top of page
11 / 6

العدد 43 خريف 2005

افتتاحية العدد: القومية العربية .. تراجع أم احتضار؟

يبدو المشهد العربي الراهن مدعاة للإحباط واليأس الشديدين لدى الحريصين على الحفاظ على هوية وانتماء هذه الأمة، ومصدر ارتياح كبير لدى كل من يعتبر العروبة، لأسباب عقائدية أو سياسية أو مصلحية، عدوًا لابد من التخلص منه .. إنها حرب شرسة تشهدها الأمة حاليًا على جبهات عدة في الخارج والداخل لتقويض هويتها، ونزع عروبتها، وضرب مكامن قوتها، وتفتيت وحدتها؛ لتكون غير قادرة على التصدي والمواجهة ـ وصلت ذروتها مع بروز قوى وتيارات سياسية تتنكر للعروبة وتطالب صراحة بنزع بلادها من تحت مظلة الهوية العربية باعتبارها السبب الأوحد لما آل إليه الواقع العربي من ضعف واستسلام! بشكل يدعونا للتساؤل: هل تشهد نزعة القومية العربية مرحلة جديدة من التراجع أم أنها دخلت بالفعل مرحلة الاحتضار والتلاشي؟.

لقد نشأت فكرة "القومية العربية" منذ بدايات القرن الماضي لتشكل إطارًا لحشد وتوحيد الشعوب العربية التي تجمعها لغة واحدة وثقافة وتاريخ مشتركان، وتوحدًا في المصير والآمال، ثم انتقلت من مجرد توجه "يوتوبي" يطرح فكرة الوحدة العربية طرحًا عاطفيًا إلى حركة مؤطرة على المستويين الفكري والتنظيمي بفضل جهود اثنين من أبرز منظري الفكر القومي العربي، وهما: "ميشيل عفلق" و"صلاح البيطار" اللذان أسسا في عام 1934 "جماعة الإحياء العربي" التي أصدرت مجلة الطليعة قبل قيامهما عام 1947 بتأسيس حزب "البعث العربي"، والذي كان في نشأته ومساره متأثرًا بالتجارب القومية الغربية وبخاصة الفرنسية والألمانية، بيد أن هذه الفكرة اكتسبت زخمًا قويًا مع تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945 والتي مثلت أول وأهم إطار رسمي جامع لتجسيدها ووضعها موضع التطبيق، ووصلت ذروتها إبان المد القومي الناصري في أواخر خمسينيات القرن الماضي، والذي تخللته بعض المحاولات الوحدوية وعلى رأسها الوحدة المصرية ـ السورية التي مثلت ذروة توهج المد القومي العربي.

غير أن هذا التوجه القومي العروبي بدأ يشهد منذ مطلع ستينيات القرن الماضي سلسلة من الضربات القوية والمتلاحقة، والتي أدت إلى خفوته تدريجيًا، وكانت البداية فشل مشروع الوحدة بين مصر وسوريا وحدوث الانفصال بينهما عام 1961؛ حيث ظهرت حملة قوية من الكتابات التي استهدفت تسفيه الوحدة العربية والطعن في الدعوة إليها وتحميل أخطاء المسؤولين في دولة الوحدة على فكرة الوحدة نفسها، ثم تلاها نكسة يونيو 1967، والتي مثلت بدورها نكسة للمشروع القومي بعد أن حمّلها الكثيرون أيضًا على التوجهات القومية والوحدوية التي كان يتبناها الزعيم الراحل "جمال عبد الناصر"، ثم جاء الغزو العراقي للكويت عام 1990 ليحدث شرخًا عميقًا في جدار التضامن العربي، ويطيح بكثير من مسلمات العمل العربي المشترك، ويوجه ضربة قاصمة لمفهوم الأمن القومي بعد انتفاء الحديث عن مصادر تهديد مشتركة لهذا الأمن طالما أن التهديد أصبح من الممكن أن يأتي من داخل النظام العربي ذاته، ومن ثم أدى إلى تراجع الثقة والحماس في دعاوى الوحدة والقومية العربية، لاسيما وأن من قام بالغزو كان يرفع الشعارات التي تنادي بالوحدة والحفاظ على الهوية العربية، ظاهريًا على الأقل!.

بيد أن اللافت أنه رغم تلك الضربات القوية التي تعرضت لها نزعة القومية العربية، والتي وصلت بالكثيرين إلى مرحلة القنوط من الفكرة وتوجيه النقد العنيف لها، بل والسخرية منها أحيانًا، إلا أنها لم تصل في أي وقت من الأوقات إلى حد الدعوة للقضاء على هذه النزعة والانسحاب من العروبة والتنكر للهوية العربية مثلما هو حادث الآن بدعم وتشجيع واضحين من بعض القوى الخارجية وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، ومؤشرات ذلك عديدة، نرصد أبرزها على النحو التالي:

1ـ تصاعد الضغوط الأمريكية الرامية إلى القضاء على النزعة القومية ومن ثم الهوية العربية في إطار جهودها لتغيير واقع المنطقة وإعادة رسم خريطتها السياسية طبقًا لتصورها الخاص، وتجسيدًا لذلك طرحت إدارة "بوش" في فبراير 2004 مشروعها المثير للجدل حول "الشرق الأوسط الكبير أو الموسع" الذي تبنته قمة مجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى في يونيو من نفس العام؛ حيث يرمي هذا المشروع الذي يعد امتدادًا للمشروع الذي طرحه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق "شيمون بيريز" عن الشرق أوسطية، إلى الإجهاز على فكرة القومية العربية وأية أطر يمكن أن توحد العرب بحيث يسهل دمج إسرائيل في المنطقة، وهو هدف ليس بالجديد، فقد عبر عنه المسؤولون الإسرائيليين أكثر من مرة ومنهم "أبا إيبيان" الذي قال في أواخر عام 1968: "يجب أن يكون واضحًا أن مصير المنطقة العربية لا يمكن أن يكون الوحدة، بل العكس .. إنه الاستقلال القائم على التجزئة".

 كما يرمي هذا المشروع إلى إحياء النزعات الطائفية والعرقية وإعلائها على النزعة القومية بما يسهل تفتيت مكونات هذه الأمة وتقطيع أوصالها، إضافة إلى القضاء على القوى السياسية التي ترفع شعارات القومية العربية مثل القوميين العرب والناصريين والبعثيين ... إلخ، وفي هذا الإطار يمكن تفهم الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد العراق واحتلاله ثم القرار الخاص بـ"اجتثاث حزب البعث" الذي أصدره الحاكم المدني الأمريكي بعد الغزو مباشرة، وكذلك الضغوط القوية التي تمارسها واشنطن حاليًا على حزب البعث الحاكم في سوريا، إضافة إلى الإصرار الأمريكي على نزع الهوية الثقافية للأمة العربية من خلال التركيز على إصلاح وتغيير مناهج التعليم في العالم العربي وتغيير المنظومة القيمية والثقافية للمجتمعات العربية.

2ـ طمس الهوية العربية لبعض الدول العربية استجابة لمطالب قوى وأقليات عرقية لها توجهاتها في الانفصال والاستقلال، ويقدم العراق نموذجًا صارخًا في هذا الشأن، فمسودة الدستور العراقي الجديد التي سيتم الاستفتاء عليها منتصف أكتوبر الحالي 2005 تحاول أن تقصر هوية هذا البلد العربية على العراقيين العرب دون سواهم بالنص على أن: "الشعب العربي في العراق جزء من العالم العربي"، أي أنه يحاول أن ينفي الانتماء العربي عنه كدولة، ويقصره على فئة محدودة، وذلك في تنازل واضح لحساب أقلية غير عربية هي الأقلية الكردية.

وفي السياق ذاته، طرح بعض النشطاء السوريين مشروعًا لدستور جديد لسوريا يتضمن حذف كلمة "العربية" من اسم الدولة لتصبح "الجمهورية السورية" بدلاً من "الجمهورية العربية السورية"، وقد يجد هذا المشروع طريقه إلى حيز التطبيق إذا أصرت إدارة "بوش" على المضي قدمًا في مخططاتها لإسقاط النظام السوري وحزب البعث الحاكم الذي يعتبره البعض أخر المعاقل التي ترفع شعارات الوحدة والقومية العربية.. ويبدو من المؤشرات القائمة أن واشنطن عازمة على تنفيذ هذا الأمر.

3ـ ظهور أحزاب مغرقة في القطرية وتنبذ فكرة القومية والعروبة، من ذلك محاولة تأسيس حزب في مصر على أساس فرعوني باعتبار أن مصر انتماءاتها وهويتها فرعونية وليست عربية!، وبعض الأحزاب في العراق التي تحمل نفس التوجهات القطرية مثل "حزب الأمة العراقي" والأحزاب القومية الأخرى الكردية والتركمانية والأشورية .. إلخ والتي ترفض الهوية العربية، فضلاً عن الترويج لشعارات قطرية في جوهرها كـ "الأردن أولاً"، و"مصر أولاً"، و"لبنان أولاً" ... إلخ.

4ـ تهديد بعض الدول العربية بشكل رسمي بالانسحاب من الجامعة العربية، بدعوى أنها فشلت في تحقيق أي من الأهداف التي أنشئت من أجلها، والمثال الواضح على ذلك ليبيا التي هددت أكثر من مرة بالانسحاب، وتخلت رسميًا عن بعدها القومي وتوجهت نحو القارة الإفريقية في خطابها الرسمي، ونحو الغرب الأوروبي والأمريكي في توجهها الفعلي.

5ـ اتجاه عدد من الكتاب العرب ـ وللأسف بعضهم من المحسوبين على التيار القومي ـ إلى تسفيه الفكر القومي ومحاربته من خلال الاسترسال في الحديث عن "سلبيات القومية العربية وكوارثها وظلامها وانتهاء دورها".  وقد أورد الكاتب "شبلي العيسمي" في مقاله بصحيفة الحياة اللندنية يوم 19/4/2005 بعض النماذج لمثل هذا النوع من الكتابات، والتي حملت مقولات مثل.. "أن الفكر القومي ينطلق من تصور خيالي لأمة عربية افتراضية لا صلة لها بالشعوب العربية"، ومقولات أخرى تصف فكرة القومية العربية بأنها "حالة فاشية" و"فات زمنها" و"وهم كبير" ... إلخ.

