top of page

مقالات رئيس المركز 

د. عمر الحسن

Picture No.3.JPG
5/5/2020

كـــيــف أدار «تـــرامـب» أزمــة كـــورونــا؟

واجه الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» انتقادات واسعة منذ توليه منصبه في يناير2017، حول سياساته وطريقة إدارته، والتي كانت مؤشرا مؤسفا للواقع القاتم للخطاب السياسي الحالي في جميع أنحاء العالم الغربي. وعلى الرغم من أن واشنطن دائما ما كانت تبادر في أوقات الأزمات لتتولى القيادة العالمية، إلا أنه مع بداية عهد «باراك أوباما» بدأ هذا الدور يتقلص، وانتهى بشكل كامل في عهد «ترامب»، الذي كانت رسالته أن أمريكا أولاً وأخيرًا وليتولى الآخرون كل بمفرده التزاماته واحتياجاته وأمنه ودفاعه، فتخلت عن العديد من الاتفاقيات العالمية الرئيسية، وهو ما أصاب روح التعاون الدولي بالخلل بل وبالشلل.

 

ومنذ بداية أزمة كورونا، أظهرت الإدارة الأمريكية الإنكار والتقاعس في الاستجابة لتحدياتها رغم الإنذارات المبكرة التي تسلمتها منذ يناير2020، وفشلت في اتخاذ الإجراءات الحاسمة منذ ظهوره في ووهان الصينية. وتتصدر الولايات المتحدة قائمة الدول في العالم من حيث عدد الإصابات بالفيروس. وبحلول 3 مايو سجلت أكثر من 1.160.838 حالة مؤكدة وأكثر من 67.448 حالة وفاة؛ ما يجعلها المركز العالمي له. ورغم كل هذا العدد الكبير من الإصابات والوفيات واستمرار تزايدها كل يوم، فإن «ترامب» مازال يرى ضرورة اتباع استراتيجية إعادة فتح البلاد بسرعة وإنهاء عمليات الإغلاق التي بدأها منذ منتصف مارس2020، رغم معارضة وتحذيرات خبراء الصحة العامة، وهو ما أثار استياء حكام الولايات الأمريكية ومواطنيها، فهو يفضل الاقتصاد على كل شيء آخر رغم العواقب المميتة المحتملة والتهديدات الخطيرة للمكافحة العالمية لهذا الفيروس.

 

وطوال المراحل الأولى لانتشار الفيروس نفى وجود تهديد خطير ورفض الرد على التقارير «المقلقة» الواردة من أعضاء إدارته. وكان «مجلس الأمن القومي الأمريكي»، قد تلقى معلومات استخبارية أوائل يناير2020 توقعت انتشار الفيروس بشكل واسع، ومذكرة في 29 يناير رفعها الى البيت الأبيض المستشار التجاري «بيتر نافارو» حددت خطر الأزمة بوصول عدد الوفيات إلى 500.000 حالة.

 

والغريب في الأمر، أن الرئيس الأمريكي كان بطيئا ومترددًا في العمل الضروري والفوري حتى بعد وصول الفيروس إلى الولايات المتحدة. ففي منتصف مارس 2020، وبعد ضغوط صحية ومناداة شعبية وانتقادات سياسية وإعلامية -أي بعد شهرين ونصف تقريبًا- قرر على مضض اتخاذ تدابير الإغلاق والتباعد الاجتماعي. لكنه وعد بإنهاء ذلك مع حلول عيد الفصح يوم 14 أبريل 2020 كتقدير أولي -أي بعد أقل من شهر تقريبًا بعد الإغلاق- لكن ثبت أن هذا التاريخ غير منطقي. وعليه، حمّل «بيتر وينر» من «مركز الأخلاقيات والسياسات العامة»، إدارة ترامب مسؤولية الأخطاء الفادحة والمكلفة، وخاصة القصور في الاختبارات التشخيصية، وفحص عدد قليل جدا من الأشخاص، والتأخير في توسيع إجراء الاختبارات خارج مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها، مؤكدا أن الأزمة أظهرت تجاهله الصارخ للنصيحة المهنية المقدمة من خبراء الصحة العامة، حتى اضطروا إلى فرضها بأنفسهم، رغم أنها غالبا ما جاءت متأخرة للغاية.

 

ويصف «ديفيد جراهام» من مجلة «ذا أتلاتنيك»، المؤتمرات الصحفية اليومية لترامب بأنها «تُظهر جهل وفشل القيادة الأخلاقية والصحة العامة منذ البداية». ففي يوم 23 أبريل، في مؤتمر صحفي وصف الفوائد المحتملة للمطهر في علاج أعراض فيروس كورونا، وطالب الناس بحقن أنفسهم بالمطهرات والمواد الكيميائية، ما اضطر الشركات العالمية المختصة إلى إصدار بيانات ترفض فيها هذه الدعوة وتؤكد أن نتيجة حقن الإنسان بهذه المواد سوف يؤدي إلى الوفاة، قائلة: إنه «لا ينبغي تحت أي ظرف من الظروف أن يتم إدخال منتجاتنا المطهرة إلى جسم الإنسان»، وحاول التراجع زاعمًا أنه كان يسأل سؤالا ساخرا للصحفيين لمجرد رؤية ما سيحدث، لكن محاولة اعتذاره فشلت في إقناع الكثيرين.

