top of page
15/1/2019

تقرير الإيكونوميست حول الوضع الاقتصادي والسياسي للعالم في عام 2019

في مطلع كل عام جديد، يقدم كبار المحللين السياسيين والاقتصاديين في مجلة «الإيكونوميست» البريطانية مجموعة من التقارير الشاملة حول توقعاتهم على مختلف الأصعدة خلال الاثني عشر شهرا المقبلة. وفي تقرير الرصد السنوي لتوقعات العام الجديد 2019 الصادر عن الإيكونوميست، سنقوم بفحص وتدقيق توقعاتها للحالة الاقتصادية على مدار العام فيما يتعلق بالشرق الأوسط، مع التركيز بشكل خاص على دول مجلس التعاون الخليجي.
وعن إيران قال روجر ماكشين مؤلف «الصعوبات أمام إيران» ومحرر شؤون الشرق الأوسط في الإيكونوميست، إن قادة النظام يواجهون خطر إفلات قبضتهم عن السلطة، إثر اندلاع المظاهرات احتجاجًا على الأزمة الاقتصادية والفساد الذي يضرب البلاد. 
وعلى الرغم من أن المجلة نفسها تدعم خطة العمل المشتركة الشاملة (JCPOA)، المعروفة باسم الاتفاق النووي الإيراني الذي أعاد في عام 2015 علاقة إيران التجارية والمالية مع المجتمع الدولي، فإن ماكشين وغيرهم من المساهمين في التقرير لا يرون ذلك في ضوء إعلان أمريكا انسحابها من الاتفاق النووي عام 2018، كما يتنبأون أنه في عام 2019، وعلى الرغم من الجهود الأوروبية والروسية وتوقعات بعض المحللين المتفائلين، فإن الاتفاق النووي الإيراني سينهار أمام هيمنة الدولار الأمريكي واستعداد الإدارة الأمريكية لمعاقبة حتى أقرب حلفاء طهران.
وبدلاً من مواصلة التعاون الاقتصادي مع المجتمع الدولي، ستواجه إيران ذروة هبوط الإيرادات الحكومية، والتضخم، وتزايد البطالة، وكما يتوقع ماكشين، فإن من المحتمل أن يؤدي ذلك إلى اندلاع اضطرابات محلية كبيرة.
النقطة المهمة في جزئية التقرير المتعلقة بالشرق الأوسط تكمن في التوقعات بزوال الهيمنة الأمريكية، والذي يزعم بعض المحللين أنها بدأت إبان فترة رئاسة باراك أوباما، الذي حملت عقيدته «التحول شطر آسيا»، وكما أشار أنتون لاجوارديا نائب رئيس تحرير في مجلة «ذي إيكونوميست» في مقاله «نهاية الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط»: «في عام 2013. تنازل الرئيس باراك أوباما عن الهيمنة الأمريكية عندما رفض القيام بعمل عسكري ضد استخدام نظام بشار الأسد الأسلحة الكيماوية والغازات السامة ضد شعبه، وسعى فيما بعد إلى الاتفاق النووي مع إيران». ويرى التقرير أنه رغم أن ترامب يحاول إثبات أنه يختلف عن أوباما»، فإنه كان هناك شعور بتأثير غياب القيادة الأمريكية في السنوات الأخيرة في جميع أنحاء المنطقة، وكما تتوقع «إيكونوميست» كلما ازداد تراجع إدارة ترامب، فإن العديد من التوترات ستستمر.
ومع انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط والخسارة الحاسمة لهيمنتها منذ فترة طويلة، تُقر مجلة «ذي إيكونوميست» أنه من المرجح في عام 2019 أن تتدخل القوى الخارجية المؤثرة بشكل متزايد مثل روسيا والصين وكقوة اقتصادية في المقام الأول، من غير المرجح أن تشترك الصين في السياسة، وبدلاً من ذلك، ستملي روسيا سياسات المنطقة، كما أثبتت ذلك في السنوات الأخيرة في كل من الحرب الأهلية السورية والليبية. ويلاحظ لا جوارديا أن: «روسيا هي الدولة الوحيدة التي تتمتع بعلاقات ودية مع جميع اللاعبين الإقليميين الرئيسيين، ومن بينهم إسرائيل وتركيا، وإيران بشكل حاسم»، وأضاف: «إن المفتاح لأي حل في سوريا سيكون في يد روسيا، وليس أمريكا».
وفيما يتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي، فقد تعرض لها التقرير كموضوع رئيسي، ومن المثير للدهشة أن «إيكونوميست» تجاهلت أهمية التقلبات المستمرة في أسواق النفط العالمية؛ ففي الوقت الذي قال فيه بيان لصندوق النقد الدولي إن صعود أسعار النفط عن المستويات المسجلة حتى 2016 (بلغ حينها 27 دولارًا للبرميل)، سيرفع نمو اقتصادات الخليج بنسبة 2.4%. وتابع أنّه «في 2019. يتوقع أن تنمو اقتصادات الخليج بنسبة 3%، مقارنة بانكماش فعلي بنسبة سالب 0.4% في العام الماضي».