إن جميع هذه المؤشرات تؤكد أن الأمة العربية تعيش حربًا شرسة تستهدف نزع عروبتها وطمس هويتها، وهذه الحرب يتم شنها على جبهتين؛ الأولى: خارجية وتقودها الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث لم يعد خافيًا أن أحد الأهداف الأساسية للمشروع الاستعماري الأمريكي ـ الصهيوني في المنطقة هو القضاء على مفهوم القومية كأساس للهوية العربية، واستبداله بإطار أوسع قائم على فكرة التقسيم والتجزئة حتى تستطيع إسرائيل فرض هيمنتها الإقليمية على المنطقة بالتحالف مع المشروع الأمريكي الساعي للهيمنة على المنطقة والعالم. أما الجبهة الثانية فهي داخلية تقودها بعض القوى والتيارات التي لها أهدافها ومصالحها الفئوية الذاتية، وهي غالبًا ما تكون متحالفة مع قوى خارجية تريد النيل من هذه الأمة، سواء بقصد أو من دون قصد.

ومن هنا، فإن هذه الأمة بمثقفيها وسياسييها وكافة شرائحها وقواها، مطالبة بالتنبه لخطورة هذه الحرب الضروس التي تشن ضدها، والعمل بشكل جاد على كسبها، وذلك من خلال التحرك في مسارات ثلاثة؛ يتمثل أولها: في العمل على إحياء وترسيخ مفهوم القومية العربية ومحاربة أية أفكار انهزامية أو تآمرية تستهدف النيل منه أو تحميله مسؤولية ما آل إليه وضع هذه الأمة الآن، فالخطأ ليس في القومية العربية أو الفكر القومي الوحدوي الذي كان أداة تحررية للتخلص من نير الدولة العثمانية ثم الاستعمار الأوروبي، كما كان أداة تحديثية تستهدف إعادة تأسيس المجتمع العربي على أسس تكاملية حديثة غير طائفية أو عشائرية، وإنما الخطأ كان في التطبيق والممارسات الخاطئة لبعض الأنظمة والتيارات السياسية، فلا يمكن على سبيل المثال أن نحمل فكرة القومية أخطاء وممارسات نظام "صدام حسين" حتى وإن كانت تلك الممارسات قد تمت تحت شعارات ومزاعم القومية والتوجه العروبي.

ويتمثل ثاني هذه المسارات في التحرك السريع لوقف المخططات التي تحاك ضد العراق وتستهدف طمس هويته وسلخه من جذوره وانتمائه العربي والحيلولة دون تقسيمه، لما لذلك من تداعيات كارثية ليس على العراق وحده بل أيضًا على جميع دول المنطقة، والتصدي كذلك للضغوط التي تتعرض لها سوريا والعمل على منع تكرار السيناريو العراقي معها. وينبغي الإشارة في هذا السياق إلى الاجتماع المهم الذي عقدته اللجنة الوزارية العربية الخاصة بالعراق في جدة يوم 2/10/2005، والذي أسفر عن عدة نتائج يمكن اعتبارها بداية مرحلة جديدة من التحرك العربي الجاد لاحتواء تطورات الأوضاع في هذا البلد؛ حيث قررت اللجنة إيفاد الأمين العام لجامعة الدول العربية "عمرو موسى" إلى بغداد للقاء مختلف الأطراف العراقية والتحضير لعقد مؤتمر وطني للمصالحة تحت إشراف الجامعة، وهو ما علق عليه وزير الخارجية السعودي الأمير "سعود الفيصل" بقوله: "لقد آن الأوان لتنتهي حالة الغياب والتغييب للمبادرات العربية بخصوص الوضع في العراق".. ونأمل أن يكون الأمر كذلك.

أما المسار الثالث والأهم فيتمثل في العمل على إصلاح الجامعة العربية وتدعيم دورها باعتبارها تجسيدًا لمفهوم الهوية العربية ولطموحات هذه الأمة، والخروج بها من حالة الضعف والتهميش إلى دائرة الفعل والتأثير، حتى تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات والمخاطر المحدقة بها على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية، والتي باتت تهدد ليس فقط مصالحها وأهدافها بل مصيرها ووجودها ذاته.. فهل يستفيق الجميع ويدركون حقيقة المخاطر التي تتعرض لها الأمة ويتحركون لمواجهتها وترسيخ هويتهم ووجودهم على الساحة الدولية، أم تستمر حالة الضعف والتخاذل العربي، لتدخل هذه الأمة بحضارتها وهويتها مرحلة الاحتضار والتلاشي؟.

العدد 42 صيف 2005

 

افتتاحية العدد: الانتخابات الرئاسية الإيرانية.. ومستقبل العلاقات مع دول الخليج

تشكل الانتخابات الرئاسية الإيرانية التاسعة التي جرت في السابع عشر من شهر يونيو 2005 بداية حقبة جديدة في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لأسباب عدة: أولها: أنها تعد أول انتخابات تسفر عن فوز شخصية من غير رجال الدين في إيران(محمود أحمدي نجاد)، وذلك منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. ثانيها: أنها جاءت تأكيدًا للفوز الذي حققه المحافظون في انتخابات مجلس الشورى خلال الدورة الأخيرة التي جرت في فبراير من العام 2004، الأمر الذي يعني معه حدوث تناغم بين جميع مؤسسات الحكم في طهران، وما يرتبط بذلك من احتمالات العودة إلى الحكم المطلق في إيران ليشكل بذلك ملامح الجمهورية الإسلامية الرابعة. وثالثتها: أنها جاءت في ظل ظروف إقليمية ودولية أكثر تعقيدًا عن أي انتخابات سابقة، وقد تؤثر بدرجة كبيرة على ملامح المرحلة القادمة، بل وربما على مستقبل النظام الإسلامي القائم منذ ثورة الإمام "الخوميني"، حيث أتت بعد سقوط نظام صدام حسين (العدو اللدود لنظام الملالي في إيران)، ووجود القوات الأمريكية بالقرب من الحدود الإيرانية، ومحاولات واشنطن توظيف هذا لمحاصرة طهران والضغط عليها في ملفات عديدة في مقدمتها الملف النووي والملف العراقي، ومنعها من امتلاك أي تكنولوجيا نووية متقدمة، وتحييد دورها في العراق الذي يشهد حالة من الانفلات الأمني.

وتأسيسًا على ما سبق، فقد أثارت هذه الانتخابات العديد من التساؤلات، بعضها يتعلق بالداخل الإيراني ومستقبل الصراع بين تياري الإصلاح والتشدد هناك، وبعضها الآخر ـ والأهم ـ ينصرف إلى تداعيات نتائج هذه الانتخابات على علاقات طهران الخارجية، وتحديداً العلاقات بدول مجلس التعاون الخليجي، وبصفة خاصة على قضية الجزر المتنازع عليها مع دولة الإمارات العربية المتحدة.

خاض سباق الرئاسة الإيرانية ستة مرشحين، وافق على ترشيحهم مجلس صيانة الدستور، وهم حسب دور ومكانة كل منهم على الساحة الداخلية، كالتالي: الرئيس السابق "هاشمي رافسنجاني" رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، و"مهدي كروبي" رئيس البرلمان السابق، و"على لاريجاني" ممثل المرشد الأعلى في المجلس الأعلى للأمن القومي، و"محمد باقر قاليباف" قائد الشرطة السابق، "محسن رضائي" القائد السابق لحرس الثورة، و"محمود أحمدي نجاد" عمدة طهران.

وقد جرت الجولة الأولى للانتخابات في السابع عشر من شهر يونيو 2005 بين المرشحين الستة، وكشفت نتائج تلك الجولة النقاب عن العديد من المفاجآت: أولها ارتفاع نسبة الإقبال على التصويت، والتي بلغت 62.66% حسب التقديرات الرسمية، وهي نسبة فاقت كل التوقعات التي كانت تشير إلى أنها لن تتعدى الـ50% لتوقع عزوف نسبة كبيرة من الشباب ـ الذين يمثلون أكثر من 70% من إجمالي السكان ـ عن المشاركة بسبب حالة الإحباط الشعبي والإحساس بأن التصويت لن يحدث تغييرًا حقيقيًا على المستويين السياسي والاقتصادي، علاوة على تحريض رموز المعارضة الإصلاحية للجماهير على مقاطعتها احتجاجًا على قرار مجلس صيانة الدستور باستبعاد أكثر من 1000 مرشح. ثانيها: أن أيًا من المرشحين لم يحصل على الأصوات الكافية للفوز بمنصب الرئيس، حيث حصد كل من رافسنجاني ونجاد على أعلى الأصوات، فالأول حصل على قرابة 21.2% من الأصوات، بينما حصل الثاني على قرابة 19.47%، ولم يكن متوقعًا له أن يحقق هذه النسبة من الأصوات، وذلك لاحتلاله مركزًا أدنى بكثير في استطلاعات الرأي السابقة على إجراء الانتخابات، ولذا استحق بجدارة لقب "الحصان الأسود" للمحافظين في الجولة الأولى من الانتخابات. ثالثها: خسارة جميع ممثلي التيار الإصلاحي الثلاث وحصولهم جميعًا على نسب متدنية من الأصوات لم تتجاوز 35.47% فقط من إجمالي الأصوات؛ حيث احتل رئيس مجلس الشورى السابق "مهدي كروبي" المركز الثالث في ترتيب المرشحين في الانتخابات بعد حصوله على 17.28% من الأصوات، فيما جاء "مصطفى معين" مرشح جبهة المشاركة ـ التي يتزعمها "محمد رضا خاتمي" شقيق الرئيس خاتمي ـ في المركز الخامس بنسبة 13.8%، واحتل "محسن علي مهر زاده" ـ الرئيس السابق للاتحاد العام للشباب والرياضة ـ المركز الأخير بنسبة 4.39% فقط. 

وجاءت نتائج الجولة الثانية من الانتخابات التي أجريت في الرابع والعشرين من شهر يونيو 2005 لتمثل مفاجأة كبرى على كافة الأوساط؛ حيث فاز فيها نجاد وحصل على 61.69% من أصوات الناخبين، فيما حصل منافسه هاشمي رافسنجاني على 35.92%، أما النسبة الباقية من الأصوات فكانت باطلة . وبلغت نسبة المشاركة في جولة الإعادة 59.7%، وهي أقل من نسبة المشاركة في الجولة الأولى التي بلغت 62.66% حسب التقديرات الرسمية.

