top of page

30/01/2024

قراءة في سياسة بريطانيا الخارجية في الشرق الأوسط

خلال‭ ‬العدوان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬غزة،‭ ‬وقفت‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ودعمت‭ ‬قوات‭ ‬الاحتلال؛‭ ‬اقتصاديا،‭ ‬وسياسيا،‭ ‬وعسكريا،‭ ‬ودبلوماسيا،‭ ‬بخلاف‭ ‬أغلبية‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬التي‭ ‬دعت‭ ‬إلى‭ ‬هدنة‭ ‬إنسانية،‭ ‬ووقف‭ ‬كامل‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار‭. ‬وأشار‭ ‬الكاتب‭ ‬البريطاني‭ ‬جوناثان‭ ‬هارفي،‭ ‬إلى‭ ‬كيف‭ ‬أدى‭ ‬تَبنّيها‭ ‬لمواقف‭ ‬واشنطن،‭ ‬إلى‭ ‬عزلتها‭ ‬السياسية،‭ ‬وتحطيم‭ ‬سمعتها‭ ‬الإقليمية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وتقويض‭ ‬مكانتها‭ ‬كمدافعة‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وداعمة‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭. ‬

وتكمن‭ ‬الأولويات‭ ‬الحقيقية‭ ‬للسياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬البريطانية‭ ‬بشأن‭ ‬حرب‭ ‬غزة‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬مواجهة‭ ‬هجمات‭ ‬الحوثيين‭ ‬على‭ ‬السفن‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تردد‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬ريشي‭ ‬سوناك،‭ ‬ووزير‭ ‬الخارجية‭ ‬ديفيد‭ ‬كاميرون،‭ ‬ووزير‭ ‬الدفاع‭ ‬جرانت‭ ‬شابس،‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬سياسي‭ ‬تجاه‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬القطاع؛‭ ‬فإنهم‭ ‬لم‭ ‬يترددوا‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬عسكري‭ ‬ضد‭ ‬الحوثيين،‭ ‬بعد‭ ‬تهديدهم‭ ‬للملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر‭. ‬

وتأكيدًا‭ ‬لهذا‭ ‬التحليل،‭ ‬صرح‭ ‬شابس،‭ ‬بأن‭ ‬بلاده‭ ‬باتت‭ ‬على‭ ‬شفا‭ ‬حرب؛‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬المسلح‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬روسيا‭ ‬وإيران‭ ‬والصين،‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬مفر‭ ‬منه‭. ‬وفي‭ ‬منتصف‭ ‬يناير2024،‭ ‬ألقى‭ ‬خطابا‭ ‬ادعى‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬يُعد‭ ‬نقطة‭ ‬تحول،‭ ‬وأن‭ ‬على‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬تقرر‭ ‬مستقبل‭ ‬سياستها‭ ‬الدفاعية،‭ ‬مستشهدًا‭ ‬برأي‭ ‬الحكومة‭ ‬حول‭ ‬إمكانية‭ ‬نمو‭ ‬الصراعات‭ ‬العالمية،‭ ‬مؤكدا‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة،‭ ‬بسبب‭ ‬تزايد‭ ‬الدول‭ ‬العدائية‭ ‬للغرب‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الصدد،‭ ‬ركز‭ ‬على‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وأعداء‭ ‬إسرائيل،‭ ‬ووصف‭ ‬إيران‭ ‬والحوثيين،‭ ‬بأنهم‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أبرز‭ ‬خصوم‭ ‬بريطانيا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭. ‬

وبناء‭ ‬عليه،‭ ‬رأى‭ ‬المحللون‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬التصريحات‭ ‬توجه‭ ‬سياسة‭ ‬بريطانيا‭ ‬الخارجية‭ ‬العدوانية‭ ‬نحو‭ ‬الأمام،‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬الدبلوماسية،‭ ‬والمفاوضات‭ ‬لتهدئة‭ ‬الأزمات‭ ‬الإقليمية‭. ‬وشَبَّه‭ ‬أندرو‭ ‬دورمان،‭ ‬من‭ ‬المعهد‭ ‬الملكي‭ ‬للشؤون‭ ‬الدولية،‭ ‬محاولة‭ ‬لندن‭ ‬الحالية‭ ‬لحماية‭ ‬مصالحها‭ ‬من‭ ‬المنافسين‭ ‬بخطاب‭ ‬محور‭ ‬الشر،‭ ‬الذي‭ ‬ألقاه‭ ‬جورج‭ ‬دبليو‭ ‬بوش،‭ ‬عام‭ ‬2002‭. ‬

