top of page
11/12/2019

في ذكرى تأسيسه الـ«70».. مستقبل غامض ينتظر حلف الناتو

عادة ما تعقد مؤتمرات قمة الناتو بشكل روتيني لمناقشة السياسة العسكرية والدفاعية بين أعضائه الذين غالبا ما يتشاركون نفس وجهة النظر مع التركيز بشكل أساسي على التفاصيل الفنية والتخطيط بدلا من التركيز على التطورات السياسية، لكن انتخاب «دونالد ترامب»، رئيسا للولايات المتحدة عام 2016، جعل قمة الناتو مليئة بالمتغيرات السياسية -كغيرها من التجمعات الدولية التي تشارك فيها الولايات المتحدة في عهده- ومنها قمة الحلف الأخيرة التي عقدت في لندن أوائل ديسمبر، والتي تؤكد هذا الواقع السياسي الجديد.
وقبل انعقاد القمة، توقع بعض المحللين أنها ستكون مختلفة، في ضوء أنها عقدت للاحتفال بالذكرى السبعين لتأسيس الحلف. تقول «راشيل إلوهوس»، من «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»: إن «قادة الناتو يجتمعون للاحتفال والتفكير في إنجازات الماضي، وتنفيذ ما تبقى من تدابير الردع والدفاع المتفق عليها في قمة وارسو عام 2014، وتهيئة الأساس للتعاون المستقبلي في مجالات جديدة مثل، التكنولوجيات المستجدة والفضاء»؛ وهى القضايا التي تم بالفعل إحراز بعض التقدم فيها من خلال التعهدات بدعم الدفاع السيبراني، والإشارة إلى أن الفضاء سيكون المجال الذي يلي في الأهمية العمليات العسكرية، والاعتراف بأن الناتو يجب أن يستعد لمواجهة الصين المعادية بشكل متزايد.
وعلى الرغم من التقدم المحرز فإنه لم يكن بالصورة المأمولة، وذلك بسبب ظهور الانقسامات الداخلية العميقة بين أعضائه، وهو ما أضعف تماسكه وقدرته التشغيلية. يقول «دومينيك يانكوفسكي»، من «مركز كارنيجي»: إن «عام 2019 كان من المفترض أن يكون ذكرى سنوية كبيرة للناتو، ولكن لسوء الحظ لم تأت الذكرى كما كان مخططا لها». ولعل هذه الانقسامات هي ما حاول «ينس ستولتنبرغ»، الأمين العام للحلف في تصريح له، التقليل منها بتأكيده قدرة الحلف على تجاوز أزماته، قائلا: «كانت هناك دائما خلافات داخل الحلف، لكنه أثبت -كما سيثبت اليوم- أنه قادر على التغلب عليها»؛ لكنّ كلماته كانت ذات تأثير ضئيل للغاية في لم شمل الناتو؛ حيث تزامنت القمة مع حادثتين أظهرتا أنه ربما يكون أكثر ضعفا اليوم عما كان عليه في الماضي:
أولا: سخرية رئيس الوزراء الكندي، «جاستن ترودو» من ترامب إلى جانب الرئيس الفرنسي، «إيمانويل ماكرون»، ورئيس الوزراء البريطاني، «بوريس جونسون»، والأميرة «آن» من العائلة الملكية البريطانية؛ وهو ما رد عليه ترامب بوصف «ترودو» بأنه «ذو وجهين». 
ويشير هذا الانقسام بين شخصيات بارزة في الحلف وترامب إلى مشكلة رئيسية تواجهه اليوم، وهي ابتعاد أمريكا عن حلفائها الأوروبيين والكنديين تحت الإدارة الحالية، وتمثل ذلك في عدة مظاهر منها؛ مبدأ «أمريكا أولا»، الذي اتبعه ترامب، والذي دفعه إلى انتقاد الناتو كعبء على موارد الولايات المتحدة. ونشرت صحيفة «التليجراف»، أن ترامب «بصفته ذا آيديولوجية قومية انعزالية فمن الطبيعي أن يرى الناتو مضيعة للموارد التي يمكن إعادة توجيهها لأغراض محلية، مثل الاستثمار في التصنيع، بعيدا عن حماية أوروبا من روسيا والتهديدات الأخرى». 