ولعل أهم دلالة جسدتها نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية هي ما يمكن أن يطلق عليه نهاية عصر الإصلاح في إيران وبزوغ نجم المحافظين الجدد في السياسة الإيرانية، وما يرتبط بذلك إجمالاً من عودة التيار المحافظ ليسيطر على جميع مؤسسات صنع القرار، وقد أسهمت عدة عوامل في إلحاق الهزيمة بالتيار الإصلاحي، وتراجع شعبيته إلى هذه الدرجة، أهمها: انهيار مصداقية الإصلاحيين أمام الرأي العام الإيراني، بسبب فشلهم في تحقيق خطوات إصلاحية ملموسة خلال السنوات الأخيرة كان الشعب الإيراني يتطلع إليها، وهو ما يفسر تجاهل الناخبين للدعوات التي أطلقها التيار الإصلاحي بمقاطعة الانتخابات؛ حيث ارتفعت نسبة المشاركة، الأمر الذي قلل بدوره من أهمية الاتهامات الموجهة للانتخابات بكونها غير ديمقراطية وغير نزيهة، وعززت من مواقف التيار المحافظ. فضلاً عن تنامي شعور شعبي سلبي تجاه الرئيس خاتمي ليس لكونه رئيس الدولة الإصلاحي بل كرمز ارتبطت به تجربة الإصلاح ذاتها، فقد صدم الرجل الإيرانيين المتعطشين للإصلاح بمواقفه الضعيفة أمام المحافظين، والتي اتضحت لدى موافقته على إجراء الانتخابات التشريعية الأخيرة على الرغم من منع "أنصاره" من الترشح، وحذره المفرط تجاه أي قضية خلافية مع خصومه، مما دعم فكرة أن سيرة الرئيس خاتمي تشير إلى كونه فيلسوفًا أكثر منه سياسيًا، فالرئيس الذي يتمتع بثقافة هائلة أهلته لإدارة المكتبة الوطنية العامة وتقلد حقيبة وزارة الثقافة قبل أن يصبح رئيسًا فشل في الوفاء بما وعد به من إصلاحات، وأصاب أنصاره الذين ساعدوه في الفوز بمنصب الرئاسة أملاً في تحسين الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتدهورة بالإحباط، مما أدى لتدهور شعبيته، وهو ما أكدته استطلاعات الرأي التي أشارت إلى تراجع شعبية خاتمي إلى 42% مقارنة بـ 75% عام 1998.

وفي المقابل، فإن عدة عوامل أسهمت في فوز المحافظين وممثلهم " نجاد" في الانتخابات الرئاسية، كان أبرزها: الدعم المنظم من جانب المؤسسات المحافظة، وأهمها: "الحرس الثوري"، وميليشيات "الباسيج"، والتي وقفت بكل قوتها خلف "نجاد" من أجل إنجاحه. كما اتسم البرنامج الانتخابي لنجاد بالتركيز والاهتمام بالشأن الداخلي الذي يهم المواطن مباشرة والابتعاد قدر المستطاع عن المشاكل الإقليمية ومخاطبة الشعب وبالخصوص الشباب عبر الحاجات الرئيسية، ولهذا نجح في استقطاب الطبقات الفقيرة والمحرومة في المجتمع الإيراني، بل وأصبح يستمد شعبيته من هؤلاء الفقراء المتدينين بوعود قدمها بتقسيم ثروات النفط الإيرانية بطريقة أكثر عدلاً، بل أنه أطلق على صفحته الخاصة على الإنترنت لقب "ماردوميار" أو صديق الشعب، كما يشتهر بحياته البسيطة وشن حملة ضد الفساد. هذا وتدعم نجاد مجموعة من الشبان من الجيل الثاني للثورة تُعرف باسم "أبادجاران" أو "التنمويين" الذين يشكلون قوة في البرلمان الإيراني. 

ويمكن القول إن الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة دشنت لحقبة جديدة في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي الجمهورية الرابعة، والتي ستكون تجسيدًا لرؤية تيار المحافظين الجدد في إيران، الذي يتبنى رؤية أكثر انفتاحًا ومرونة من التيار المحافظ التقليدي، حتى أنصار هذا التيار يصفون أنفسهم بالإصلاحيين الحقيقيين، وهم تكنوقراط يغلب عليهم التخصص العلمي والثقافي، ويحظون بدعم ضمني من المرشد الأعلى " علي خامنئي"، كما يحظى هؤلاء بشعبية واسعة في أوساط الطبقة الوسطى والنساء والطلاب والبيروقراط التي سئمت من ترديد أفكار لم يستطع متبنوها القضاء على الأمراض السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعنوية التي أصابت إيران في الفترة الأخيرة.

ورغم أنه من المبكر الحديث عن أية تداعيات خارجية لنتائج الانتخابات الأخيرة في إيران، فإن نجاح مرشح محافظ من شأنه أن يؤكد سيطرة التيار المحافظ على كافة مؤسسات الدولة، بداية من مرشد الثورة ومجلس الشورى والمؤسسة القضائية والحرس الثوري، و من الطبيعي أن تتسم علاقات إيران الخارجية بسمات هذا الاتجاه، ويغلب عليها منطلقاته الفكرية؛ إذ إن وجود رئيس متشدد سيزيل التأثير المعتدل على صنع القرار الذي كان يمارسه الرئيس المنتهية ولايته محمد خاتمي في أغسطس المقبل 2005 ، الأمر الذي قد يعني دخول الجمهورية الإيرانية مرحلة جديدة من علاقاتها الخارجية على كافة الأصعدة.

وحتى مع إدراك أن قرارات الرئيس في إيران لا تنفذ إلا بإرادة مرشد الثورة، فإن التقارب الفكري بين مرشد الثورة "آية الله علي خامنئي" و"نجاد" وبقية المؤسسات الأخرى، تضمن صدور قرارات متناغمة، ولكنها في الوقت ذاته تحمل سمات هذا التيار ورغبته في تحويل إيران إلى قوة إقليمية يعمل حسابها، ولا يستهان بها. وهذا بدوره يثير التساؤل حول رؤية الرئيس الإيراني المنتخب و المحافظين الجدد للعلاقات مع دول الخليج، وهل ستستمر كما هي في شكلها الحالي أم ستشهد تغيرات جديدة؟

ليس من المتوقع أن تتأثر العلاقات الإيرانية- الخليجية بنتائج الانتخابات الأخيرة، وخاصة أنها استقرت إلى حد بعيد خلال العقد الأخير بفضل التوافق بين الجانبين، والذي أخذ مظاهر عديدة كتبادل الزيارات بين المسؤولين، وتوقيع كم هائل من الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية، وقد حاول الرئيس المنتخب "نجاد" في أول تصريح له عقب إعلان فوزه تبديد أي مخاوف خليجية، مشددًا على استمرار تلك العلاقات وسعيه نحو توسيعها وتنميتها، وأكد في الوقت ذاته على:" أن هناك قواسم دينية وتاريخية وجغرافية واقتصادية وثقافية واجتماعية مشتركة بين إيران ودول الخليج، وأنه سيسعى إلى ترسيخها".

بيد أن ذلك لا يعني تبديد وإزالة المخاوف الخليجية؛ إذ إن تناغم منظومة الحكم الإيرانية وسيطرة الاتجاه المحافظ عليها يثير في أذهان الخليجيين فكرة تصدير الثورة، وما يرتبط بها من مؤامرات لزعزعة الأمن والاستقرار في دول الخليج، وبرز ذلك واضحًا في التهديدات الأخيرة التي وجهها مسؤولون إيرانيون يوم 3/7/2005 لدول الخليج التي قد تقدم على التقليل من احترام النظام الإيراني، وقالت على لسان الناطق باسم الخارجية الإيرانية "محمد رضا آصفي": " إنه على الدول الخليجية أن تعرف أنها ستكون الخاسرة إذا قللت من احترام أقطاب النظام الإيراني ورجال الدين فيه"، مضيفًا "أن قدرات إيران تفوق بأشواط قدراتهم، وعليهم أن يكونوا أكثر حذرًا". وهي التهديدات التي وصفتها دوائر رسمية خليجية بأنها "غير مبررة وتساهم في تجديد التوترات في المنطقة وتذكر بمبدأ تصدير الثورة الذي ارتبط بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة".

وتبقى مشكلة الجزر المتنازع عليها مع دولة الإمارات العربية المتحدة القضية التي قد تتأثر بنتائج هذه الانتخابات، ورؤية التيار المحافظ لها، فمن المعروف أن هذا التيار يتبنى موقفًا متشددًا بشأنها؛ حيث يصر على "إيرانية" هذه الجزر، ويرفض التجاوب مع مقترحات حلها على أساس كونها ترتبط بالأمن القومي الإيراني وسلامة شواطئ إيران.

 وهناك مخاوف إيرانية من فقدان الجزر ذات الموقع الاستراتيجي المهم؛ حيث تحاول طهران من خلال احتلالها لهذه الجزر تأمين حركة الملاحة بالنسبة لناقلاتها النفطية في الخليج، ومراقبة حركة القطع البحرية الأمريكية تحسبًا لأي نوع من التهديد ، أو في حالة قيام واشنطن بفرض أي نوع من الحصار على حركة ناقلاتها في المياه العربية، بالإضافة إلى أن وجود القوات الإيرانية واحتلالها للجزر يضع التحركات العسكرية البحرية العربية تحت المراقبة الدائمة من قبل الإيرانيين .كما أن بقاء القوات الأمريكية في الخليج بما يوفره للأمريكيين من قدرة على تهديد الأمن الإيراني، يجعل طهران أكثر تشددًا تجاه الجزر.