 

وبدلاً من التركيز على الجهود العالمية لتطوير علاجات الفيروسات التاجية، ركز الرئيس الأمريكي، على الدعم غير الموفق لعقار مُضاد للملاريا، هو «هيدروكسي كلوروكوين». وأعقب ذلك بوقت قصير مصرع رجل وزوجته في ولاية أريزونا بعد تناوله العلاج المذكور. قد تبدو هذه التصريحات استعراضا غريبا له عواقب وخيمة على الصحة العامة، فهو ليس طبيبًا ولا عالمًا في الكيمياء.

 

وحتى بعدما توقف «ترامب» عن المؤتمرات الصحفية اليومية، بزعم أن وسائل الإعلام لا تطرح إلا الأسئلة المعادية له ولإدارته، ولا تقوم بتغطية الحقائق بل تقوم بتشويهها؛ تراجع عن ذلك فيما بعد، وشن هجومًا يوم 26 أبريل على الصحافة. قائلا: إنه يجب على الصحفيين إعادة «جوائز نوبل» الخاصة بهم – في حين أن جوائز نوبل لا تُمنح للصحفيين- وادعى أنه أكثر رئيس في الولايات المتحدة تعاملت معه الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى بهذه القسوة وهذا العداء.

 

ويرى «فيليب بومب» في صحيفة «واشنطن بوست»، أن المعلومات العامة حول الفيروسات التاجية ستفيد بشكل كبير لو كان تدخل «ترامب»، قليلاً في المؤتمرات الصحفية. وأظهر تحليل أن الرئيس الأمريكي أمضى 60% من وقت هذه المؤتمرات في الحديث، بينما مُنح 15% فقط من الوقت لـ«د.أنتوني فوشي»، خبير الأمراض المُعدية و«ديبورا بيركس»، طبيبة البيت الأبيض و25% لأسئلة الصحفيين. ويؤكد «بومب»، أن انسحاب «ترامب» من هذه المؤتمرات سيسمح «لسماع الخبراء أو المسؤولين أو غيرهم الذين يفترض أنهم أفضل منه بكثير من الناحية العلمية». وفي حين أن مثل هذا التغيير سيكون بالتأكيد مفيدًا للشعب الأمريكي، فإن «ترامب» لا يمكن أن يتقبله لأنه سيحرمه من الاهتمام الإعلامي المستمر الذي يرفضه علنًا، ولكنه يتوق إليه شخصيًا.

 

يأتي هذا في الوقت الذي لم يقم فيه أي عضو آخر في البيت الأبيض بدور قيادي في الأزمة، وذلك على النقيض من الحكومة البريطانية، حتى قبل الغياب القسري لرئيس الوزراء، «بوريس جونسون»، فقد كان أعضاء كبار آخرون في الحكومة يقدمون إحاطات إعلامية بشكل يومي، بينما كان كبار أعضاء الإدارة الأمريكية مرتبطين بأدوار ثانوية. وكتب «جنيفر روبين» في الواشنطن بوست: «كلما دافع مساعدو ترامب المتملقين عنه، بدا أكثر سوءًا وازداد القلق من أنه أحاط نفسه بأفراد غير قادرين على توجيهه أو تثقيفه».

 

وعلى الرغم من أن المنتقدين للرئيس الأمريكي كانوا يرون في هذا الأمر فرصة لإدانته، لكنّ ذلك لم يحدث، فقد نجا من فضائح أكبر، ولا يزال الأوفر حظا لإعادة انتخابه في نوفمبر بسبب الحماس الثابت لقاعدة دعمه رغم الصدمة التي شكلتها آخر نتائج استطلاعات الرأي التي أظهرت خسارته أمام منافسه الديمقراطي «جو بايدن». وفي غضون أسابيع قادمة، سوف يندلع جدل كبير آخر بسبب تصريحاته ليشغل عقول الناخبين وسط متابعة شعوب العالم.

 

وطوال الأزمة، أظهر «ترامب» تفضيلًا واضحًا للاقتصاد الأمريكي على الصحة العامة، زاعمًا أن هذا الفيروس تسبب في إحداث أضرار اقتصادية للولايات المتحدة، ولا سيما أن 26 مليون أمريكي يطالبون بالحصول على إعانات البطالة في ظل موجة تسريح العمالة من كل الشركات المغلقة أو المنهكة بسبب نقص الطلب على منتجاتها. كما أنه «في أواخر أبريل، انهارت أسعار النفط الأمريكية إلى أدنى مستوى لها. ولعل انخفاض الطلب على إمدادات النفط وانخفاض الإنتاج وتراجعه في قطاعات الطيران والتصنيع خاصة صناعة السيارات سيلقي بظلاله على الاقتصاد الأمريكي سنوات عديدة قادمة».