فيما تعد قضية «تقاسم الأعباء» ذات تأثيرات بالغة، خاصة في ظل الظروف الجيوسياسية التي تتفاقم في أوروبا، حيث يعترض الرئيس الأمريكي على ما ينفقه الأوروبيون من أجل الدفاع عن أنفسهم. ويشير «تشارلز كوبشان»، من «مجلس العلاقات الخارجية»، إلى أنه «على الرغم من أن الدول الأعضاء اتخذت خطوات لتعزيز آلية الردع المُستخدمة منذ غزو روسيا لأوكرانيا عام 2014، وتعهدوا في قمة ويلز عام 2014 بإنفاق ما لا يقل عن 2% من الناتج المحلي على الدفاع لتعزيز القدرة العسكرية للحلف؛ إلا أن 7 دول فقط من أصل 29 دولة نفذت هدف الـ2%، من بينها الولايات المتحدة بنسبة (3.4%)، واليونان (2.2%)، والمملكة المتحدة (2.2%)، وكل من إستونيا وبولندا (2.1%)، وكذلك لاتفيا وليتوانيا (2.0%). فيما يعد أسوأهم لوكسمبورج (0.54%) وإسبانيا (0.94%) وبلجيكا (0.93%) وسلوفينيا (1.02%) وجمهورية التشيك (1.11%).
وتحتل الولايات المتحدة المركز الأول في نسبة الإنفاق العسكري بين دول الحلف، وتبلغ مساهمتها 3.5% من قيمة الناتج القومي الإجمالي. ووفقًا للأرقام التي نشرها «المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية»، بلندن، أنفقت أمريكا حوالي 602.8 مليار دولار على الدفاع عام 2017؛ أي ما يُعادل 70.1% من الإنفاق العسكري الذي تُنفقه جميع الدول الأعضاء في الناتو، مضيفا أنه «لولا مساهمات واشنطن لما تمكّن الأعضاء الباقون من ردع التقدم الروسي». 
يأتي هذا في الوقت الذي لا يؤيد فيه ترامب الشرط المنصوص عليه في المادة الخامسة من ميثاق التحالف والذي بموجبه يتعين على أمريكا التدخل للدفاع عن أحد الأعضاء الآخرين في حالة الهجوم عليه، وهو ما يراه: «حربا لا داعي لها في الخارج». 
يضاف إلى ذلك الاختلافات الاستراتيجية المتنامية بين أوروبا وأمريكا، في عصر ترامب. يقول «تيد جالين كاربنت»، من «معهد كاتو»: إن «وجهات النظر والمصالح الأمريكية والأوروبية لا تزال تتباعد حول مجموعة متنوعة من القضايا الاستراتيجية المهمة، بدءًا من الحرب الأهلية السورية إلى تصور الصين على أنها تهديد استراتيجي، وهو ما يجعل من الضروري التخلي عن الفكرة القديمة المتمثلة في توافق المصالح الأمريكية والأوروبية لدرجة كونها متطابقة، فلقد كان هذا الاعتقاد مبالغًا فيه حتى أثناء الحرب الباردة عندما واجهت أمريكا وحلفاؤها الأوروبيون تهديدًا متبادلاً تمثّل في الاتحاد السوفيتي، لكن اليوم أصبحت هذه الأفكار خيالا في ظل بيئة أمنية أكثر تنوعًا وأقل خطورة».
ثانيا: تصريحات الرئيس الفرنسي «ماكرون» مطلع نوفمبر لمجلة «ذا إيكونوميست»، بأن الحلف يعاني من «موت إكلينيكي»، ودعوته إلى ضرورة تحقيق أوروبا «للاستقلال الاستراتيجي» من خلال بناء قدرتها العسكرية والسياسية وتقليل اعتمادها على المظلة الأمنية الأمريكية؛ وهو ما يفسره «أوليفييه»، من «المجلس الأطلسي»، بقوله: «ما يراه ماكرون هو عالم يزداد خطورة على الأوروبيين وتتزايد فيه الأنظمة الاستبدادية، وعدم الاستقرار.. ولخشيته أن تكون أوروبا منقسمة، دعا إلى أن يصبح الاتحاد الأوروبي، وليس حلف الناتو محور الجهود العسكرية والدفاعية الأوروبية». 
