top of page

25/12/2023

اتجاهات التغيير في المواقف الأوروبية بشأن حرب غزة

في‭ ‬بداية‭ ‬العدوان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الأخير‭ ‬على‭ ‬غزة؛‭ ‬قدمت‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬دعمها‭ ‬المطلق‭ ‬لدولة‭ ‬الاحتلال،‭ ‬بما‭ ‬يُمكن‭ ‬حكومتها‭ ‬اليمينية‭ ‬المتطرفة‭ ‬من‭ ‬التصرف‭ ‬بأي‭ ‬وسيلة‭ ‬ترغب‭ ‬فيها‭. ‬وبدلاً‭ ‬من‭ ‬إصدار‭ ‬دعوات‭ ‬تحذير‭ ‬من‭ ‬التصعيد‭ ‬لتجنب‭ ‬صراع‭ ‬إقليمي‭ ‬أوسع‭ ‬تبنت‭ ‬حكومات‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬‮«‬الولايات‭ ‬المتحدة‮»‬،‭ ‬و«المملكة‭ ‬المتحدة‮»‬،‭ ‬و«فرنسا‮»‬،‭ ‬و«ألمانيا‮»‬،‭ ‬ما‭ ‬أسمته‭ ‬‮«‬حق‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسها‮»‬،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬تزويدها‭ ‬بالسلاح‭ ‬والدعم‭ ‬السياسي،‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬معه‭ ‬أن‭ ‬الغرب‭ ‬قد‭ ‬منحها‭ ‬مطلق‭ ‬الحرية‭ ‬في‭ ‬قتل‭ ‬المدنيين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مساءلة‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬استشهاد‭ ‬وإصابة‭ ‬آلاف‭ ‬المدنيين‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬واحتجاج‭ ‬وإدانة‭ ‬الملايين‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬ضد‭ ‬العدوان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بسبب‭ ‬عمليات‭ ‬القصف‭ ‬الجوي،‭ ‬واشتداد‭ ‬ضراوة‭ ‬الغزو‭ ‬البري‭ ‬لقطاع‭ ‬غزة؛‭ ‬فقد‭ ‬رفضت‭ ‬الدول‭ ‬المذكورة‭ ‬أعلاه‭ ‬تغيير‭ ‬مواقفها،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يدمر‭ ‬سمعتها‭ ‬كمدافعة‭ ‬عن‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬–كما‭ ‬تدعي–‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬أكد‭ ‬ازدواجية‭ ‬معاييرها،‭ ‬واعتبارها‭ ‬شريكة‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬القتل‭ ‬والتدمير‭ ‬ضد‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭.‬

ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬العدوان‭ ‬ووضوح‭ ‬نوايا‭ ‬إسرائيل،‭ ‬ورغبتها‭ ‬في‭ ‬إلحاق‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬المعاناة‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬المحتلة،‭ ‬وضياع‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬إمكانية‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬دائم‭ ‬لوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬تغيرت‭ ‬مواقف‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬–‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬بعضها‭ ‬كان‭ ‬أبطأ‭ ‬من‭ ‬غيرها‭ ‬–‭ ‬ومنذ‭ ‬بداية‭ ‬الحرب،‭ ‬كان‭ ‬موقف‭ ‬‮«‬بلجيكا‮»‬‭ ‬و«إيرلندا‮»‬‭ ‬و«إسبانيا‮»‬،‭ ‬داخل‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬‮«‬صريحًا‮»‬،‭ ‬وحثوا‭ ‬‮«‬بروكسل‮»‬،‭ ‬مرارا‭ ‬على‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬فوري‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار‭ ‬لدواعِ‭ ‬إنسانية‭.‬

وبعد‭ ‬دخول‭ ‬الحرب‭ ‬شهرها‭ ‬الثالث،‭ ‬وفشل‭ ‬عدة‭ ‬قرارات‭ ‬من‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬الأمن‮»‬‭ ‬التابع‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬والجمعية‭ ‬العامة‭ ‬بشأن‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬فوري‭ ‬لأعمال‭ ‬العنف؛‭ ‬أبدت‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬‮«‬باريس‮»‬،‭ ‬و«لندن‮»‬،‭ ‬و«برلين‮»‬،‭ ‬قبولها‭ ‬للحاجة‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار؛‭ ‬ووضع‭ ‬حد‭ ‬للمعاناة‭ ‬الإنسانية‭ ‬داخل‭ ‬غزة،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬هناك‭ ‬اختلافات‭ ‬بينها‭ ‬حول‭ ‬متى‭ ‬يجب‭ ‬الدفع‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬وما‭ ‬الشروط‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬الوفاء‭ ‬بها‭ ‬أولاً‭.‬

وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القرارات‭ ‬قد‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬عزلة‭ ‬‮«‬الولايات‭ ‬المتحدة‮»‬،‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬–‭ ‬بسبب‭ ‬دعمها‭ ‬المستمر‭ ‬واللامحدود‭ ‬لإسرائيل‭ ‬‮«‬سياسيًا‭ ‬وعسكريًا‮»‬‭ ‬–‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي،‭ ‬حيث‭ ‬ترفض‭ ‬تغيير‭ ‬موقفها‭ ‬للانضمام‭ ‬إلى‭ ‬بقية‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬العدوان‭.‬

ومع‭ ‬تسجيل‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الغربية‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬تصاعد‭ ‬حرب‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تفاقم‭ ‬الكارثة‭ ‬الإنسانية‭ ‬هناك،‭ ‬حيث‭ ‬استشهد‭ ‬قرابة‭ ‬20‭ ‬ألفا‭ (‬بينهم‭ ‬ما‭ ‬يربو‭ ‬على‭ ‬7‭ ‬آلاف‭ ‬طفل،‭ ‬و5‭ ‬آلاف‭ ‬امرأة‭)‬،‭ ‬وتجاوز‭ ‬عدد‭ ‬المصابين‭ ‬55‭ ‬ألفا‭ (‬بينهم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬75%‭ ‬أطفال‭ ‬ونساء‭)‬،‭ ‬وتدمير‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬70%‭ ‬من‭ ‬المنازل،‭ ‬ونزوح‭ ‬نحو‭ ‬1‭.‬9‭ ‬مليون‭ ‬شخص؛‭ ‬بسبب‭ ‬حملات‭ ‬القصف‭ ‬التي‭ ‬اعترف‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬‮«‬جو‭ ‬بايدن‮»‬،‭ ‬نفسه‭ ‬أنها‭ ‬حملات‭ ‬‮«‬عشوائية»؛‭ ‬فقد‭ ‬تزايدت‭ ‬الإدانات‭ ‬الدولية‭ ‬لهذه‭ ‬الجرائم‭ ‬ضد‭ ‬المدنيين‭. ‬وأدانت‭ ‬‮«‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‮»‬،‭ ‬قوات‭ ‬الاحتلال‭ ‬لتحويلها‭ ‬مستشفيات‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬حمام‭ ‬دم‮»‬،‭ ‬واتهمتها‭ ‬منظمة‭ ‬‮«‬هيومن‭ ‬رايتس‭ ‬ووتش‮»‬،‭ ‬باستخدام‭ ‬التجويع‭ ‬كـ«سلاح‭ ‬حرب‮»‬‭ ‬ضد‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬ووصف‭ ‬‮«‬المجلس‭ ‬النرويجي‭ ‬للاجئين‮»‬،‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬نهاية‭ ‬العالم‭ ‬الإنسانية‮»‬‭.‬

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬التضامن‭ ‬مع‭ ‬سكان‭ ‬غزة‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬واستحضار‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬‮«‬أنطونيو‭ ‬غوتيريش‮»‬،‭ ‬للمادة‭ (‬99‭) ‬من‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬ولايته؛‭ ‬فقد‭ ‬صوتت‭ ‬153‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬‮«‬الجمعية‭ ‬العامة‮»‬،‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬12‭ ‬ديسمبر‭ ‬للدعوة‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬فوري‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬غير‭ ‬ملزم،‭ ‬فقد‭ ‬صوتت‭ ‬‮«‬الولايات‭ ‬المتحدة‮»‬‭ ‬ضده،‭ ‬بينما‭ ‬امتنعت‭ ‬‮«‬المملكة‭ ‬المتحدة‮»‬،‭ ‬و«ألمانيا‮»‬‭ ‬عن‭ ‬التصويت‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬21‭ ‬دولة‭ ‬أخرى‭.‬

ودليلًا‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬قوة‭ ‬الضغط‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية،‭ ‬والتصدي‭ ‬لدعمها‭ ‬شبه‭ ‬الكامل‭ ‬للعدوان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬غزة؛‭ ‬انضمت‭ ‬‮«‬لندن‮»‬،‭ ‬و«برلين‮»‬،‭ ‬يوم‭ ‬17‭ ‬ديسمبر،‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬باريس‮»‬،‭ ‬في‭ ‬إعلان‭ ‬تغيير‭ ‬موقفها‭ ‬ودعم‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬القطاع،‭ ‬حيث‭ ‬دعمت‭ ‬الدولتان‭ ‬تصويت‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ -‬المذكور‭ ‬أعلاه‭ ‬–‭ ‬على‭ ‬وقف‭ ‬فوري‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار،‭ ‬وانضمت‭ ‬بالفعل‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬الأخرى؛‭ ‬مثل‭ (‬السويد،‭ ‬بولندا،‭ ‬الدنمارك،‭ ‬اليونان،‭ ‬بولندا،‭ ‬وفنلندا‭)‬،‭ ‬في‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬التصويت‭ ‬إلى‭ ‬الموافقة‭.‬

علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬دعت‭ ‬وزيرة‭ ‬الخارجية‭ ‬الفرنسية‭ ‬‮«‬كاثرين‭ ‬كولونا‮»‬،‭ ‬قبل‭ ‬زيارتها‭ ‬إلى‭ ‬إسرائيل‭ ‬مؤخرا؛‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬هدنة‭ ‬فورية‭ ‬ودائمة‮»‬،‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬وقف‭ ‬دائم‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار؛‭ ‬بهدف‭ ‬إطلاق‭ ‬سراح‭ ‬جميع‭ ‬الرهائن،‭ ‬وتوصيل‭ ‬المساعدات‭ ‬إلى‭ ‬غزة‮»‬‭. ‬وكتب‭ ‬‮«‬ديفيد‭ ‬كاميرون‮»‬،‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬البريطاني،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬‮«‬أنالينا‭ ‬بيربوك‮»‬،‭ ‬وزيرة‭ ‬الخارجية‭ ‬الألمانية‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬صنداي‭ ‬تايمز‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬حكومتيهما‭ ‬تدعم‭ ‬الآن‭ ‬ما‭ ‬أسموه‭ ‬‮«‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬المستدام‮»‬‭ ‬في‭ ‬غزة‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬إقرار‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬‮«‬برلين‮»‬،‭ ‬و«لندن‮»‬،‭ ‬بالكارثة‭ ‬الإنسانية‭ ‬داخل‭ ‬غزة،‭ ‬والحاجة‭ ‬الملحة‭ ‬لزيادة‭ ‬المساعدات‭ ‬والإغاثة‭ ‬للمدنيين؛‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬البريطانية‭ ‬والألمانية‭ ‬لم‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬فوري‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار،‭ ‬حيث‭ ‬تصور‭ ‬‮«‬كاميرون‮»‬،‭ ‬و«بيربوك‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬حكومتيهما‭ ‬لا‭ ‬تريان‭ ‬في‭ ‬‮«‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬فوري‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار‮»‬،‭ ‬هي‭ ‬‮«‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‮»‬،‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أن‭ ‬‮«‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬غير‭ ‬المستدام‮»‬،‭ ‬سوف‭ ‬ينهار‭ ‬بسرعة،‭ ‬وسيؤدي‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬صعوبة‭ ‬إرساء‭ ‬الثقة‭ ‬اللازمة‭ ‬للسلام‭.‬

ومع‭ ‬أن‭ ‬القوى‭ ‬الغربية‭ ‬الأكثر‭ ‬نفوذا‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬قد‭ ‬غيرت‭ ‬مواقفها‭ ‬تجاه‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬نهاية‭ ‬دبلوماسية‭ ‬للحرب‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬كما‭ ‬أوضح‭ ‬‮«‬جون‭ ‬راثبون‮»‬،‭ ‬و«سارة‭ ‬وايت‮»‬،‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬فاينانشال‭ ‬تايمز»؛‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تواصل‭ ‬السير‭ ‬على‭ ‬‮«‬مسار‭ ‬دبلوماسي‭ ‬دقيق‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬حربها،‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت،‭ ‬تسعى‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬كبح‭ ‬جماح‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬والدعوة‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬الدولتين‮»‬‭. ‬

وكدليل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الدعم‭ ‬الذي‭ ‬تقدمه‭ ‬‮«‬المملكة‭ ‬المتحدة‮»‬،‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬إسرائيل‭ -‬فوق‭ ‬كل‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الأخرى‭ ‬–‭ ‬يُضعف‭ ‬التزامها‭ ‬بالسلام،‭ ‬وحماية‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬للمدنيين؛‭ ‬فقد‭ ‬أوضح‭ ‬‮«‬أوليفر‭ ‬دودن‮»‬،‭ ‬نائب‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬البريطاني‭: ‬أن‭ ‬دعم‭ ‬حكومته‭ ‬لوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار،‭ ‬مشروط‭ ‬بوقف‭ ‬‮«‬تهديد‭ ‬حماس‭ ‬لإسرائيل‮»‬،‭ ‬وعندما‭ ‬سُئل‭ ‬عما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬قد‭ ‬تصرف‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬متناسب‭ ‬في‭ ‬حربه‭ ‬ضد‭ ‬غزة،‭ ‬قال‭ ‬إنه‭ ‬‮«‬لن‭ ‬يصف‭ ‬الأمر‭ ‬بأن‭ ‬إسرائيل‭ ‬قد‭ ‬تمادت‭ ‬في‭ ‬ردها»؛‭ ‬ولكن‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬‮«‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬أمر‭ ‬بالغ‭ ‬الصعوبة‮»‬‭.‬