ومن الصعوبة بمكان أن تغفل إيران بكل رموزها السياسية وقواها الفاعلة عن الاهتمام السياسي بالمنطقة الخليجية التي تعتبرها ساحة نشاطها الأساسية، ويدعمها في ذلك حالة الاختلال الواضحة بينها وبين نظيراتها على الطرف المقابل من مياه الخليج، وخاصة بعد أن أصبح ميزان القوى يميل لصالحها بعد سقوط نظام صدام حسين، وتدمير قدرات العراق الاقتصادية والعسكرية ، ولا تستطيع تجاهل أهمية الموقع الذي تحتله على رأس الخليج العربي والذي يمكنها من التحكم في الشريان الذي يغذي العالم الصناعي في مجمله بالطاقة؛ إذ تمر به ناقلة بترول كل 10 دقائق أي ما يساوي 62% من موارد العالم النفطية و90% من حاجة اليابان البترولية و70% من استهلاك مجموعة دول أوروبا و22% من استهلاك الولايات المتحدة، كما أن هذا الموقع يزيد من رغبتها في إحكام قبضتها على مياه الخليج باعتباره المنفذ الطبيعي أمام دول الخليج برمتها إضافة إلى العراق، وهو ما يعني امتلاك مقومات القوة التي تغري في أحايين كثيرة على استعمالها أو على الأقل منع الآخرين ، ممن لهم نفس الرغبة في الهيمنة والتواجد بالمنطقة، من استعمالها ضد مصالح دول المنطقة ومنها إيران .

غير أن هذه الرؤية المتشددة للتيار المحافظ تصطدم بالواقع الجديد الذي تشهده المنطقة وتحوّل الولايات المتحدة إلى جار إقليمي لطهران، وتهديدها المستمر لها بالقيام بعمل عسكري ضدها أو على وجه التحديد ضد منشآتها النووية، فضلاً عن إدراك القيادة الإيرانية الجديدة أن تصوراتها لأمن الخليج ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة من الصعب طرحها في هذه المرحلة بالذات. وبناء عليه، فإن العلاقات الخليجية- الإيرانية ستستمر على طبيعتها الراهنة، وفق الخيارين التاليين:

الأول: استمرار طبيعة العلاقات القائمة على ما هي عليه، تعاون اقتصادي وتجاري، وتوقيع اتفاقيات أمنية ومذكرات تعاون أمني في قضايا عديدة، مثل: تهريب المخدرات، والإرهاب، والجريمة المنظمة عابرة الحدود، واتجاه إلى تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية، وهو الأمر الذي أكده الرئيس الإيراني المنتخب أحمدي نجاد نفسه حين عبر عن حرص بلاده على استمرار دعم العلاقات مع دول الخليج.

 ويمكن القول إن هذه الرغبة الإيرانية التي عبر عنها الرئيس الإيراني تجد مبرراتها في الأزمة الاقتصادية التي تعيشها إيران، والتي قد تحتم عليه وعلى عناصر في المؤسسة الحاكمة، ومنهم المتشددون، البدء في دراسة بعض الأفكار البديلة التي تنقذ البلاد من سوء الأوضاع الاقتصادية، وفي مقدمة هذه البدائل دراسة توسيع العلاقات الإيرانية ـ الخليجية في المجالات الاقتصادية والتجارية وإقامة مشاريع مشتركة وتوسيع التشاور في الأمور المتعلقة بالنفط والغاز، إضافة إلى أن الاتهامات الغريبة وخاصة الأمريكية الموجهة ضد الرئيس الإيراني الجديد والسعي نحو تعزيز عزلة إيران الإقليمية والدولية تجعل منها أقرب إلى تعزيز العلاقات مع الدول الخليجية منها إلى تقليصها.

الثاني: تأجيل إثارة القضايا الخلافية في المرحلة الراهنة، وفي مقدمتها قضية الجزر الإماراتية، وطبيعة الترتيبات الأمنية الراهنة؛ لأن إثارتها في هذا التوقيت قد تثير مخاوف وهواجس دول الخليج، ويؤكد على استمرار تمسكها بمبادئ الثورة الإيرانية لاسيما معارضتها لأي شكل من أشكال التحالف بين دول المنطقة وغيرها من الدول عربية كانت أو أجنبية، وخاصة إذا ما ارتبط ذلك بوجود أجنبي للقوات على الأرض، وهو ما يعني خليجيًا رغبة لدى إيران في ممارسة دور الدولة "المهيمنة أو القوامة" على المنطقة، على نحو ما فُهم من التهديدات الإيرانية الأخيرة.

وترى إيران في ظل الواقع الجديد وتمركز القوات الأمريكية على حدودها أن من مصلحتها التعايش مع هذه المرحلة كما هي، وتأجيل الإعلان عن أي طموحات مستقبلية لها، والسعي لكسب أصدقاء لا أعداء جدد في المنطقة، لاسيما في ظل الضغوط الخارجية القوية التي تتعرض لها، ولذا فمن المتوقع أن لا تشهد السياسة الخارجية الإيرانية في ظل الرئيس المنتخب"نجاد" أية تغيرات ملحوظة تجاه القضايا الخلافية، بل وستستمر في سياستها القائمة على البراجماتية المتمركزة على حسابات المكسب والخسارة.

العدد 41 ربيع 2005

 

افتتاحية العدد: قمة الجزائر ... وسياسة ترحيل الأزمات

جاءت القمة العربية التي استضافتها الجزائر في الفترة من 22 ـ 23 مارس 2005 في توقيت تشهد فيه المنطقة العربية جملة من التطورات والأحداث، وفي ظل مناخ دولي يتسم بالتحفز تجاه المنطقة ودولها، وهو الأمر الذي فرض على القادة العرب ضرورة التفاعل مع هذه الظروف والأجواء بحكمة وبعد نظر؛ وذلك لتجنيب العالم العربي مخاطر أكثر وفي نفس الوقت الخروج بقدر مناسب من المكاسب تصب في النهاية في خانة دعم القدرات العربية وتعزيز العمل العربي المشترك بما يخدم قضايا المنطقة الحيوية، وهو الهدف الذي من أجله أنشئت الجامعة قبل 60 عامًا.

ولم تختلف النتائج التي أسفرت عنها قمة الجزائر كثيرًا عن تلك التي توقعها أغلب المراقبين؛ حيث جاءت قراراتها ذات طابع "توفيقي مهادن"، رغم دقة الظروف التي تعقد في ظلها، وسخونة الملفات التي تعالجها، وإن كانت تميزت عن القمم العربية السابقة بسعيها إلى إقرار عدد من الآليات التنفيذية لتطبيق وتفعيل قراراتها وإصلاح منظومة العمل العربي المشترك بمؤسساتها المختلفة وعلى رأسها الجامعة العربية التي تم الاتفاق على إدخال أول تعديل في الميثاق المنشئ لها منذ عام 1946.

كما تعاطت القمة بهدوء مع  بعض جوانب الخلاف حول عدد من المسائل التي سعت إلى الوصول إلى حلول وسط بشأنها، لعل أبرزها: الاقتراح الأردني بتعديل مبادرة السلام العربية التي أقرت خلال قمة بيروت عام 2002 بهدف جعلها " مختصرة وأكثر وضوحًا وبلغة غير ملتبسة بما يسهل تسويقها في الدول الأجنبية"، وهو ما ووجه بتحفظ عربي على أساس أن التعديل المقترح "سيؤدي إلى شطب الإشارة إلى القرار رقم (194) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة حول حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم"، وأن العرب ليسوا في حاجة إلى "مبادرات جديدة"، فلديهم "مبادرتهم" بالفعل، وأن مسألة تسويقها دوليًا تحتاج فقط إلى آلية يمكن الاتفاق عليها، كما فُهم الاقتراح الأردني على أنه مقدمة لتطبيع واسع مع إسرائيل، في الوقت الذي أكدت فيه الجزائر أن القمة "لن تكون للتطبيع"، كما أكد الأمين العام للجامعة العربية "عمرو موسى" أن تل أبيب لا تستحق أن نمد لها اليد في الوقت الحالي بسبب استمرارها في سياسة بناء المستوطنات وإقامة الجدار العازل".

ويمكن القول أن هذا الخلاف أو التحفظ العربي جاء نتيجة سوء فهم للأفكار والمقترحات الأردنية، والتي كانت تهدف إلى إحياء المبادرة العربية من خلال تطوير صياغتها ووضع استراتيجية أو آلية عمل للترويج لها وتفعيلها، وهو ما أكده المسؤولون الأردنيون؛ حيث نفى وزير الخارجية الأردني "هاني الملقي" أن تكون عمّان قد طرحت مشروع قرار على جدول الأعمال يتضمن تعديلات على المبادرة العربية، بحيث "توافق الدول العربية على تطبيع علاقاتها السياسية مع إسرائيل قبل أن تفي هي بالتزاماتها"، مشيرًا إلى أن مشروع القرار الذي قدمه الأردن يقوم على قرارات الشرعية الدولية ومسيرة مدريد ومبدأ الأرض مقابل السلام، وليس بناء على أي أسس أخرى، فيما أرجع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني سوء الفهم بشأن موقف بلاده إلى عدم قدرة وزير خارجيته على توضيح موقفه، مؤكدًا أن نياته كانت طيبة من أجل دعم الفلسطينيين في عملية السلام، كما أوفد مبعوثين شخصيين إلى عدد من العواصم العربية لتوضيح هذا الموقف.

وقد اتفق القادة في نهاية اجتماعهم على الالتزام بـ"مبادرة السلام العربية"، التي اعتمدتها قمة بيروت، ببنودها كافة، وتفعيلها عن طريق آلية للتحرك العربي لكسب تأييد دول العالم لها، وتشكيل "ترويكا عربية" لتسويق المبادرة ومتابعة تنفيذها.

وحول سعي القاهرة للحصول على دعم القمة وتأييدها لترشيحها باسم العرب لعضوية مجلس الأمن, اقترح الوفد المصري توجيه "رسالة" باسم المؤتمر إلى مجلس الأمن تطالبه بضرورة إقرار مقعد دائم للعرب تشغله القاهرة انطلاقًا من أن العالم العربي كبير بالجغرافيا والحضارة وبعدد السكان والإمكانيات المادية والطبيعية والبشرية. 