ونتيجة‭ ‬لهذا‭ ‬النهج،‭ ‬تعرضت‭ ‬سياسة‭ ‬بريطانيا‭ ‬الخارجية‭ ‬لانتقادات‭ ‬شديدة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المحللين‭ ‬والمراقبين‭. ‬ورأى‭ ‬جون‭ ‬ريس،‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬جولد‭ ‬سميث،‭ ‬أن‭ ‬لغة‭ ‬وزير‭ ‬الدفاع‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أوهام‭ ‬استعمارية‭ ‬كبرى،‭ ‬وانتقد‭ ‬جنون‭ ‬العظمة،‭ ‬لدى‭ ‬لندن،‭ ‬إزاء‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬الحكومات‭ ‬المعادية‭ ‬غير‭ ‬المستقرة،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتآمر‭ ‬ضدها‭.‬

وفي‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬تعرضت‭ ‬سياستها‭ ‬الخارجية‭ ‬أيضًا‭ ‬للانتقادات،‭ ‬حيث‭ ‬يتناقض‭ ‬انضمامها‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬لشن‭ ‬غارات‭ ‬جوية‭ ‬ضد‭ ‬الحوثيين،‭ ‬مع‭ ‬إصرار‭ ‬شابس،‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬حكومته‭ ‬الاضطلاع‭ ‬بمسؤولياتها‭ ‬بمفردها‭ ‬عندما‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭. ‬وأشارت‭ ‬الصحفية‭ ‬البريطانية‭ ‬إيفون‭ ‬ريدلي،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬ارتكبت‭ ‬خطئًا‭ ‬فادحًا‭ ‬في‭ ‬أفغانستان،‭ ‬وانخرطت‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬مخزية‭ ‬وغير‭ ‬قانونية‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬واشنطن،‭ ‬ولندن،‭ ‬أن‭ ‬يدركا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬الخطر‭ ‬للتدخل‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬سيكون‭ ‬له‭ ‬تداعيات‭ ‬طويلة‭ ‬المدى‭. ‬

ومتفقا‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬التحليل،‭ ‬أشار‭ ‬ريس،‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬تضمين‭ ‬تصريحات‭ ‬شابس،‭ ‬أي‭ ‬اعتراف،‭ ‬بحقيقة‭ ‬أن‭ ‬سياسة‭ ‬لندن‭ ‬الخارجية‭ ‬عانت‭ ‬من‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الانتكاسات‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬بالآونة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬والتي‭ ‬ظهرت‭ ‬جليًا‭ ‬في‭ ‬فشلها‭ ‬الذريع‭ ‬في‭ ‬أفغانستان،‭ ‬والكارثة‭ ‬الأكبر‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬العراق،‭ ‬والحروب‭ ‬الأهلية‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬وسوريا،‭ ‬التي‭ ‬أسفرت‭ ‬عن‭ ‬منطقة‭ ‬حرب‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬حكمها‭ ‬والسيطرة‭ ‬عليها‭. ‬

علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬تزايدت‭ ‬الانتقادات‭ ‬لسياستها‭ ‬الخارجية؛‭ ‬بسبب‭ ‬فشل‭ ‬العمل‭ ‬العسكري‭ ‬ضد‭ ‬الحوثيين‭ ‬في‭ ‬ردع‭ ‬تهديداتهم‭ ‬للشحن‭ ‬التجاري‭ ‬الدولي،‭ ‬وعوضًا‭ ‬عن‭ ‬ذلك،‭ ‬تزايدت‭ ‬التوترات‭ ‬الإقليمية‭ ‬مع‭ ‬إيران‭. ‬وادعى‭ ‬كاميرون،‭ ‬أن‭ ‬الضربات‭ ‬الجوية‭ ‬تبعث‭ ‬بأوضح‭ ‬رسالة‭ ‬ممكنة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬أوضح‭ ‬دورمان،‭ ‬أن‭ ‬طموح‭ ‬بريطانيا‭ ‬يفوق‭ ‬قدرتها‭ ‬العسكرية،‭ ‬حيث‭ ‬يلعب‭ ‬سلاح‭ ‬الجو‭ ‬الملكي‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬دورًا‭ ‬رمزيًا‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير،‭ ‬مقارنة‭ ‬بالأمريكيين‭. ‬