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬الالتزام‭ ‬المشكوك‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬بوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬يُضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬استمرار‭ ‬رفض‭ ‬‮«‬إدارة‭ ‬بايدن‮»‬،‭ ‬الاعتراف‭ ‬بإدانة‭ ‬بقية‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي،‭ ‬وإظهار‭ ‬القيادة‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والسياسية‭ ‬في‭ ‬دعوة‭ ‬إسرائيل‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬حربها‭ ‬على‭ ‬المدنيين‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬‮«‬ماكيرنان‮»‬،‭ ‬قد‭ ‬أوضحت‭ ‬أن‭ ‬‮«‬واشنطن‮»‬،‭ ‬‮«‬تضغط‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭ ‬منذ‭ ‬أسابيع‭ ‬لتقليص‭ ‬عملياتها‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬ومشاركة‭ ‬خطط‭ ‬قوية‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب،‭ ‬وتوقع‭ ‬من‭ ‬سيسيطر‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬عندما‭ ‬يتوقف‭ ‬القتال»؛‭ ‬فقد‭ ‬أشارت‭ ‬‮«‬ماكيرنان‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬لا‭ ‬تزال‭ ‬توفر‭ ‬غطاءً‭ ‬عسكريًا‭ ‬ودبلوماسيًا‭ ‬قويًا‮»‬‭ ‬لإسرائيل‭. ‬

وبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬حق‭ ‬النقض‭ ‬‮«‬الفيتو‮»‬،‭ ‬ضد‭ ‬قرار‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬الأمن‮»‬،‭ ‬بشأن‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار؛‭ ‬فقد‭ ‬واصلت‭ ‬‮«‬الولايات‭ ‬المتحدة‮»‬،‭ ‬إرسالها‭ ‬أنواعا‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬الأسلحة‭ ‬الفتاكة‭ ‬إلى‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تطبيق‭ ‬أي‭ ‬شروط‭ ‬على‭ ‬استخدامها‭ ‬ضد‭ ‬أهداف‭ ‬مدنية،‭ ‬وهو‭ ‬مستوى‭ ‬الدعم‭ ‬الذي‭ ‬حث‭ ‬به‭ ‬‮«‬ديلان‭ ‬ويليامز‮»‬،‭ ‬من‭ ‬‮«‬مركز‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية‮»‬،‭ ‬على‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬المساءلة؛‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬أن‭ ‬الأرقام‭ ‬المسجلة‭ ‬للضحايا‭ ‬المدنيين‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬‮«‬هي‭ ‬دليل‭ ‬ظاهر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬لم‭ ‬توفي‭ ‬بالتزاماتها‭ ‬بموجب‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬والإنساني،‭ ‬باتخاذ‭ ‬الاحتياطات‭ ‬اللازمة‭ ‬لتجنب‭ ‬وقوع‭ ‬خسائر‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬المدنيين،‭ ‬وإلحاق‭ ‬الضرر‭ ‬بالبنية‭ ‬التحتية‭ ‬المدنية‮»‬‭. ‬

علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬اعتراف‭ ‬‮«‬بايدن‮»‬‭ ‬نفسه‭ ‬بأن‭ ‬إسرائيل‭ ‬‮«‬بدأت‭ ‬تفتقد‭ ‬الدعم‭ ‬والمساندة‮»‬،‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم؛‭ ‬هو‭ ‬اعتراف‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬الإدانة‭ ‬الدولية‭ ‬لها‭ ‬لكيفية‭ ‬انتقامها‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬والنساء‭ ‬والمسنين‭ ‬من‭ ‬المدنيين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬استنكرته‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬ومنظمات‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬ومئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المتظاهرين‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى،‭ ‬مثل‭ ‬لندن‭ ‬ونيويورك‭ ‬وباريس‭ ‬وبرلين‭ ‬ومدريد‭ ‬ودبلن‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬العواصم‭ ‬والمدن‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