لكن بعض الأطراف العربية ارتأت أن طلب التمثيل على أساس "عرقي" يعد سابقة في المعاملات الدولية، وأن التمثيل ينبغي أن يكون موزعًا حسب القارات, وأنه إذا كان لمصر الحق في أن تترشح لعضوية مجلس الأمن فالمكان الذي يمكن أن تعمل فيه لتحقيق هذا الغرض هو الاتحاد الأفريقي، مشيرين إلى أن الإقدام على هذه الخطوة سيؤثر سلبًا على العلاقات العربية ـ الأفريقية مع الأخذ في الاعتبار أن أغلب العرب ينتمون لقارة أفريقيا. 

ومن جانبه أكد الأمين العام للجامعة العربية "عمرو موسى" أنه من الأهمية بمكان أن يكون للدول العربية مقعد دائم في مجلس الأمن, مضيفًا أنه يعتقد أن مصر هي المؤهلة لذلك حتى وإن كان هذا المقعد العربي يدخل ضمن التقسيم الخاص بالمقاعد المقترحة لأفريقيا. 

ورغم أن الدول العربية تدعم ترشيح مصر لعضوية مجلس الأمن الدائمة ـ في حالة إقرار توسيع عضويته ـ وهو ما يمثل مكسبًا مهمًا للعرب لأنه لأول مرة تعلن 22 دولة عربية تمثل 11.8% من مجموع أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة دعمها لمسعى مصر للحصول على مقعد دائم في مجلس أمن موسع مع مراعاة التزامها تجاه قارتها، وضرورة استمرار الوضع الحالي الخاص بالوجود العربي المتواصل من خلال مقعد غير دائم من قارتي أفريقيا وآسيا بالتناوب. وعند صدور "إعلان الجزائر" اقتصر النص على "ضرورة إصلاح النظام الدولي بما يمكن الأمم المتحدة من زيادة فعاليتها وكفاءتها وقدرتها والمطالبة بتوسيع العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي وتمكين مختلف التجمعات والثقافات في العالم من المشاركة في إدارة النظام الدولي وبما يعكس مبدأ الشراكة الدولية ويحقق التوازن والعدالة والمساواة في المنظومة الدولية".

ولم يطرح اقتراح الجزائر الذي تقدمت به لتدوير منصب الأمين العام للجامعة للمناقشة، رغم تأكيد "عمرو موسى" أنه ليس هناك ما يمنع أي دولة عربية أن تتقدم بمرشح لهذا المنصب بعد انتهاء دورة الأمين العام الحالي في مارس 2006، مشيرًا إلى أن الرئيس الجزائري "عبد العزيز بوتفليقة" رئيس القمة، أبلغه أن هناك عرفًا بالنسبة لهذه المسألة، وأن هذا العرف يجب أن يستمر ويستقر، خاصة وأنه لا يسلب حق أي دولة في التقدم بمرشح لهذا المنصب. 

وتكشف القراءة الموضوعية للبيان الختامي وإعلان الجزائر الصادرين عن القمة أن قراراتهما لم تشهد تغييرات جوهرية في الموقف العربي من القضايا المطروحة رغم خطورتها ودقة الظروف التي تشهدها المنطقة.

فبالنسبة لقضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي؛ أكد القادة العرب على التمسك العربي بالسلام العادل والشامل في منطقة الشرق الأوسط كخيار استراتيجي لحل الصراع العربي الإسرائيلي، والالتزام بالمبادرة العربية للسلام التي أقرتها قمة بيروت عام 2002، والتمسك بقرارات الشرعية الدولية ومرجعية مدريد القائمة على أساس مبدأ الأرض مقابل السلام وخريطة الطريق، علاوة على أهمية استغلال الأجواء المستجدة التي أنعشت الآمال في استئناف العملية السلمية وما يمثله ذلك من فرصة لإعادة قوة الدفع لها من أجل التوصل إلى السلام العادل والشامل الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي العربية المحتلة في فلسطين والجولان العربي السوري ومزارع شبعا، إلى خط الرابع من يونيو 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وحل مشكلة اللاجئين حلاً عادلاً طبقًا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 لعام 1948، ورفض كل أشكال التوطين الإسرائيلي، والالتزام بتقديم الدعم الكامل والمساندة التامة للشعب الفلسطيني في تعزيز وحدته الوطنية، وتأييد جهود الحوار الوطني الفلسطيني، وتقديم الدعم لصندوقي الأقصى وانتفاضة القدس من أجل إنعاش الاقتصاد الفلسطيني.

وفي رد فعل سريع على هذا الموقف أعلن إيهود أولمرت نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي رفض بلاده لمبادرة السلام العربية، مؤكدًا أنها ملتزمة فقط بخطة خارطة الطريق دون غيرها، كما وصف وزير الخارجية "سلفان شالوم" الجامعة بأنها مؤسسة أنانية وأن أمينها العام متشدد حيال إسرائيل، وذكر أنه كما أن التطبيع مهم بالنسبة لإسرائيل فإنه أيضًا مهم بالنسبة للعرب.

ورغم أن الموقف الإسرائيلي غير مستغرب ويعكس نفس الموقف من أي مبادرة تصدر عن العرب إلا أن حديث مسؤوليها عن التزام إسرائيل فقط بخارطة الطريق التي تحفظت على معظم بنودها هو الذي يثير السخرية، لأنها حتى الآن لم تبد استعدادًا لتنفيذ أي التزام فرضته عليها هذه الخطة بل إنها تتهرب دائمًا وتتحجج بضرورة قيام الفلسطينيين أولاً بتنفيذ التزاماتهم الخاصة بالإصلاح ووقف العنف، ولعل قرارها الأخير بتوسيع مستوطنة "أدوميم" في القدس المحتلة بتأييد أمريكي ضمني خير دليل على ذلك.

وبالنسبة للملف العراقي، لم يأت البيان الختامي بجديد، حيث جدد التأكيد على وحدة الأراضي العراقية واحترام سيادته واستقلاله والدعوة إلى تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1546 لعام 2004 القاضي بتمكين العراق من استعادة كامل سيادته وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي فيه.

ويرى المراقبون أن القمة قد أحجمت عن التطرق للتطورات الأخيرة التي شهدها العراق والمرتبطة بإجراء الانتخاب في نهاية يناير الماضي، ولم تبد أي استعداد للتدخل لتنقية الأجواء بين الفرقاء العراقيين أو مساعدتهم في التوصل إلى صيغة مناسبة للحكم تحفظ للعراق وحدته ولحمته الداخلية أو حتى إبداء الاستعداد لتخفيف المعاناة عن شعبه، مشيرين إلى أن ما ورد في بيان القمة لا يخرج عن كونه مجرد فقرات إنشائية تدل على أن القادة العرب قد نفضوا أيديهم ولو مؤقتًا ـ من الشأن العراقي ـ وتركوا العراق ليحل مشاكله ويواجه الاحتلال وتبعاته بنفسه. 

 وفيما يتعلق بملف إصلاح الجامعة العربية؛ أكد البيان الختامي على مواصلة الجهود الرامية إلى تطوير وتحديث الجامعة العربية وتفعيل آلياتها؛ لمسايرة التطورات العالمية المتسارعة ومواصلة بناء مجتمع عربي متكامل في موارده وقدراته وتمكين الجامعة العربية ومؤسساتها وأجهزتها كافة من تطوير أساليب عملها والارتقاء بأدائها، لتكون أكثر قدرة على قيادة النظام الإقليمي العربي في مواجهة التحديات والمخاطر التي تهدد بقاءه، وتوصلت القمة إلى عدة قرارات؛ منها: إعلان البرلمان العربي بعد أن تم الاتفاق على اختيار أربعة نواب من كل دولة لفترة انتقالية تستمر خمس سنوات يجري خلالها وضع النظم الخاصة بإقامة برلمان عربي منتخب من شأنه تنشيط عمل المجتمع المدني ومشاركته الفعلية، والقيام بأول تعديل على ميثاق الجامعة منذ إصداره عام 1946 خصوصًا تبديل نظام التصويت ليصبح بالأغلبية بدلاً من الإجماع في المسائل الإجرائية، والتصويت بأغلبية ثلثي الأعضاء في المسائل الموضوعية، والإجماع في حالتين: طرد دولة أو تجميد عضويتها في الجامعة العربية, أو الموافقة على ضم دولة جديدة لها،  وقد وافقت القمة على الآلية الخاصة بقواعد التصويت من حيث المبدأ، أما تفاصيل هذه الآلية والمعايير الخاصة بالمسائل الموضوعية والإجرائية فسيتم عرضها على اجتماع استثنائي لوزراء الخارجية قبل نهاية العام الحالي تمهيدًا لعرضها على القمة العربية الـ18 العام القادم، علاوة على تمكين المجتمع المدني من المشاركة في نشاطات الجامعة العربية ومؤسساتها، وكذلك المصادقة على وثيقة "استراتيجية للأسرة العربية" وإنشاء قمر صناعي عربي علمي لمراقبة كوكب الأرض من النواحي البيئية ورصد الكوارث الطبيعية، وأكدت القمة كذلك على ضرورة مواصلة عملية الإصلاح بشكل متدرج لمنظومة العمل العربي المشترك، ومنهجية حلها.

كما شغلت الأزمة المالية التي تواجهها الجامعة حيزًا من المناقشات، حيث شدد "عمرو موسى" على ضرورة التزام كل دولة بدفع حصتها حتى لا يُشل عمل الجامعة ونشاطها، موضحًا أن المتأخرات المستحقة للجامعة من الدول العربية بلغت 170 مليون دولار، وأن أكثر من أربعمائة مشروع متوقف بسبب غياب التمويل، مشيرًا إلى أن مسألة عدم الدفع ليست مسألة غنى أو فقر، فموريتانيا، على سبيل المثال، وهى أقل الدول العربية دخلاً هي أولى الدول التي تبادر بتسديد حصتها كل عام وقدرها 350 ألف دولار.

ولحل هذه الأزمة أعلنت أربع دول عربية رفع تحفظاتها بخصوص المستحقات المالية المتوجبة عليها سنويًا لدعم موازنة الأمانة العامة، وقرر القادة رفع احتياط موازنة الجامعة إلى ما يعادل موازنة سنة كاملة وإن طالبت الكويت بضرورة إعادة النظر في كيفية إدارة موازنة الجامعة، فيما أعلن الرئيس القذافي عن قيام ليبيا قريبًا بدفع 18 مليون دولار تمثل متأخرات ثلاث سنوات عليها.