واستمرار،‭ ‬قيّم‭ ‬مايكل‭ ‬هورتون،‭ ‬من‭ ‬مؤسسة‭ ‬جيمس‭ ‬تاون،‭ ‬هذه‭ ‬الضربات‭ ‬الجوية‭ ‬بأنها‭ ‬لن‭ ‬تحد‭ ‬بشكل‭ ‬جدي‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬الحوثيين‭ ‬على‭ ‬ضرب‭ ‬أهداف‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬وأن‭ ‬إضعاف‭ ‬قدرتهم‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬حملة‭ ‬جوية‭ ‬مطولة‭ ‬وواسعة‭ ‬النطاق،‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭. ‬وبينما‭ ‬نفى‭ ‬هذا‭ ‬الاحتمال،‭ ‬باعتباره‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬ترويجه‭ ‬سياسيا‭ ‬واقتصاديا‭ ‬بالنسبة‭ ‬للغرب،‭ ‬فإنه‭ ‬يجب‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬استمرار‭ ‬هجمات‭ ‬واشنطن،‭ ‬ولندن،‭ ‬ضد‭ ‬الحوثيين‭ ‬في‭ ‬اليمن‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يصر‭ ‬فيه‭ ‬سوناك،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬حكومته‭ ‬لا‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة،‭ ‬مع‭ ‬الحوثيين‭ ‬أو‭ ‬إيران،‭ ‬تتوقع‭ ‬ريدلي،‭ ‬فترة‭ ‬غير‭ ‬محددة‭ ‬من‭ ‬الضربات‭ ‬الجوية،‭ ‬التي‭ ‬أقرت‭ ‬بأنها‭ ‬لن‭ ‬تفعل‭ ‬الكثير‭ ‬لتحقيق‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬طرق‭ ‬الشحن‭.‬

ومع‭ ‬إشارة‭ ‬النواب‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬العموم‭ ‬البريطاني،‭ ‬إلى‭ ‬مخاوفهم‭ ‬بشأن‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬استراتيجية‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬أزمة‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر؛‭ ‬أشارت‭ ‬صحيفة‭ ‬الجارديان،‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬سابقة‭ ‬برلمانية‭ ‬للأعضاء‭ ‬للتصويت‭ ‬بالموافقة‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا؛‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬حكومة‭ ‬سوناك،‭ ‬تجاهلت‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الدعوات‭. ‬وأعربت‭ ‬ريدلي،‭ ‬عن‭ ‬أسفها‭ ‬لكيفية‭ ‬تجاوز‭ ‬سوناك،‭ ‬وكاميرون،‭ ‬أي‭ ‬نقاش‭ ‬سياسي،‭ ‬محلي‭ ‬لمواصلة‭ ‬حملة‭ ‬القصف‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬والتي‭ ‬تدعم‭ ‬مصالح‭ ‬إسرائيل‭ ‬قبل‭ ‬مصالح‭ ‬الاستقرار‭ ‬الإقليمي‭.‬