وفي‭ ‬واقع‭ ‬الأمر،‭ ‬فإن‭ ‬‮«‬الولايات‭ ‬المتحدة‮»‬،‭ ‬ليست‭ ‬وحدها‭ ‬من‭ ‬ترفض‭ ‬دعم‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تزايد‭ ‬المجموعة‭ ‬الدولية‭ ‬المؤيدة‭ ‬له‭. ‬وبالفعل،‭ ‬فشل‭ ‬‮«‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‮»‬،‭ ‬في‭ ‬مراجعة‭ ‬موقفه‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تصعيد‭ ‬إسرائيل‭ ‬للعنف‭. ‬وأكد‭ ‬‮«‬شارل‭ ‬ميشيل‮»‬،‭ ‬من‭ ‬‮«‬المجلس‭ ‬الأوروبي‮»‬،‭ ‬دعم‭ ‬‮«‬بروكسل‮»‬،‭ ‬المستمر‭ ‬لإسرائيل‭ ‬والالتزام‭ ‬بموقفها‭ ‬بشأن‭ ‬الحرب،‭ ‬والذي‭ ‬قادته‭ ‬رئيسة‭ ‬المفوضية‭ ‬الأوروبية،‭ ‬‮«‬أورسولا‭ ‬فون‭ ‬دير‭ ‬لاين‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬رسالة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬التكتل‮»‬،‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬‮«‬إيف‭ ‬غيدي‮»‬،‭ ‬مديرة‭ ‬‮«‬منظمة‭ ‬العفو‭ ‬الدولية‮»‬،‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬أكدت‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‮»‬،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬‮«‬تقاعسه،‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬التجرد‭ ‬من‭ ‬الإنسانية‭ ‬وتأجيج‭ ‬التطرف‮»‬‭.‬

على‭ ‬العموم،‭ ‬فإنه‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬التحولات‭ ‬الخجولة‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬‮«‬لندن‮»‬،‭ ‬و«برلين‮»‬،‭ ‬تجاه‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬هي‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬تأثير‭ ‬الضغط‭ ‬الدولي‭ ‬عليها‭ ‬لمراجعة‭ ‬سياساتها،‭ ‬اعترافا‭ ‬بقوة‭ ‬الإدانة‭ ‬الدولية‭ ‬للجرائم‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بحق‭ ‬المدنيين‭ ‬الفلسطينيين؛‭ ‬فإن‭ ‬الواقع‭ ‬يُظهر‭ ‬أن‭ ‬الدولتين،‭ ‬مازالتا‭ ‬غير‭ ‬ملتزمتين‭ ‬بالحاجة‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬لأسباب‭ ‬إنسانية‭. ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬فإنه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬دعم‭ ‬عملية‭ ‬السلام‭ ‬من‭ ‬‮«‬الولايات‭ ‬المتحدة»؛‭ ‬تحتفظ‭ ‬إسرائيل‭ ‬بأقوى‭ ‬داعم‭ ‬لها‭ ‬لمواصلة‭ ‬الحرب‭.‬

ومع‭ ‬غياب‭ ‬القيادة‭ ‬الغربية‭ ‬عن‭ ‬عملية‭ ‬صنع‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة،‭ ‬وإخفاقها‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬من‭ ‬جرائم‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬والضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬تضاءلت‭ ‬الثقة‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬‮«‬الولايات‭ ‬المتحدة‮»‬،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬نصبت‭ ‬نفسها،‭ ‬مسؤولة‭ ‬عن‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬الذي‭ ‬باتت‭ ‬معه‭ ‬‮«‬منعدمة‮»‬،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تبنيها‭ ‬لسياسات‭ ‬تتجاهل‭ ‬محنة‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬لصالح‭ ‬الروايات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المختلقة‭ ‬والمضللة؛‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬إمكانية‭ ‬إنهاء‭ ‬هذه‭ ‬الدائرة‭ ‬من‭ ‬القمع‭ ‬والعنف‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬المحتلة،‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬أدنى‭ ‬مستوياته‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭. ‬وفي‭ ‬ضوء‭ ‬هذا‭ ‬الوضع،‭ ‬خلص‭ ‬‮«‬مارتن‭ ‬غريفيث‮»‬،‭ ‬وكيل‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬للشؤون‭ ‬الإنسانية،‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يعتقد‭ ‬أننا‭ ‬‮«‬بلغنا‭ ‬منتصف‭ ‬الطريق‮»‬‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬غزة،‭ ‬وأن‭ ‬هناك‭ ‬احتمالاً‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬أمامنا‭ ‬أسابيع‭ ‬وأسابيع‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬أوزارها‮»‬‭.‬

{ انتهى  }
bottom of page