هذه الاتجاهات لم تقترب من حق الفيتو للخمس الكبار. 

ومن المعلوم، أن توسيع «المجلس»، يقتضي موافقة 128 دولة من الـ193 أعضاء الجمعية العامة. ولأنه يحتاج إلى تغيير ميثاق الأمم المتحدة، فيجب أن توافق عليه الدول دائمة العضوية صاحبة حق الفيتو. وفيما قدمت «روسيا»، و«الصين»، دعمًا اسميًا لتوسيع المجلس، فإن الأخيرة تأمل في منع حصول طوكيو على مقعد دائم. وعليه، فإن استخدام «حق الفيتو»، قد يُفشل تلك المقترحات، ونعود إلى نقطة البداية، من حيث خضوع النظام الدولي لشروط المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، واستمرار دول الجنوب مسرحًا يتنافسون عليه، وساحة حروب وصراعات يديرونها، ويصبح هذا الحق، مصدرًا لاستدامة الحروب والصراعات والنزاعات من دون حلها. 

وفي نظام «مجلس الأمن»، الحالي، يحتكر الخمسة الكبار القوة السياسية والتشريعية في النظام الدولي، الذي غدا يحقق مصالحهم، ولا يمثل القيم الدولية، فيما قد تكون هذه الحروب والصراعات والنزاعات محققة لمصالح بعضهم أو أحدهم بغض النظر عن مصالح الدول الأخرى (كالحرب على أفغانستان والعراق في 2003)، بل إنه ليس من المبالغة القول إن الأمم المتحدة برمتها قد صارت مؤسسة تعمل عندما يقرر «البيت الأبيض»، أن لها دورا في حماية المصالح الأمريكية. وفي أزمة أوكرانيا الحالية، لا توجد أي إشارة ذات مغزى لدور الأمم المتحدة، ما دعا العديد من القوى الصاعدة، التي تسعى إلى التخلي عن الهيمنة الأمريكية إلى البحث عن بدائل لا تأتمر بأمرها.

وفيما تستمر المحاولات والدعوات المطالبة بإصلاح مجلس الأمن؛ فقد اعتمدت «الجمعية العامة للأمم المتحدة»، بالتوافق قرارًا، بشأن مواصلة المفاوضات الحكومية الدولية، حول مسألة إصلاح المجلس خلال الدورة القادمة، ما يتيح للدول الأعضاء مواصلة العمل بشكل جماعي، وصولاً إلى صياغة تفاهم مشترك يوفر الأرضية اللازمة للتوصل إلى حل توافقي، يؤدي إلى إصلاح حقيقي وشامل له. من جانبها، رحبت «المجموعة العربية»، بهذا القرار من خلال كلمتها، التي ألقاها السفير «جمال فارس الرويعي»، المندوب الدائم لمملكة البحرين لدى الأمم المتحدة بنيويورك، بصفته منسق المجموعة العربية في نيويورك لمسألة إصلاح مجلس الأمن، فيما تمثل «الكويت»، و«جمهورية النمسا»، الرئاسة المشاركة لتلك المفاوضات الحكومية الدولية. 

وعملا على تسهيل المفاوضات، وإثراء النقاش حول قضية إصلاح مجلس الأمن بالغة الأهمية، اتسمت الخطوات المتخذة بالشفافية والشمولية. ومن جانبه، أكد «الرويعي»، أن هذه المفاوضات هي المحفل الوحيد للتوصل إلى اتفاق حول توسيع وإصلاح المجلس، والسعي إلى حل يحظى بأوسع قبول سياسي ممكن، بما يحفظ مبدأ ملكية الأعضاء للمفاوضات، وبيّن أنه رغم وجود تقارب في المواقف بين الدول الأعضاء تجاه العديد من العناصر، إلا أن هناك مزيدا من العمل يتعين القيام به من أجل تقريب وجهات النظر وتقليص الفجوة حيال العناصر الأخرى، وجدد التأكيد على موقف المجموعة، الذي يطالب بتمثيل عربي واضح بكامل الصلاحيات في فئة المقاعد الدائمة في حال أي توسع مستقبلي للمجلس، بما يحقق عدالة التمثيل. وفيما تتطلع «المجموعة العربية»، إلى مواصلة النقاش خلال الدورة القادمة للمفاوضات الحكومية الدولية، فقد أكد عزمها على الاستمرار في المشاركة بفعالية وإيجابية؛ بهدف التوصل إلى إصلاح حقيقي وشامل لمجلس الأمن في إطار من الشفافية. 