فإن الهزات الأخيرة في الأسعار خلال عام 2018، والتي يبدو أنها ستستمر على مدى الاثني عشر شهرًا القادمة بسبب الاضطرابات الإقليمية وانتشار استخدام النفط الصخري الأمريكي ستؤدى بالضرورة إلى الدفع ببرامج واسعة للإصلاح الاقتصادي داخل المجتمعات الخليجية واقتصاداتها، وخاصة أنه إذا حدث انهيار في الأسعار مثلما حدث في عام 2014؛ فمن الممكن أن تتكبد الدول التي تعتمد على النفط مثل الكويت والسعودية خسائر فادحة.
وبينما لم يتعرض التقرير إلى ما تشهده دول الخليج في عام 2019 من تنوع في مشروعاتها وخططها على المستويات السياسية والاقتصادية، لمواجهة هذه التحديات، فإن من الواضح هنا أن الدول كافة تسير في خططها للإصلاح والتنمية الفاعلة.
فالإمارات مثلا تستعد لانطلاق المعرض الدولي «إكسبو2020»، في العاشر من أبريل 2020، حيث تعمل دبي على بناء مدينة متكاملة لاستضافة الحدث، والتي تشير التوقعات إلى استقطابه نحو 25 مليون زائر يتوافد 70 % منهم من خارج الدولة.
كما أنها بحسب الاتحاد الإماراتية «أنهت عام 2018 في المرتبة التاسعة والعشرين عالميا ضمن مؤشر البلدان الأعلى عالميا في الناتج المحلي الإجمالي، والمرتبة السادسة عالميا من ناحية نصيب الفرد من الناتج.
ومن المتوقع أن تشهد البحرين هذا العام 2019 تحولات سياسية واقتصادية عدة، أبرزها في الجانب السياسي مع وصول أول سيدة بحرينية إلى رئاسة البرلمان البحريني.
وفي الجانب الاقتصادي، يتوقع أن يواصل الاقتصاد البحريني معدلات النمو؛ فالحكومة البحرينية نجحت في تجاوز أزمة مالية بمساعدة السعودية، والإمارات، والكويت.
لذلك؛ سيجنب برنامج التوازن المالي في 2019 المنامة حالة عدم التوازن بين الموارد والمصروفات، ويستمر البرنامج الذي خصصت له الدول الثلاث 10 مليارات دولار حتى نهاية عام 2022، كذلك بدأت البحرين في تطبيق نظام الضريبة المضافة من بداية هذا العام.
وتشهد شركة ألمنيوم البحرين (ألبا)، مختلف الأنشطة والأعمال التي تمهد الطريق لإنتاج أول معدن منصهر مع بداية العام 2019 بكلفة تبلغ 3 مليارات دولار، وفي قطاع النفط، يتم العمل على عدد من المشروعات المهمة، وعلى رأسها اكتشاف حقل خليج البحرين الغني بالنفط الصخري الخفيف والغاز الذي تم الإعلان عنه في أبريل من 2018. كذلك مشروع تحديث مصفاة شركة نفط البحرين (بابكو) بقيمة تبلغ 4.2 مليارات دولار، التي ستزيد من الطاقة الإنتاجية من 267 ألف برميل يوميا إلى 380 ألف برميل يوميا، ومن المتوقع أن يتم الانتهاء من المشروع خلال أربع سنوات.
وفى الكويت ستشكل المشكلات الاقتصادية، الناجمة عن تراجع أسعار النفط، تحديًّا كبيرا، حيث كانت أعلنت نهاية يوليو 2018 أن الميزانية العامة سجلت عجزا فعليا بلغ 3.247 مليارات دينار (10.73 مليارات دولار)، وهو ما تعمل على تجاوزه في المرحلة المقبلة. 
أما السعودية فيرى التقرير أنها ستسعى إلى إصلاحات داخلية جديدة على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، خاصة في ظل التوترات الإقليمية، بعد السماح للمرأة السعودية بالقيادة، وستسعى إلى جذب استثمارات أكبر في القطاع الخاص. وقد يكون هذا مستمدًا من إعادة توجيه الدبلوماسية السعودية نحو مهمة تركز على إنهاء النزاعات الدائرة التي تُعد المملكة طرفًا فيها وتحديدًا، الأزمة القطرية، والحرب الأهلية اليمنية، التي يُنظر إليها في واشنطن، والعواصم الصديقة الأخرى على أنها «انحرافات عن الهدف الرئيسي لقادة أمريكا، المتمثل في هزيمة إيران».
غير أن هناك قضية جلية أهملها التقرير وهى عدم تناوله «أزمة قطر»؛ والتي كانت المحرك الأساسي للتطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، وهي القضية التي قد تؤدي إلى إنهاك قوى بعض أقوى الاقتصاديات في العالم، فضلا عن أنها جذبت تركيا إلى السياسة الخليجية بطريقة لم يسبق لها مثيل منذ العهد العثماني.