ويشير‭ ‬دعم‭ ‬بريطانيا‭ ‬المستمر‭ ‬لإسرائيل‭ -‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬اعتراف‭ ‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية،‭ ‬بارتكابها‭ ‬جرائم‭ ‬حرب،‭ ‬وإبادة‭ ‬جماعية،‭ ‬وحثها‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬تلك‭ ‬الممارسات‭ ‬في‭ ‬غزة‭- ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬تواجه‭ ‬عزلة‭ ‬دبلوماسية‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬العالم‭. ‬وفي‭ ‬تقويض‭ ‬خطير‭ ‬لما‭ ‬وصفه‭ ‬هارفي،‭ ‬بأنه‭ ‬المصلحة‭ ‬التاريخية‭ ‬الفريدة‭ ‬لبريطانيا‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬العربي؛‭ ‬سجلت‭ ‬ريدلي،‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ربط‭ ‬نفسها‭ ‬بمصالح‭ ‬إسرائيل،‭ ‬ورفض‭ ‬الاتهامات‭ ‬الموجهة‭ ‬لها‭ ‬بشأن‭ ‬انتهاكها‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي؛‭ ‬فقد‭ ‬أكد‭ ‬صناع‭ ‬السياسة‭ ‬البريطانيون‭ ‬افتقار‭ ‬بلادهم‭ ‬إلى‭ ‬القيادة‭ ‬العالمية‭ ‬والحنكة‭ ‬السياسية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬ضررا‭ ‬بالغا‭ ‬على‭ ‬سمعتها‭ ‬الدولية‭.‬

وكما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬حاولت‭ ‬بريطانيا،‭ ‬تحويل‭ ‬اللوم‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬والدمار‭ ‬الذي‭ ‬خلفته،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬إسرائيل‭. ‬وفي‭ ‬حين‭ ‬تجاهلت‭ ‬حكومة‭ ‬سوناك،‭ ‬النداءات‭ ‬العالمية‭ ‬الموجهة‭ ‬إليها‭ ‬لدعم‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬الإنساني‭ ‬الفوري‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المنظمات‭ ‬الحقوقية‭ ‬الدولية؛‭ ‬فقد‭ ‬أصر‭ ‬شابس،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬متروك‭ ‬لإيران‭ ‬ووكلائها‭ ‬للتوقف‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬السلام‭ ‬الإقليمي‭.‬

بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬يتجلى‭ ‬ضعف‭ ‬دور‭ ‬بريطانيا‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬محاسبة‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ارتكبته‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬من‭ ‬مجازر؛‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬رفض‭ ‬نتنياهو،‭ ‬قيام‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬مستقبلية‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬بوسع‭ ‬شابس،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يعلق‭ ‬قائلاً‭: ‬إنه‭ ‬يشعر‭ ‬بخيبة‭ ‬أمل‭ ‬من‭ ‬مواقف‭ ‬القادة‭ ‬الإسرائيليين‭. ‬وليس‭ ‬من‭ ‬المستغرب،‭ ‬ألا‭ ‬تُصدر‭ ‬أية‭ ‬ضغوط،‭ ‬أو‭ ‬ممارسة‭ ‬نفوذ‭ ‬عليها‭ ‬لتغيير‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭. ‬واستنادًا‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬دورها،‭ ‬وخضوعها‭ ‬لمطالب‭ ‬إسرائيل،‭ ‬أصرت‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬مستقبل‭ ‬القطاع،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬تحت‭ ‬قيادة‭ ‬مقبولة‭ ‬لدى‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وانضمت‭ ‬إلى‭ ‬الأمريكيين‭ ‬في‭ ‬تجاهل‭ ‬حقوق‭ ‬السيادة،‭ ‬وتقرير‭ ‬المصير‭ ‬للشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬في‭ ‬تأييدهم‭ ‬لتعيين‭ ‬حكومة‭ ‬مواتية،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬السماح‭ ‬بالديمقراطية‭ -‬التي‭ ‬يزعمونها‭- ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ظهور‭ ‬مرشحين‭ ‬يعارضون‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭.‬

وبشكل‭ ‬عام،‭ ‬تتضح‭ ‬ازدواجية‭ ‬المعايير‭ ‬البريطانية‭ ‬في‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬نشطت‭ ‬بها‭ ‬لندن،‭ ‬في‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬إطلاق‭ ‬سراح‭ ‬الأسرى‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬المحتجزين‭ ‬داخل‭ ‬غزة،‭ ‬وتسييرها‭ ‬رحلات‭ ‬استطلاعية‭ ‬فوق‭ ‬القطاع‭ ‬لدعم‭ ‬جهود‭ ‬إنقاذهم،‭ ‬وفي‭ ‬مقابل‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬تبذل‭ ‬أي‭ ‬جهد‭ ‬لإطلاق‭ ‬سراح‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬7000‭ ‬أسير‭ ‬فلسطيني‭ ‬تحتجزهم‭ ‬إسرائيل‭ ‬دون‭ ‬محاكمة،‭ ‬أو‭ ‬إدانة،‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬انتهاكا‭ ‬واضحا‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭.‬

ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬كانت‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬البريطانية‭ ‬أثناء‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬غزة؛‭ ‬سببًا‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬تصور‭ ‬مفاده‭ ‬أنها‭ ‬تتبع‭ ‬القيادة‭ ‬الأمريكية‭ ‬فحسب،‭ ‬ولا‭ ‬تستطيع‭ ‬ممارسة‭ ‬استقلاليتها‭. ‬وبينما‭ ‬انتقدت‭ ‬ريدلي،‭ ‬بشدة‭ ‬سياسة‭ ‬بلينكن،‭ ‬كوزير‭ ‬للخارجية،‭ ‬أعربت‭ ‬أيضًا‭ ‬عن‭ ‬يأسها‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬وزير‭ ‬خارجية‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬يحاول‭ ‬دون‭ ‬جدوى‭ ‬استخدام‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬المكوكية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬في‭ ‬كسب‭ ‬الدعم‭ ‬لإسرائيل‭. ‬ومع‭ ‬توسع‭ ‬العمل‭ ‬العسكري‭ ‬الغربي‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬رأت‭ ‬أن‭ ‬هذين‭ ‬السياسيين،‭ ‬يدفعان‭ ‬بلديهما‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬ينتهي؛‭ ‬بسبب‭ ‬دعمهما‭ ‬المطلق‭ ‬لإسرائيل‭. ‬

على‭ ‬العموم،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تصريحات‭ ‬سوناك،‭ ‬وكاميرون،‭ ‬وشابس،‭ ‬التي‭ ‬اعترفت‭ ‬بالمعاناة‭ ‬الإنسانية‭ ‬للمدنيين‭ ‬داخل‭ ‬غزة؛‭ ‬فإن‭ ‬مصالح‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬لبلادهم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب،‭ ‬تكمن‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬ملامح‭ ‬القيادة‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬وحماية‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬والتمسك‭ ‬بالقانون‭ ‬الدولي‭. ‬وعليه،‭ ‬خلص‭ ‬ريس،‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يتخيل‭ ‬شابس،‭ ‬أن‭ ‬بلاده‭ ‬تتجول‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬مثل‭ ‬عملاق،‭ ‬فإنها‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬باتت‭ ‬قوة‭ ‬متراجعة‭ ‬مقيدة‭ ‬بالولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تأكيد‭ ‬هورتون،‭ ‬أن‭ ‬الحل‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬تحدده‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬هو‭ ‬القابل‭ ‬للتطبيق‭ ‬للمشاكل‭ ‬الراهنة‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر؛‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬بريطانيا‭ ‬اختارت‭ ‬أن‭ ‬تتبع‭ ‬القيادة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬إجراء‭ ‬تدخل‭ ‬عسكري‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬لدعم‭ ‬أهداف‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬المخاطرة‭ ‬بتصعيد‭ ‬إقليمي‭. ‬

ومع‭ ‬تأكيد‭ ‬ديفيد‭ ‬هامبلينج،‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬فوربس،‭ ‬أن‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الحالية‭ ‬لبريطانيا‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬يمكن‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬ودمار‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ومزيد‭ ‬من‭ ‬التدهور‭ ‬في‭ ‬سمعتها‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬العالمية؛‭ ‬فقد‭ ‬اتفق‭ ‬مع‭ ‬استنتاج‭ ‬ريدلي،‭ ‬بأنها‭ ‬تتبنى‭ ‬بالفعل‭ ‬سياسة‭ ‬خارجية‭ ‬شرق‭ ‬أوسطية‭ ‬تفتقد‭ ‬للحكمة،‭ ‬وتسير‭ ‬خلف‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬فحسب‭ ‬في‭ ‬دعمها‭ ‬غير‭ ‬المشروط‭ ‬لإسرائيل‭.‬

{ انتهى  }
bottom of page