وفي الاجتماع الثاني للمفاوضات الحكومية الدولية خلال الدورة 77 للجمعية العامة للأمم المتحدة في 17 فبراير الماضي، أكد «الرويعي»، إصرار المجموعة العربية على تحقيق إصلاح حقيقي وجذري لمجلس الأمن، بصفته الجهة المسؤولة عن حفظ السلم والأمن الدوليين، ليصبح أكثر قدرة وفعالية على مواجهة التحديات ذات الصلة، في إطار أكثر تمثيلاً وشفافية وحيادية ومصداقية. فيما دار هذا الاجتماع حول قضايا التمثيل العادل، وتوسيع العضوية، والمسائل ذات الصلة بالمجلس، مشيرا إلى أن توسيع العضوية هو ضمان أن تكون كل المناطق الجغرافية والإقليمية، ممثلة بشكل عادل ومتناسب في تكوين المجلس، إضافة إلى تمثيل عربي مناسب في فئة المقاعد غير الدائمة.

ومن المعلوم، أن «مجلس الأمن»، كان يصدر قرارات حين كان يحدث توافق بين الكتلتين الشرقية والغربية أثناء الحرب الباردة، كزيادة عدد الأعضاء غير الدائمين في المجلس إلى 10 أعضاء في 1965، وإحلال الصين الشعبية محل تايوان في المقعد الدائم في 1971، وشغل الاتحاد الروسي مقعد الاتحاد السوفيتي الدائم في 1991، كما كان يصدر مثل هذه القرارات في فترة قبول الهيمنة الأمريكية بعد انتهاء الحرب الباردة. ودون ذلك وقف «المجلس»، عاجزًا، وبات العالم يحتاج إلى إدارة سياسية لا تشغلها الأمم المتحدة، ولا يقوى على التصدي لتوليها مجلس الأمن بوضعه الحالي الذي يحتكر فيه الخمس الكبار القرار العالمي.

 وقد اتجهت مبادرات إصلاح المجلس، نحو توسعة عضويته بإضافة 4 أو 5 دول جديدة بعضوية دائمة، وحق فيتو، أو التوسيع وإلغاء حق الفيتو، واتخاذ القرار بالأغلبية، بحيث لا يكون هناك فيتو يحول دون اتخاذ القرار، ولم يحدث أي شيء حتى الآن، كما لم يعد لاجتماعاته مغزى. وعدنا في الحرب الروسية الأوكرانية إلى فترة ما قبل الأمم المتحدة، بل إلى فترة ما قبل عصبة الأمم، وأصبحت الحروب شديدة السهولة، وعادت سباقات التسلح من جديد تهيمن على اهتمامات دول العالم، وقد تكون نقطة البداية في تجنب العالم الانزلاق إلى عصر الغاب، هي نجاح وساطات إنهاء الأزمة الروسية الأوكرانية، ثم الانتقال بعد ذلك إلى إحداث قناعة لدى الأطراف أصحاب حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي بقبول أجندة الإصلاح التي تعيد إلى المجلس دوره، الذي نشأ من أجله في حفظ الأمن والسلم الدوليين.

ولعل من أهم توجهات الإصلاح، ليس فقط توسيع العضوية والتمثيل العادل لقوى العالم المختلفة، ولكنه ذلك المتعلق بحق الفيتو، الذي طالما أسيء استخدامه، كما جاء في التزام «الولايات المتحدة»، الواضح لمنع تبني قرارات الأمم المتحدة، التي تدين تصرفات الحكومة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة والدول العربية المجاورة. وما بين 1972 حتى 2021 على سبيل المثال، استخدمت «واشنطن»، حق الفيتو لحماية إسرائيل من الإدانة الدولية في 53 محفلاً دوليًا على الأقل، بما في ذلك التصدي للإجراءات العالمية ضد المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية.

على العموم، إذا كان توسيع مجلس الأمن قد حظي بقبول الأعضاء الخمس الدائمين، فإنه لم يحدث توافق بعد بينهم حول ما إذا كان التوسع يشمل توسع المقاعد الدائمة، وحول عدد المقاعد الجديدة، فيما يبقى الإصلاح الهيكلي الحقيقي هو المتمثل في إنهاء احتكار هذه الدول حق الفيتو. 

وفي حين أنه من المستبعد أن يتخذ الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن قرارات تؤدي إلى تقويض صلاحياتهم في المجلس، فإنه يبقى الأمل في التوصل إلى تحديد الحالات التي يستخدم فيها هذا الحق على سبيل الحصر، وتحييد الأطراف المتنازعة من الدول الخمس صاحبة حق الفيتو عن التصويت في قرارات بشأن هذا النزاع.

{ انتهى  }
bottom of page