وبشأن ملف الإصلاح والتحديث في العالم العربي: أكد البيان على ضرورة مواصلة مسيرة التطوير والتحديث في الوطن العربي تعزيزًا للممارسة الديمقراطية وتوسيعًا للمشاركة السياسية وترسيخًا لقيم المواطنة والثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان وإفساح المجال للمجتمع المدني وتمكين المرأة من أن تتبوأ مكانًا بارزًا في كافة مجالات الحياة العامة.

والمعروف أن قمة تونس السابقة كانت قد ناقشت هذه القضية واستحدثت آلية لمتابعة تنفيذ توصياتها الخاصة بالإصلاح ومدى التزام الدول الأعضاء بها، وبالفعل قام أمين عام الجامعة عمرو موسى بتقديم تقرير إلى القمة حمل عنوان "مسيرة التطوير والتحديث في الوطن العربي" رصد فيه إجراءات وخطوات إصلاحية أقدمت عليها دول عربية منذ قمة تونس العام الماضي وحتى قمة الجزائر وقد تضمن التقرير ملخصًا لجهود عشر دول أشار إلى أنها أمدت الأمانة العامة للجامعة بتقارير عن الخطوات التي اتخذتها تلبية لوثيقة العهد التي أطلقها القادة العرب في تونس وهي كل من السعودية ومصر وتونس والجزائر وجيبوتي والسودان والعراق ولبنان والمغرب واليمن. ويلاحظ أن التقرير الذي قدمه الأمين العام لم يذكر الأسباب التي منعت باقي الدول عن تسليم الجامعة تقارير في هذا الشأن .. كما لوحظ أن التقرير لم يتضمن أي انتقادات إلى أي حكومة عربية لعدم قيامها بخطوات إصلاحية أي أنه تضمن الإيجابيات فقط من دون أي إشارة لأية سلبيات. 

ولعل خلو التقرير من الإشارة للسلبيات بالنسبة لأداء الدول في مجال الإصلاح راجع لاعتماد لجنة المتابعة على ما يرد إليها من تقارير من هذه الدول ومن الطبيعي أن تركز فقط على الإيجابيات دون السلبيات كما أن آلية التحقق من التنفيذ غير موجودة.

وعلى الجانب الآخر ورغم التطورات الخطيرة التي يشهدها الملف اللبناني ـ السوري منذ اغتيال "رفيق الحريري" يوم 14/2/2005 وحتى هذه اللحظة؛ حيث بدأت الحياة السياسية اللبنانية تشهد حالة من الاحتقان والاستقطاب تتخطى العلاقة بين السلطة والمعارضة إلى ما يمكن وصفه بـ"انقسام سياسي وطني" ينذر بالانزلاق إلى حرب أهلية جديدة، لاسيما مع اتجاه القوى المختلفة إلى الاحتكام للشارع لاستعراض قوتها من خلال تنظيم التظاهرات والاعتصامات بما يضع الأمن الوطني اللبناني في خطر يذكر بالأجواء التي واكبت الحرب الأهلية عام 1975.

ولم يقتصر الأمر على لبنان، وإنما امتدت تداعياته إلى سوريا التي أصبحت مستهدفة بشكل واضح بعد تشديد الضغوط الدولية عليها لسحب جميع قواتها وأجهزة استخباراتها من لبنان، حيث سحبت واشنطن سفيرتها في دمشق، وتحركت بتنسيق كامل مع الأوروبيين وخاصة فرنسا لفرض عقوبات دولية على دمشق إذا لم تستجب للضغوط وتلتزم بتنفيذ القرار رقم (1559)، الأمر الذي دفع الرئيس السوري إلى الإعلان يوم 5/3/2005 عن سحب جميع القوات السورية من لبنان، وهو ما أثار بدوره العديد من المخاوف حول التداعيات التي قد تترتب على هذه الخطوة وما ستخلفه من فراغ أمني في المشهد اللبناني يسعى جميع الفرقاء إلى محاولة شغله، ومدى الإصرار الدولي على تنفيذ باقي بنود القرار لاسيما المتعلقة منها بنزع وتفكيك أسلحة الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، بما فيها "حزب الله" الذي أعلن صراحة رفضه لهذا القرار حتى إذا ما تم الاعتراف به شرعيًا كحزب سياسي تمهيدًا لاحتوائه سياسيًا، وتأثير كل ذلك على عملية التسوية السلمية في المنطقة لاسيما على المسارين السوري واللبناني اللذين تؤكد بعض القوى الإقليمية الدولية على ضرورة فصلهما. 

رغم خطورة هذه التطورات، والتي تتطلب حلاً عربيًا لهذه الأزمة قبل أن يتم تدويلها، لم يتطرق البيان الختامي لها، واقتصر على توجيه رسالة تضامن مع سوريا في مواجهة الضغوط الدولية التي تتعرض لها، حيث أكد رفض القادة لقانون «محاسبة سوريا» الذي أقره الكونجرس الأمريكي واعتبره تجاوزًا لمبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وميثاق جامعة الدول العربية، ودعا الإدارة الأمريكية إلى الدخول بحسن نية في حوار بناء مع سوريا لإيجاد أنجح السبل لتسوية الخلافات بين البلدين وإعادة النظر في هذا القانون الذي اعتبر أنه يشكل انحيازًا سافرًا لإسرائيل وإجهاضًا لفرص تحقيق السلام العادل والشامل ومساسًا خطيرًا بالمصالح العربية واستهدافًا للعلاقات الأخوية التاريخية بين سوريا ولبنان وتدخلاً في الشؤون الداخلية اللبنانية. كما أكد تضامن القادة العرب مع اللبنانيين في ترسيخ السلام والاستقرار في لبنان ووحدة أراضيه واستقلاله، وطلبوا من جميع الدول تأكيد هذا الالتزام عمليًا ودعم المساعي الرامية إلى تحقيق السلام والوفاق الوطني بين أبنائه .

ويرجع بعض المراقبين سبب تجنب القمة الخوض في هذا الملف إلى عدم رغبة القادة العرب في إحراج أي من سوريا ولبنان باعتبار أن العلاقة بين البلدين أكبر من أن يتعرض لها أحد بالنقد أو التأويل أو ربما رغبة منهم في عدم إحراج أنفسهم أمام واشنطن، في حين برر البعض الآخر هذا الإحجام بعدم الرغبة في التطرق لموضوع اتخذت خطوات جادة في حله فعليًا ببدء سوريا في سحب قواتها من لبنان. فيما يرى البعض أنه كان ينبغي على القمة أن تتخذ موقفًا حازمًا إزاء محاولات بعض القوى التدخل في الشأن اللبناني الداخلي باعتبار أن العلاقات اللبنانية السورية والوجود السوري في لبنان كلها أمور تخص سوريا ولبنان وحدهما. وتحكمها اتفاقات ومواثيق ثنائية علاوة على أن اتفاق الطائف عام 1989 هو الذي يحكم الوجود السوري في لبنان حفاظًا على أمنه واستقراره.

وبصفة عامة تثير النتائج التي توصلت إليها القمة عددًا من الملاحظات المهمة، منها:

أ ـ رغم أهمية القرارات الواردة في البيان الختامي، فإن قضية متابعة هذه القرارات وتنفيذها تكتسب أهمية أكبر، فالمشكلة التي تواجه الجامعة العربية ليست في اتخاذ قرارات قوية للتعاطي مع هذه الملفات، ولكن في تطبيق القرارات التي يتم التوصل إليها، فعلى سبيل المثال عرض الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى تقريرًا في الاجتماع التشاوري لوزراء الخارجية الذي عقد في يناير الماضي يتعلق بمتابعة تنفيذ قرارات قمة تونس أوضح فيه أن دولتين فقط من الدول العربية الـ22 صدقتا على وثيقة العهد والإصلاح والتضامن، وهما: الأردن ولبنان، وأنه من بين 330 مليون دولار أقرتها القمة لدعم السلطة الفلسطينية خلال الشهور الستة الأولى التي أعقبت القمة لم يتم تسديد سوى 65.8 مليون دولار، فيما أكدت بعض المصادر أن 80% من قرارات الجامعة التي تم الموافقة عليها بالإجماع لم يتم تنفيذها، ومن هنا تنبع أهمية القرار الذي تم التوصل إليه بإنشاء هيئة لمتابعة وتنفيذ القرارات الصادرة عن مؤسسات الجامعة.

ب ـ أن القمة استمرت في سياسة ترحيل الأزمات حتى تزداد تعقيدًا ثم تنفجر في وجه المنطقة ككل، وتعاملها مع الأزمة السورية ـ اللبنانية، يؤكد ذلك، رغم أن الأزمة العراقية أكدت مدى خطورة هذه السياسة.

جـ ـ رغم أن البعض حاول التقليل من شأن النتائج التي أسفرت عنها القمة واعتبر أنها  لا تختلف عن سابقاتها، إلا أن ذلك لم يمنع من أن يكون لها بعض الإيجابيات، والتي منها:

1ـ حرص القمة على التمسك بالثوابت وخاصة ما يتصل بقضية السلام في الشرق الأوسط، وتمثل ذلك في الالتزام بمبادرة السلام العربية ورفض أي طرح آخر يتعارض معها، وربط التطبيع مع إسرائيل والذي كان قد بدأ يتسارع بشكل ملحوظ بتنفيذها التزاماتها الدولية.

2ـ أسفرت القمة عن حدوث انفراجة في العلاقات الجزائرية ـ المغربية بعد فترة طويلة من الفتور والتوتر دامت قرابة ثلاثين عامًا بسبب موقف الدولتين من قضية الصحراء، حيث مدد الملك محمد السادس إقامته بالجزائر والتقى في قمة ثنائية مع الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، وقد اعتبر هذا اللقاء بمثابة مقدمة لقمة مغاربية ستعقد قريبًا في الجزائر خاصة وأن عاهل المغرب أكد في قمة الجزائر تمسكه بالاتحاد المغاربي كخيار استراتيجي.

ومع ذلك تبقى قمة الجزائر بمثابة حلقة في سلسلة طويلة يؤمل معها أن يشهد العمل العربي المشترك دفعة قوية للأمام، وقد عكست القمة هذه الرغبة واتخذت قرارات مهمة لدعم التعاون بين الدول العربية التي تواجه تحديًا خطيرًا ومهمًا في عالم لم يعد يؤمن بالتشرذم والانفراط بل يؤمن بالتكتل وإعلاء قيمة المصالح المشتركة، وهو ما تفتقر إليه الدول العربية رغم ما يجمعها من تاريخ ولغة وعقيدة وتقاليد مشتركة.