وكما يتوقع معظم المحللين، فمن غير المرجح أن يتم كسر حالة الجمود بين قطر من جهة، ودول السعودية والبحرين والإمارات في هذا العام. وتبقى الدوحة ثابتة على عدم قبول مطالب الدول الخليجية الأخرى، والتي تشمل شروطًا مثل إنهاء تمويلها الجماعات الإرهابية وما تبثه من محتوى إعلامي ينتقد مجلس التعاون الخليجي، في الوقت الذي تحتفظ فيه اللجنة الرباعية بنهجها المتماسك.
وعلى الرغم من جهود الوساطة الكويتية المكثفة وزيادة الضغط الأمريكي على السعودية، لا توجد مؤشرات على أن أزمة الخليج ستنتهي في وقت قريب، وذلك بحسب ما يقول مروان كابلان رئيس قسم تحليلات السياسات في المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية، والذي أضاف: «أن البلدان المقاطعة تعتقد أن الوقت يقف إلى جانبها وأن قطر ستقبل في النهاية مطالبها، ومن ناحية أخرى، تعتقد قطر أنها تستطيع أن تتغلب على المقاطعة».
ويشير المدير التنفيذي لمركز تحليلات دول الخليج العربي «جورجيو كافييرو»، في صحيفة المونيتور إلى تلك النقطة قائلاً: «بالنظر إلى المستقبل، لا شك في أن مجلس التعاون الخليجي سيظل في عام 2019. مثل عام 2018 مؤسسة غير قادرة على تحقيق أهدافها».
وبالنظر إلى ما هو أبعد من دول مجلس التعاون الخليجي، فإن هناك حالة من الإغفال الرئيسية الأخرى من قبل مجلة الإيكونوميست هذا العام فيما يتعلق بالنزاعات المستمرة العديدة في الشرق الأوسط، وهي التوترات الطائفية المتزايدة، ما أصبح سمة بارزة أسهمت في حالة عدم الاستقرار الإقليمي.
وفي عام 2019 يبدو أن هذا الأمر سيزداد سوءًا، وتحديدًا بسبب نشر إيران المستمر لمجموعاتها الطائفية بشكل علني، مثل حزب الله اللبناني، والذي تمتد أنشطته الخبيثة في جميع أنحاء لبنان والعراق والبحرين ودول أخرى ذات تعداد سكاني متنوع، وهو ما يثير الاستياء، وما يزيد من تفاقم هذه الحالة احتمال عودة تنظيم داعش في سوريا والعراق.
كذلك يبدو أن مجلة الإيكونوميست البريطانية، التي عادة ما تهتم بمسألة المصادر المحتملة للنزاعات الإقليمية الرئيسية، قد أخفقت في تخصيص مقالة للحرب الأهلية السورية التي دامت قرابة 8 سنوات. وطوال هذا الوقت، كانت الحرب تهديدًا أساسيا لأمن واستقرار الشرق الأوسط.
ويتوقع مايكل ديمبسي، زميل الاستخبارات الوطنية في مجلس العلاقات الخارجية، أن «الصراع سيتخذ منعطفًا آخر مشؤوما العام الحالي». وأضاف قائلاً: «بعض أكثر الاحتمالات إثارة للقلق تشمل الهجوم المحتمل للنظام على محافظة إدلب بكل عواقبه الإنسانية، والهجوم التركي الوشيك شرق الفرات ضد الأكراد، واحتمالية تبادل إطلاق النار عبر الحدود بين إيران وإسرائيل على نطاق أوسع».
نزاع آخر أغفلته مجلة الإيكونوميست في تقريرها وهو الحرب الأهلية اليمنية، وحتى الآن، فشلت الجهود الدبلوماسية في حل هذه الحرب على نطاق واسع».
بصفة عامة بدت العديد من توقعات الإيكونوميست حول الاتجاهات الاقتصادية والسياسية والعسكرية في الشرق الأوسط لعام 2019 متشائمة، وفيما رصدت التحليلات الاقتصادية ملامح الشؤون الإقليمية المعاصرة ومنها: مركز إيران والمملكة العربية السعودية، باعتبارهما أهم اللاعبين في المنطقة؛ وتقليص نطاق الهيمنة الأمريكية في ظل حكم دونالد ترامب، كان هناك عدد من حالات الإغفال والتجاهل الملحوظة من التقرير، والتي ذكرناها أعلاه.
إن مصير دول مجلس التعاون الخليجي في أعقاب أزمة قطر له أهمية استراتيجية إقليمية كبيرة، بالنظر إلى وضعها كمجموعة من أغنى الدول في الشرق الأوسط وأكثرها قوة. وعلاوة على ذلك، فإن استمرار الحروب الأهلية السورية واليمنية، لا يزال توقعا قائما على نطاق واسع، خاصة في ضوء وجود قوى خارجية قوية قادرة على تشكيل نتائجها، وهي روسيا وتركيا وإيران والمملكة العربية السعودية. وعمومًا من المتوقع أن يكون عام 2019 عامًا أكثر اضطرابًا في الشرق الأوسط مقارنة بسلفه.

 

{ انتهى  }
bottom of page