لكنّ العديد من الدول اعتبرت هذه التصريحات بمثابة محاولة من باريس لفرض هيمنتها على القارة الأوروبية على حساب العلاقات المتوترة مع الولايات المتحدة، فضلا عما تمثله تلك الرؤية الاستراتيجية من قلق لدول أوروبا الشرقية، وخاصة مع تصريحه بأن موسكو لم تعد عدوا للناتو، وهو ما سبب حالة من القلق لدول مثل: «بولندا وإستونيا ورومانيا»، والتي تعتبر روسيا بمثابة التهديد الرئيسي للأمن الأوروبي. وفي هذا السياق، تقول مجلة «ذا إيكونوميست»، إن «ماكرون أثار الذعر لزعماء دول أوروبا الشرقية، بتقويضه ما تم الإجماع عليه لسنوات من معاداة روسيا في ضوء ضمها شبه جزيرة القرم، وغزو أوكرانيا خلال عام 2014، فضلا عن الشعور بالقلق من انفتاحه للحوار بشأن الاقتراح الروسي بوقف نشر الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى في المناطق الأوروبية؛ والذي يعد انتهاكا لمعاهدة الحرب الباردة، التي انسحبت منها الولايات المتحدة في الثاني من أغسطس 2019». ويوضح «نيكولاس بيرنز»، السفير الأمريكي السابق لدى الناتو في مجلة «ذا أتلاتنيك»، أن «الخلاف مع ماكرون مثّل أحدث علامة على أن ترامب قد أوصل التحالف الأمني الأكثر أهمية للولايات المتحدة إلى أزمة».
ولعل أحد التغييرات التي شهدتها قمة الناتو، هي عدم إثارة تركيا لأي من الخلافات على الرغم من حالة التجاهل والعداء التي تكنها تجاه الحلف. وفي الآونة الأخيرة تعمل أنقرة بشكل مستقل عن معظم الأعضاء لخدمة أهدافها الخاصة، كغزو شمال سوريا ومهاجمة الفصائل الكردية المتحالفة مع الولايات المتحدة، وتعزيز علاقتها مع روسيا، وشرائها لنظام الدفاع الصاروخي «S 400»، وما ترتب عليه من قرار الولايات المتحدة إخراجها من البرنامج المشترك لصناعة المقاتلة F-35، خوفًا من تعرض البيانات الحيوية للخطر، ما أدى إلى تراجع العلاقات التركية الأمريكية بشكل كبير، بحيث أفادت «الايكونوميست»، بأن «تركيا حليف مهم لحلف الناتو، لكنها أضحت صعبة المراس مؤخرًا».
لكن في الاجتماع الأخير لم تسع أنقرة لتعطيل عمل القمة وإجراءاتها، وفاجأت كلا من المشاركين والمراقبين بسحب الفيتو على خطة الناتو الأمنية لحماية بولندا ودول البلطيق. وفي السابق قال الرئيس التركي «رجب طيب أردوجان»، إنه سيستخدم الفيتو ضد هذه الخطة ما لم يصنف الحلف جماعات مثل قوات وحدات حماية الشعب الكردي في شمال سوريا، ككيانات إرهابية. وفي هذا السياق يقول «سنان أولجن»، في مجلة «فورين بوليسي»، إن «حجة أنقرة تعتمد على القول القديم بعدم قابلية الأمن للتجزئة، فلا يجب على الناتو التمييز بين أعضائه، لذا يجب أن تكون الجهود المبذولة لتحسين وتقوية أمن أعضائه في الشمال والشرق مصحوبة بجهد مماثل في الجنوب»؛ وعلى الرغم من عدم تلبية هذا المطلب، قررت تركيا التخلي عن حق الفيتو، رغم التوترات المستمرة بينها وبين غيرها من دول الحلف». 
على العموم، يبدو أن حلف الناتو بات مهددا حاليًا، ليس فقط بسبب الانطوائية والانعزالية الأمريكية، ولكن أيضًا بسبب فشله في تحديث قدرته الدفاعية والهجومية، والأهم حالة التشرذم الداخلية، والانقسامات السياسية العميقة التي تلحق الضرر بالتماسك الاستراتيجي للقارة الأوروبية، وهو ما سلط الضوء على الواقع الحالي لتلك المنظمة.
وبالتالي فالقمة التي كانت من المفترض أن تأتي احتفالاً بمرور 70 عامًا على تأسيسه، ربما تكون بمثابة لحظة تاريخية قبيل انهياره، أو على الأقل غموض مستقبله.

{ انتهى  }
bottom of page