العدد 40 شتاء 2005

افتتاحية العدد: الجيش الإسرائيلي.. وحدود الالتزام بالمعايير الدولية في التعامل مع المدنيين"لقد فقد جيش الدفاع الإسرائيلي ما تبقى لديه من إحساس واهتمام بصورته في كل ما يتعلق بالأخلاق القتالية" بهذه الكلمات جاء تعليق الكاتب الإسرائيلي "عوفر شيلح" في مقاله بصحيفة "يديعوت آحرونوت" يوم 17/11/2004، على قيام أحد الضباط الإسرائيليين بقتل الطفلة الفلسطينية "إيمان الهمص" ذات الثلاثة عشر عامًا دون مبرر، الأمر الذي أثار الجدل مجددًا حول سلوك الجيش الإسرائيلي ومدى التزامه بأخلاقيات الجندية والمعايير الدولية في التعامل مع المدنيين الفلسطينيين والأجانب، خاصة وأنها تزامنت مع تزايد موجة رفض بعض القطاعات داخل الجيش نفسه لهذه الممارسات غير المبررة قانونيًا وأخلاقيًا. ولا تمثل عملية قتل الطفلة الفلسطينية والتي وصفها أحد الجنود الإسرائيليين بأنها تمت "بوحشية ولا مبالاة"، سوى حلقة من سلسلة الجرائم التي اعتاد الجيش الإسرائيلي ارتكابها بحق المدنيين في كل حروبه السابقة مع الفلسطينيين، والتي أصبحت ـ طبقًا لنفس الصحيفة يوم 21/11/2004 تمثل عملية منهجية بفضل غياب المحاسبة العسكرية وتجاهل المعايير أو غيابها، فخلال الشهرين الماضيين قتل الجنود الإسرائيليون خمسة أطفال فلسطينيين بذات الأسلوب، منهم الطفلة "رغدة عدنان" ذات العشرة أعوام التي أطلق عليها الجنود النار داخل مدرستها في سبتمبر الماضي، والطفلة "رانيا إياد عرام" التي لم تتجاوز الـ 8 سنوات والتي تم قتلها وهي في طريقها للمدرسة في 29 أكتوبر الماضي، وتزامنت هذه الحوادث مع نشر وسائل الإعلام الإسرائيلية والأجنبية صورًا لجنود "متدينين" وهم يمثلون بجثث قتلى فلسطينيين وممارسة أنماط مختلفة من التنكيل والتعذيب بحق المدنيين والمعتقلين الفلسطينيين، كما نشرت صورًا لجنود آخرين وهم يجبرون شابًا فلسطينيًا على العزف على آلة الكمان أمام حاجز عسكري في نابلس. ورغم أن هذه الصور لا تمثل شيئًا بالمقارنة بعمليات القتل والتعذيب الأخرى، إلا أنها أثارت انتقادات أوساط إسرائيلية رأت فيها تذكيرًا بما كان يحدث للموسيقيين الإسرائيليين في معسكرات الاعتقال النازية، حيث طالب المعلق الإسرائيلي "يوري أورباخ" بمحاكمة الجنود المسؤولين عن هذه الحادثة "لا لإهانة الفلسطينيين ولكن لإهانة المحرقة".ولا تعتبر هذه الممارسات بالأمر الجديد على الجيش الإسرائيلي، وإنما تعود إلى بداية نشأته مع قيام دولة إسرائيل عام 1948 بل وقبل ذلك، وهو ما عكسته المذابح التي ارتكبها بحق الفلسطينيين مثل دير ياسين وكفر قاسم عام 1948، وصبرا وشاتيلا عام 1982، وقانا عام 1996 والتي تعد جرائم حرب، وتعاملهم اللاإنساني مع الأسرى المصريين عام 1967، والتي تكشف في مجملها الطبيعة الدموية للجندي الإسرائيلي وافتقاده لكل المعايير الأخلاقية القانونية. كما لا تنفصل هذه الممارسات الفردية للجنود الإسرائيليين عن السياسات الكلية التي تطبقها قوات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، والتي تنوعت من مذابح جماعية إلى توسيع سياسة الاغتيالات والقتل خارج القانون وحصار القرى والمدن وتجويع أهلها وتدمير منازلهم واتباع سياسة الأراضي المحروقة وغيرها من الممارسات التي وصفتها العديد من المنظمات الحقوقية بأنها جرائم حرب، فطبقًا لتقرير منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية "بتسليم" الصادر يوم 27 نوفمبر الماضي، قام الجيش الإسرائيلي بتدمير أكثر من 4100 منزل فلسطيني منذ انطلاق انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000، منها 628 منزلاً كان يعيش فيها 3983 فلسطينيًا تم هدمها كإجراء عقابي لأهالي المقاومين، مشيرة إلى أن ذلك يمثل جريمة حرب بحسب اتفاقية جنيف الرابعة، فيما قدرت منظمة العفو الدولية في تقريرها يوم 20/11/2004، عدد القتلى من الأطفال الفلسطينيين على أيدي الجيش الإسرائيلي خلال نفس الفترة بأكثر من 550 طفلاً مقابل 100 طفل إسرائيلي على أيدي الجماعات المسلحة الفلسطينية، مشيرة إلى أن قتل هذا العدد من الأطفال لا يمكن تبريره ببساطة على أنه وقع نتيجة "أخطاء" كما تزعم السلطات الإسرائيلية، معتبرة أن فشل السلطات القضائية الإسرائيلية في إجراء تحقيقات شاملة في عمليات القتل هذه وإحالة المسؤولين عنها للعدالة شجع على استمرار مثل هذه الانتهاكات. وتعطي البيانات الصادرة عن مركز المعلومات الوطني الفلسطيني صورة أوضح لحجم الانتهاكات التي مارسها الجيش الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، فخلال الفترة من 29/9/2000، وحتى 31/10/2004 وصل إجمالي عدد الشهداء الفلسطينيين إلى 3800 إلى جانب 82 شهيدًا آخرين لم يتم تسجيلهم بسبب الإجراءات الإسرائيلية، منهم 699 من الأطفال أقل من سن 18 عامًا و249 من الإناث، فيما بلغ عدد الشهداء نتيجة عمليات الاغتيالات والتصفية الجسدية 303، وبلغ عدد الشهداء من المرضى جراء الإعاقة على الحواجز الإسرائيلية 121 ما بين طفل وسيدة وشيخ مسن، ووصل إجمالي عدد الجرحى إلى 43569، بينما بلغ إجمالي عدد الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال 7200 منهم 128 سيدة، ووصل إجمالي عدد المنازل التي تضررت من عمليات القصف والتدمير إلى 69120 منها 7149 منزلاً دمرت بشكل كلي و61971 بشكل جزئي، وبلغ إجمالي مساحة الأراضي التي تم تجريفها 71914 دونمًا، فيما بلغ إجمالي مساحة الأراضي التي تم مصادرتها لخدمة الجدار الفاصل منذ 29/3/2003، نحو 211624 دونمًا. ولم تقتصر انتهاكات الجنود الإسرائيليين على المدنيين الفلسطينيين، وإنما شملت أيضًا عددًا من الأجانب المتواجدين في الأراضي الفلسطينية؛ ففي نوفمبر 2002 أطلق قناص إسرائيلي النار على البريطاني "إيان هوك" رئيس مشروع الأمم المتحدة لإعادة إعمار مخيم جنين للاجئين الذي ارتكبت فيه القوات الإسرائيلية جرائم حرب ضد الفلسطينيين، رغم الحصانة التي يتمتع بها باعتباره موظفًا دوليًا، وفي 3/5/2003، وهو اليوم الذي يحتفل فيه العالم بحرية الصحافة قتلت قوات الاحتلال الصحفي البريطاني "جيمس ميلر"، وقد حاول وزير الدفاع الإسرائيلي "شاؤول موفاز" إلقاء التهمة على الفلسطينيين إلا أن الشهود أكدوا أن المصور قتل بنيران مركبة إسرائيلية أثناء حمله العلم الأبيض وارتدائه شارة واضحة تظهر أنه صحفي، حيث كان يقوم بتصوير فيلم وثائقي عن تأثير الإرهاب على الأطفال، وبعد أقل من أسبوع أطلقت القوات الإسرائيلية النار على ناشطي سلام بريطانيين وأمريكيين في غزة مما أسفر عن مقتل ثلاثة بريطانيين، كما قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي يوم 16/3/2004 ناشطة السلام الأمريكية "راشيل كوري" عندما حاولت منع جرافة إسرائيلية من هدم أحد منازل الفلسطينيين في مدينة رفح، وهي الناشطة التي يستعد أحد نجوم هوليوود "آلان ريكمان" لكتابة عمل مسرحي يتناول قصة كفاحها ودفاعها عن الحقوق الفلسطينية وسيتم افتتاحه في إبريل القادم. وتمثل هذه الممارسات من جانب الجنود الإسرائيليين انتهاكًا صريحًا لمعاهدات جنيف والاتفاقيات الدولية المنظمة لحالات الحرب والاحتلال، والتي تحظر على سلطة الاحتلال استهداف المنشآت المدنية أو قتل المدنيين وإرهابهم، بل إن بعضها مثل تدمير المنازل وارتكاب المجازر وعمليات الإعدام خارج نطاق القانون والتصفية الجسدية، يدخل في نطاق جرائم الحرب التي تستدعي محاكمة مرتكبيها، الأمر الذي يفسر في أحد جوانبه سبب رفض إسرائيل حتى الآن التوقيع على الاتفاقية المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بمحاكمة مجرمي الحرب، كما توضح أن الجيش الإسرائيلي يتصرف وكأنه في حالة حرب وليس مواجهة انتفاضة مدنية، والتي يحكم التعامل معها قواعد محددة ومعروفة من قبل الجيوش المتحضرة، ولعل المثال البارز هنا هو حالة القوات البريطانية في أيرلندا الشمالية والتزامها بالمواثيق، حيث تتسلم "بطاقات صفراء" تنص على قواعد السلوك الخاصة بمواجهة عمليات الاضطراب، وأنه لا يجوز لهم إطلاق النار، إلا إذا تعرضت حياتهم للخطر، ولذلك فعندما وقعت أحداث "الأحد الدموي" في يناير عام 1978 كانت هناك خطوط إرشادية واضحة تم انتهاكها وبالتالي أمكن محاسبة المسؤولين عنها. أما بالنسبة لإسرائيل فليس هناك وجود لهذه "القواعد"، بل تؤكد كافة المؤشرات أن الجنود الإسرائيليين لا يترددون في إطلاق النار على المدنيين بهدف القتل فقط، ولكن في المقابل هناك قواعد يتعين أن يلتزم بها هؤلاء الجنود في تعاملهم مع المستوطنين اليهود تعرف باسم "قواعد الاشتباك" والتي تحظر إطلاق النار إلا في حالة وجود خطر فعلي على حياة الجندي، وهذا نوع من العنصرية الفجة الذي تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين بما في ذلك الذين اكتسبوا جنسيتها من عرب 48. وقد أكد رئيس قسم القوى البشرية في الجيش "الميجور جنرال" "اليعازر شتيرن" يوم 6/12/2004 هذه العنصرية بقوله: " إن الجنود الذين يتسببون بمشكلات سلوكية هم عادة ممن يأتون من شريحة اجتماعية تؤمن بأن حياة العرب لا تساوي حياة اليهودي"، مقرًا بأن نسبة هؤلاء الجنود الذين يتبنون هذه الأفكار العنصرية تصل إلى 20% من قوة الجيش.