 

وفي أعقاب هذه الأخبار القاتمة، انتشرت العديد من الاحتجاجات عبر الولايات المتحدة الأمريكية، داعية إلى إعادة فتح الاقتصاد لتجنب التعرض لمزيد من الأضرار الاقتصادية. ومع أن هذا النهج قد يكون خطرًا كونه سيؤدي إلى انتشار الفيروس بشكل أكبر، وسيتسبب في إزهاق عشرات الآلاف من الأرواح، وفي الوقت نفسه يتعارض مع التحذيرات التي أطلقها مسؤولو الصحة العامة؛ فإن الإدارة الأمريكية ستمضي قدمًا في خططها لإعادة فتح الاقتصاد في ظل ادعاء وزير الخزانة الأمريكي «ستيف منوشين» أنه: «في حالة تمت إعادة فتح الاقتصاد في شهري مايو ويونيو، سينتعش حقًا في كل من أشهر يوليو وأغسطس وسبتمبر القادمة». وبناء عليه إذا ارتفعت حالات الإصابة بـ«كوفيد-19» مرة أخرى، فلن يقع اللوم على ترامب وحده في هذا الصدد، وخاصة أنه يرى أن عودة الاقتصاد الى وتيرته المعتادة والتكتيكات التي يتبناها للوصول الى ذلك ضرورية بالنسبة إليه.

 

وفي الواقع، لا يمكن التقليل من تأثير الرئيس الأمريكي في ذروة تفاقم تلك الأزمة في ظل أن واشنطن هي القوة العظمى السياسية الرئيسية في العالم. وعلى مدار التاريخ، استفاد الرؤساء الأمريكيون الذين كانوا في السلطة أثناء اندلاع العديد من الأزمات المماثلة؛ أمثال «لينكولن»، «روزفلت»، «كينيدي»، في زيادة مستوى شعبيتهم وقبولهم على الصعيد الدولي. غير أن «ترامب»، قد يكون استثناءً في هذا الصدد، حيث اختار التنصل من إخفاقاته التي أدت الى تردي الوضع الاقتصادي والسياسي والصحي في بلاده، وألقى بالمسؤولية على الصين ومنظمة الصحة العالمية لغض الطرف عن أوجه القصور في إدارته للأزمة.

 

وبدلاً من اتخاذ تدابير لمعالجة الوباء؛ سعى لمهاجمة «بكين بكل الصور لتحقيق مكاسب سياسية. ورأى أن الدور الذي مارسته وأدى إلى تفاقم انتشار الوباء، فرصة رئيسية لكسب التأييد في «الحرب الباردة الجديدة»، الصينية- الأمريكية، حيث وصف الفيروس بأنه «صيني»، واتهم الحكومة الصينية بالفشل في وقف تفشي الوباء منذ ظهوره في ووهان مع نهاية عام 2019، ولكن هذه الانتقادات تتناقض مع وصلة الثناء والمدح لبكين في تغريدة له يوم 24 يناير الماضي، قائلاً: «تعمل الصين بجد لاحتواء الفيروس، والولايات المتحدة تقدر تقديرًا كبيرًا جهودها وشفافيتها، ونيابة عن الشعب الأمريكي، أود أن أشكر الرئيس شي!».

 

ومن ناحية أخرى، استهدف «ترامب»، منظمة الصحة العالمية، مشيرًا إلى أنها تعمل كإدارة للعلاقات العامة للحكومة الصينية، وأنها لم تضغط عليها لاتخاذ إجراءات وقائية بشأن تفشي الفيروس، ولم تحذر الولايات المتحدة إزاء هذا الأمر. ولهذا جمّد مبلغًا قدره 400 مليون دولار من التمويل الأمريكي السنوي للمنظمة العالمية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الحرب الباردة الكلامية  بين الصين وأمريكا قد أفضت في نهاية المطاف إلى تهديد الأخيرة بفرض عقوبات ورفع دعاوى قضائية ضد الصين؛ وهو ما حدث بالفعل، حيث رفعت ولاية «ميسوري» الأمريكية، دعوى قضائية ضد الحكومة الصينية تتهمها بالفشل في احتواء انتشار الفيروس قبل وصوله الى الولايات المتحدة وتطالبها بالتعويض.

 

على العموم، لا يمكن اعتبار الطريقة التي أدار بها «ترامب» أزمة كورونا حتى الآن إلا كارثة حقيقية، فقد تجاهل تحذيرات مسؤولي الصحة العامة، وركز على سفاسف الأمور والحروب الكلامية مع الصين، ومع منظمة الصحة العالمية، وتعامل مع وسائل الإعلام جراء تشكيكها وانتقادها لاستراتيجيته غير العملية، على أنها منبوذة، في حين لم يظهر أي قدرة على تولي زمام القيادة في وقت الأزمات؛ الأمر الذي جعل أمريكا المركز العالمي للفيروس.

 

ومع ذلك، يمكن للعالم أن يقضي على هذه الجائحة إذا غيرت واشنطن من موقفها وحشدت مع منظمة الصحة العالمية، استجابة عالمية للقضاء على هذا الوباء، مقتدين بما حدث عام 2014، عندما بدأ فيروس إيبولا ينتشر في غرب إفريقيا.

{ انتهى  }
bottom of page