ونتيجة لذلك فقد تعرضت هذه الممارسات لانتقادات دولية واسعة، ففي بيان صحفي أصدرته في مطلع أكتوبر 2004 انتقدت "منظمة العفو الدولية" عمليات إطلاق النار المستمر من جانب الجيش الإسرائيلي ووصفتها بالتهور، حيث أسفرت عن مقتل وإصابة آلاف الفلسطينيين غير المسلحين، مؤكدة أن هذه الممارسات تمثل انتهاكًا لاتفاقية جنيف الرابعة، فيما وصفت "مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة" في بيان لها في مايو 2004 هذه الممارسات باعتبارها تمثل انتهاكًا لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، كما وجهت العديد من وسائل الإعلام الغربية انتقادات لهذه الممارسات؛ مثل صحيفة "الجارديان" البريطانية التي انتقدت يوم 4/11/2004 سلوك الجنود الإسرائيليين، مشيرة إلى: "أنهم نادرًا ما يقدمون للمحاكمة بسبب قتلهم المدنيين بالأراضي المحتلة "، فبالرغم من قتل الآلاف خلال الانتفاضة، فإن عشرة جنود فقط قدموا للمحاكمة ولم يتم توقيع عقاب على أي منهم. وقد امتدت هذه الانتقادات إلى داخل بعض قطاعات الجيش الإسرائيلي نفسه، والتي مازالت تملك قدرًا من "صحوة الضمير"، واتخذت صورًا ومظاهر عدة، كان أبرزها: تنامي ظاهرة رفض الخدمة العسكرية في المناطق المحتلة بين الجنود الإسرائيليين. فرغم أن هذه الظاهرة ليست جديدة، حيث شهد الجيش الإسرائيلي العديد من حركات الرفض منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، وكانت البداية عام 1971، عندما أعلنت مجموعة "شبيبة منتسبين" التي تكونت من خمسة أشخاص رفضها أداء الخدمة في المناطق المحتلة، ثم تأسست حركة "يوجد حدود" التي استقطبت الآلاف ممن طلبوا إعفاءهم من الخدمة في هذه المناطق، وخلال الغزو الإسرائيلي للبنان وقع حوالي 3000 جندي احتياط على رسالة رفض للمشاركة في الحرب وسجن منهم 170 لعدة أشهر، وبعد المجازر الجماعية التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في صبرا وشاتيلا والتي تكونت على إثرها حركة "السلام الآن" الإسرائيلية ثم اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، بدأت حركات رفض الخدمة في الأراضي المحتلة تأخذ شكلاً جماعيًا، حيث وقع حوالي2000 جندي وضابط إسرائيلي على عريضة لرفض الخدمة سجن منهم 180، ثم بدأت هذه الظاهرة تأخذ طابعًا تنظيميًا منذ يناير 2002 مع تزايد أعمال القمع ضد الفلسطينيين، حيث تم تأسيس جماعة "الجرأة على الرفض" التي بدأت تستقطب مئات الجنود والضباط الإسرائيليين وطلاب المدارس الثانوية الذين يتأهبون للالتحاق بالخدمة العسكرية، حيث تقدم 62 طالبًا منهم بعريضة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي معبرين له فيها عن رفضهم لأداء الخدمة العسكرية في الأراضي المحتلة.ورغم ذلك، فقد اكتسبت هذه الظاهرة زخمًا خلال الفترة الأخيرة؛ حيث امتدت إلى مختلف قطاعات الجيش الإسرائيلي، ففي سبتمبر 2003 قدم 27 طيارًا إسرائيليًا عريضة إلى قائد سلاح الجو الإسرائيلي "دان حلوش" يعلنون فيها رفضهم تنفيذ أي غارات في الأراضي الفلسطينية المحتلة باعتبارها "غير قانونية وغير أخلاقية"، وحملت هذه العريضة العديد من الدلالات المهمة كونها تمثل أول حالة رفض خدمة في سلاح الجو.وفي  ديسمبر من نفس العام بعث 13 جنديًا وضابطًا إسرائيليًا من العاملين في وحدة "سارت ماتكال" ـ أشهر وحدة كوماندوز في الجيش الإسرائيلي ـ رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون ورئيس الأركان موشى يعلون أكدوا فيها عزمهم على عدم أداء الخدمة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة على أساس أن الأساليب العسكرية الإسرائيلية قد تجاوزت الحدود الفاصلة بين مجرد القتال من أجل قضية عادلة وبين اضطهاد شعب آخر، مشيرين إلى أنهم كتبوا هذا الخطاب بدافع الحرص على مستقبل إسرائيل وقلقهم من تدهور صورتها الأخلاقية.وفي تأكيد واضح على تجاوز القوات الإسرائيلية أخلاقيات الجندية، أعلن العميد السابق في الجيش الإسرائيلي "إيتان رونيل" يوم 4/1/2004 أنه سلم أوسمته إلى رئيس الأركان موشى يعلون احتجاجًا على سلوك قواته في الأراضي المحتلة، قائلاً : " إن الجيش لم يعد يحترم القيم الأخلاقية التي كان يعتمدها فيما مضى، فثمة أطفال يقتلون بانتظام برصاصنا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهذا غير شرعي وغير أخلاقي"، مشيرًا إلى أن التجاوزات وعمليات الإذلال تزداد خطورة وعددًا؛ لأنه "لا يتم إصدار أوامر ولا فرض عقوبات بشكل واضح"، وامتد هذا الرفض إلى سلاح البحرية الإسرائيلي؛ حيث قام قائده الجنرال "يديديا ياعارى" يوم 17/11/2003 بإقصاء قائد سفينة حربية من منصبه بعد أن أعلن رفضه القيام بجولات بحرية بالقرب من مدينة غزة لمنع الصيادين الفلسطينيين من التجول بحرية في البحر والبحث عن مصدر رزقهم والمشاركة في عمليات القصف البحري للمدينة.واللافت أن حركة الرفض هذه بدأت تحظى بتأييد واسع داخل الرأي العام الإسرائيلي، حيث تكشف هذه الاستطلاعات أن 30% من الإسرائيليين يؤيدون رفض الخدمة في الأراضي المحتلة، كما برزت بعض المنظمات التي خصصت جزءًا من جهودها للدفاع عن الحق في رفض الخدمة مثل جماعة "يوجد حدود" الإسرائيلية، وكانعكاس لكل ذلك تحرك الاتحاد الدولي لرابطات حقوق الإنسان في العالم، والذي أصدر تقريرًا ندد فيه بالمحاكمات التي جرت في إسرائيل للمجندين الرافضين أداء الخدمة العسكرية في الأراضي الفلسطينية، وأكد التقرير أن لجوء الحكومة الإسرائيلية المتزايد للمحاكم العسكرية لعقاب هؤلاء الجنود الذين يطلق عليهم في مصطلح حقوق الإنسان "معارضو الضمير" يضر بشكل كبير بصورة الجيش الإسرائيلي والسياسة الإسرائيلية، كما أصدرت منظمة العفو الدولية بيانًا في مايو 2003 طالبت فيه إسرائيل بالاعتراف بحق رفض أداء الخدمة العسكرية على أساس أسباب تتعلق بالضمير، طبقًا لما هو وارد في المعاهدة الدولية للحقوق المدنية والسياسية. ويكشف هذا الأمر، عن حقيقة مؤداها أن جزءًا كبيرًا من مسؤولية الممارسات التي يقوم بها الجنود الإسرائيليون يتحمله قادة الجيش والحكومة؛ ففي الوقت الذي يتجاهلون فيه التجاوزات الكبيرة لجنودهم الذين يندر أن تتم محاسبتهم، لدرجة جعلتهم يعتقدون أنهم فوق القانون، يقومون بمحاكمة الجنود الذين يملكون جزءًا من الضمير الإنساني ويرفضون ممارسة عمليات قتل وتعذيب ضد المدنيين الفلسطينيين. وبصرف النظر عن مدى قوة حركة الرفض الداخلية في إسرائيل والانتقادات القليلة وقدرتها على التأثير على السياسة الإسرائيلية، فإن تصرفات الجيش الإسرائيلي تكشف عن غياب واضح لأية قواعد قانونية أو أخلاقية في التعامل مع المدنيين في الأراضي المحتلة بشكل أثار انتقاد بعض منتسبيه، وسط تجاهل بل وتأييد الولايات المتحدة التي تعتبر تصرف إسرائيل وممارساتها دفاعًا عن النفس، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل: هل أصبح الجنود الإسرائيليون فوق مستوى القانون والمحاسبة؟ وأين الضمير أو القانون الدولي مما يحدث في الأراضي المحتلة؟!

bottom of page